((الحب والموت)) هما القوتان الرهيبتان على مسرح هذا الوجود . وهما العنصر الأول والأخير للمأساة . ومهما يكن اختلاف المظاهر وتشعب النواحى وخفاء المعالم ، فهما فى صميم الواقع محمول كل حدث ، ومؤدى كل خبر ، وموضوع كل شعور وتفكير .
والحب هو الدافع لمجرى الحياة ، والموت هو المجدد للحياة والمعمق لمجراها . والحب هون على الأحياء التضحية
من أجل النوع ، حتى قيل الحب أقوي من الموت ؛ كما أن الموت فتح للانسان - منذ كان الانسان - باب التفكير فيما بعد الحياة . ولما كان (( رابندرانات تاجور )) - كشأن كل شاعر حكيم - تغنى باللحنين على قيتارته ، فنحن نؤثر - وقد قضى اليوم نحبه - أن نبدأ الكلام ونحن فى مقام النعى والعبرة عن (( تاجور والموت )) .
التقى (( تاجور )) أول ما التقى بالموت فى صغره ، ووصف لنا هذا اللقاء الأول فى (( ذكرياته )) فى كلمات بسيطة معبرة :
(( كنت حين أدركت أمى الوفاة لا أزال صبيا فى غرارة الحداثة . وكانت أمى مريضة منذ زمن ، ولا نعلم متى اشتدت عليها العلة . وكانت من قبل تنام دائما معنا فى الغرفة نفسها ، ثم أخذوها فى مرضها لرحلة فى النهر . وعند الاياب أعدوا لها مخدعا من المخادع الداخلية فى الطابق الثالث . وكنا ليلة وفاتها نياما فى غرفتنا المخصصة للأطفال ، وإذا بالخادم العجوز - فى ساعة من الليل لا أحققها - تقتحم علينا الغرفة باكية مولولة : (( آه ! يا أولادى الصغار ، لقد فقدتم ذخركم كله ! )) . فأسكتتها زوجة أخى الأكبر ، وأبعدتها عنا ، رغبة منها فى
كفايتنا شر الصدمة فى جوف الليل . فأحسست - وأنا نصف مستيقظ - بقلبى يخور بين جنبى ، دون أن أعى ما جرى حتى الوعى ، فلما أصبح الصباح ، لم أدرك ما هو الموت الذى نعوا خبره إلى . فلما خرجنا إلى الشرفة الواسعة المسقوفة ، رأينا أمى مسجاة على سريرها فى الفناء الداخلى . ولم يكن يدل مظهرها على أن الموت فاجع فظيع ، إذ كان محياها مؤنسا وادعا كمحياها وهى نائمة ، ولم يكن ثمة ما يشعر بالهاوية الفاصلة بين الحياة والموت .
(( إلا أنهم لما حملوا الجسد ، وساروا به فى الطريق العام المحفوف بالشجر ، ومشينا فى الجنازة وراء النعش حتى بلغنا المدفن ، جاش بنفسى لاعج من الألم حين ذكرت أن أمى لن تعود من هذا الباب إلى مكانها فى البيت ، وفى آخر اليوم ، وقد عدنا من الدفن وآوينا إلى البيت ، رفعت بصرى فى ظلام الليل إلى حيث مخدع أبى فى الطابق الثالث فآنست أنه هناك ، ما برح فى الشرفة الواسعة المسقوفة جالسا فى مكانه يصلى .
(( وتكفلت الصغرى من زوجات إخوتى بالأيتام الصغار ، فكانت تتعهد طعامنا ، وتقوم على حاجاتنا ، حتى لا يفدحنا الشعور برزئنا .
(( والواقع أن كل حى رزق القدرة على جبر ما لا يجبر ، والسلوان عن الذاهب بلا رجعى ذهاب الأبد . وهذه القدرة أقوى ما تكون عند الانسان فى حداثة السن ، فليس تبلغ إلى صميمه طعنة ، ولا يبقى له جرح بغير اندمال . كذلك كان الوقع الأول لشبح الموت فى حداثتنا الأولى ، فانه لم يترك وراءه ظلمة ، بل انجاب عنا مثلما أظلنا فى خفة الطيف )) .
ولم يكن كذلك لقاؤه للموت بعد ذلك ، بل كان الموت تجربة قاسية وضربة فى ناحية القلب ، والشاعر وقتئذ فى الثالثة والعشرين من عمره ، وكان فى ضياع أبيه يتولاها ، وقد عبرت ، سنون وسنون ، وهو أطيب ما يكون نفسا فى أحضان الطبيعة ، وأقر ما يكون عينا بين زوجه وولده ،
فإذا غيمة كبيرة تعترض فى سمائه الصافية ، وينزل القضاء بساحته ، فيعاجل بسهمه فى شهور معدودات قلائل زوجته وابنته وأصغر أبنائه . وللشاعر الحكيم فى وصف هذه الفترة بضع صفحات مطبوعة بالألم المكبوت والتأمل الروحى ، وبها ختم ذكرياته :
(( وأما فى هذه المرة ، فكان لقائى للموت فجيعة باقية امتدت واتصلت بالناعى التالية على أثرها ، فانعقدت أطرافها جميعا كسلسلة واحدة من الألم .
(( ولم يكن يدور قط فى خلدى أن انقطاع صلة من الصلات قد يقطع سياق الحياة بأفراحها وأتراحها ؛ وكنت أنظر إلى هذى الحياة على أنها كل فى ذاته ، ولا آنس شيئا وراءها . فلما حم القضاء ، وانفتق فى التو واللحظة فتق رغيب فى هذا النسج المستوى المحبوك ، ضل صوابى وحار لبى ؛ وكنت أرى من حولى الأشجار والأرض والماء والشمس والقمر والكواكب حقيقة واقعة ، وهى بعينها باقية على حالها كما كانت . على حين أن المخلوق الحى الذى كان فى وسطها أبلغ منها حقيقة ، وأوكد واقعية ، بما يربطه بنفسى من صلات وأسباب ، قد اختفى كالحلم فى لحظة . فكيف التوفيق بين ما بقى وما زال ؟
(( هذا الغموض الرهيب الذى تمثل لى فى هذا الصدع البائن لم يزل مستوليا على ليل نهار . فكنت أعاود الجلوس أمامه على الدوام ، وأسائل نفسى عما بقى بديلا مما ذهب ؛ فالمرء لا تطوع له نفسه الإيمان بالفراغ والخلاء المطلق ، فما لا وجود له باطل عنده ، والباطل لا وجود له ؛ ومن ثمة كان ما نبذله من جهود لا يعتورها كلل ولا تعرف الملل ، لنكشف سرا مستورا فى حيث لا نرى أعيننا ظاهرا منظورا
(( وكما أن النبت المطروح فى الموضع المظلم يشرئب ويتطاول ليجد طريقا إلى النور ؛ فكذلك روحنا إذ تقذف بها الفجيعة فى غيابة الظلمة ، تجاهد وتستنفد الوسع والطاقة فى التماس مخرج إيجابى . وأى لهف يعدل لهفة المرء فى الظلمة التى تحتويه وتحول بينه وبين رؤية المخرج له منها ؟
(( إلا أنه فى وسط هذا الجوى المقيم واللوعة المبرحة . أخذت تلتمع من حين إلى حين ، وبصات من النور فى قرارة نفسى ، وتخترق أرجاءها من طرف إلى طرف فتدهشنى . وإذا الفكرة التى كانت تجز فى نفسى ، فكرة الموت الراصد للانسان وحياته الوشيكة الزوال ، هذه الفكرة نفسها سنح لى فيها معنى التسرية والتعزية . وقد تمثل لى أننا فى هذا الوجود لم توصد علينا الأبواب كالسجناء بين جدران محبس لا انطلاق لهم منه ، فتهللت لهذا المعنى نفسى ، وشاعت فيها بارقة من السرور . لقد انتزع القضاء ذخرا كان فى حوزتى ، فكان لى من هذا الغم والكرب ؛ ولكننى حين آنست فى هذا الذهاب ، معنى الحرية ، اقتربت السكينة من نفسى ، ولم تعد الحياة تثقل على إذ الموت رافع عينها فى يوم من الأيام . فالمرء قد رزق المهرب مما يساوره فى الحياة من القوى العادية - التى لا طاقة له بها - هذه الحقيقة البسيطة بدت لى ذات يوم ، وكأنها الوحى هبط من غير انتظار على وأحسن إلى ))
ولم يذهب تاجور إلى أبعد من ذلك فى (( ذكرياته )) . ولكننا لا نعدم مصدرا بصدقنا الرواية عن حاله ، والترجمة عن تجاوى نفسه ، وهذا المصدر هو أشعاره ، أشعاره التى نظمها فى السنوات اللاحقة لمحنة حياته وثكله . وهذه مقطوعة من ديوانه (( قربان الشعر )) :
هو ذا الموت - خادمك - ببابى . لقد عبر البحر المجهول ، وأتى حاملا إلى - يارب ! - نداءك .
والليل داج ، وقلبى متوجس واجف - ولكننى ممسك مصباحى ، وفاتح له المصراعين . مرحبا ومقبلا الأرض بين يديه . ذلك أنه رسولك - هذا الواقف ببابى . إنى لأحييه وأعظمه ، وعلى صدرى يداى ، والدمع ينهمل من عينى . أحييه وأعظمه واضعا عند قدميه كنوز قلبى .
وسيعود قافلا وقد أدى بلاغه ، وأنجز ماجاء من أجله ، تاركا غيمة حالكة على صفحة نهارى . فلا يبقى فى بيتى الموحش - يارب ! - أحد إلاى ، يتقدم لك قربانا مبذولا
وهذه أخرى من ديوانه (( قطاف الثمار )) : أدخلى الجمال والانسجام فى حياتى الموحشة - يا امرأة ! كما أدخلتهما فى بيتى وأنت حية . أنفضى الكسارة المعفرة المغبرة من الساعات الذاهبة الغابرة . واملئى الجرار المنزوفة الفارغة . واجبرى كل تالف مهمل . ثم افتحى باب الحرم الأقدس ، وأوقدى المصباح . وليكن هناك بين يدى الله لقاؤنا الصامت .
ولو طاوعنا أنفسنا لنقلنا إلى القارىء فى هذا المقام نفسه عشرات المقطعات ، يتجاور فيها المعنيان الحقيقى والمجازى ، ويتصل عالم الشهادة وعالم الغيب ، ويلمس عالم الفناء عالم البقاء .
ويخطىء من يظن أن أنس شاعرنا بالموت صرفه عما حوله من جمال الطبيعة ، بل الحال على خلاف ذلك ؛ فقد لبست له الطبيعة حلة أروع ، وشفت له عن معان أبلغ وأعمق . وصارت له وجهة نظر جديدة فى مطالعة الخليقة والتأمل فيها ، ووجد للسكون المائل المتجسم ومن ورائه ساحة الردى جمالا لم يكن يحلم به ، حتى لقد هتف فى بعض أشعاره :
(( إذا ارتحلت من هذه الدنيا ، فلتكن كلمتى الأخيرة : إن الذى رأيته فيها فائق لا يسامى )) .
ولكى تتقرر فى نفس القارىء حقيقة إحساس تاجور بالموت ، لقول إن الموت عنده صنو الحياة ، وإن
من يحب الحياة مثله فانه لا شك سيحب الموت كذلك ، وإذا كنا بعد أن فتحنا أعيننا على نور الدنيا ، واستيقظ لها وعينا لم نعد نحس أننا غرباء عنها ، فكذلك حالنا فى الموت ، فإن مجهوله سيصير لنا معلوما . والطفل - على حد قول تاجور - يبكى حين تفصله أمه عن ثديها الأيمن ، ولكنه يجد العزاء حين تلقمه ثديها الأيسر ، وهكذا الموت والحياة فى رأى حكيم الشرق .
وهنا يبطل العجب حين نسمعه يتغنى فى أشعاره ، ويدعو الحمام دعاء محببا :
(( يا ثمرة الحياة الأخيرة ، يا موت ، ياموتى ، تعال وناجنى ! .
(( ما زلت اليوم بعد اليوم أرقب قدومك ، فمن أجلك احتملت أفراح الحياة وأوجاعها .
(( كل كيانى ، وما أملك ، وما أرجو ، وكل حبى ما برح فى قرارة الخفاء يفيض نحوك . لحظ واحد من عينيك إن دعانى كانت حياتى لك آخر الأبد .
(( الأزهار أصبحت مضفورة ، والاكليل مهيأ للعريس . وهذه العروس ستغادر على أثر الزفاف دارها ، وتلتقى بسيدها وحدها فى خلوة الليل )) .
ونحن وقد ظفرت نفس الشاعر بمناها وبلغت سؤلها ، نوافقه كل الموافقة على وصفه الصادق - فى غير إدلال ولا تواضع مكذوب - لمحصول حياته وحصاد أيامه ، وذلك فى حديثه عن يومه المنتظر ، إذ يقول فى مقطوعة بديعة الحوار :
(( فى اليوم الذى يطرق فيه الموت بابك ، ماذا أنت باذل له ؟
(( أجل ، سأقدم بين يدى ضيفى وعاء حياتى فائضا دهاقا ، ولن أدعه يمضى صفر اليدين .
(( أشهى قطاف عمرى طوال أيام الخريف وليالى الصيف ، وجملة ما كسبت وجمعت فى حياتى العاملة الدائبة ، كل هذا
سأضعه بين يديه فى آخر آيامى ، حين يطرق الموت بابى )) . * * *
وفى الحق كان وعاء شاعرنا حين زاره الموت فائضا دهاقا ، اعتصر رحيقه من عاطفة غزيرة سخية ، وتفكير رفيع عميق ، ونزعة تجريد تصوفية . وإن القارىء لتاجور ليجد عصير نفسه وزبدة فكره وعطر روحه أولا فى مجاميع شعره ، ثم فى مقالاته ، وتأتى فى آخر الأمر رواياته . وليس مثله أحد فى فهمه لنفس الطفل وتصويره لها ، ولعل أصدق وصف لذلك أنه (( كان يرى الطفل بعينى الأم ، ويرى الأم بعينى الطفل )) .
ومع سعة اطلاع تاجور فى أدب الغرب ، وسياحاته فى أوربا وأمريكا ، وما أفاده ولا شك من ذلك ، فانه ما برح ابن الهند الضاربة عروقه فى تربتها السحيقة ، الموصولة نفسه بنفسها القديمة . ومن ثمة كان الممثل الفكرى الأول للشرق ، لا تعرض فى حياة العالم الحاضر مسألة فى معنى الحضارة ومقوماتها ، والروح القومية وحدودها ، وتربية النشء وأصولها ، وأمثالها من المسائل ، إلا وصدع فيها برأى جليل عليه طابعه ، وهذا بالاضافة إلى ما أشرنا إليه من أنغامه الشعرية ذات الأصداء المجهولة ، والمعانى اللطاف ، والأحاسيس المرهفة ، والسحر الروحى .
وبعد ، فلعلنا نكون قد قلنا فى تاجور الراحل ما يرضى الحق ويرضيه فى جدته ؛ فاننا لنحب أشد الحب أن نكون من إخوانه الذين خاطبهم فى بعض مقطوعاته قائلا :
(( لقد أذن لى صاحب الاذن بالذهاب . فودعونى يا إخوانى ! إنى محييكم جميعا ، ثم ماض فى سبيل من سبق . هذا مفتاح بابى أرده . ودارى نزلت عن كل حق فيها . ولا أسألكم إلا كلمة وداع طيبة )) .
