كثيرا ما نسمع الناس يشكون الحياة ويعيبون ما فيها من جمود وتجهم وخمول وملال .
وكثيرا ما تكون هذه الشكوى حقة لأنها وليدة عجزهم عن استمراء المسرات المألوفة لأن ذوقهم قد فاض الاحتياح لالتماس المتاع بالحياة فسئم كل متاع ، وتضضع عن أن يطمئن لما اعتاده الناس لونا للحياة , كالسقيم يؤتى له بالطعام ، ولا يكاد يذوقه إلا على كره ومضض ، لانه قدم له فى حالته الطبيعية ، فينصرف عنه كارها ، ويشترط على الذين يعدونه له أن يغمروه بالتوابل والاتاوية ، إغراء له بتناوله ، وهو بذلك يخسر كمية كبيرة من قيمته الغذائية النافعة لبنيان جسمه .
فوارحمتاه لنا ! إن البطر الانسانى يفسد علينا من ملذات الحياة الخالصة الصافية ما لا ينبغى أن يفسد . وارحمتاه لنا ! إننا نتبرم بالمنع والأغراض والأعراض التى نعيها من فيض حياتنا اليومية ، ونجدها عادية جدا
تافهة لا تبعث فينا نشوة قوية أو تثير أريحية جائشة ، فتأبى إلا أن نجد فى طلابهما ، ونحن كلما ازددنا حرصا على اقتناصهما لج بنا البطر إلى الاستزادة منهما ، وأرانا ما بين أيدينا يسيرا ضئيلا عتيقا مملا ، وهوى بنا إلى أوهى دركات الاحتياج والعياء والتعس والضجر ، فلا تطمئن إلا إذا باغتنا بالجديد الطريف من أسباب تلك النشوة والأريحية .
وارحمتاه لنا من ذلك البطر المستبد بل الجشع الطاغى الذى يلح علينا بالتماس السعادة عن طريق المفاجأة التى لا تشبع ولا ترتوى :
وارحمتاه لنا ! إننا لو علمنا أن السعادة الحقة لا تدرك بالتعمل واصطناع الحبور وتكلف البهجة ، لتقبلنا الحياة كما هى ، ولاستخرجنا ما فيها من هناء ومحبة ، وما فيهما من جمال وصلاح ينيران فينا حب الخير والايثار ، ولوجدنا فى استجابات الطبيعة الزاخرة بالجود والروعة ما يغنينا عن التماس الأغراض المثيرة ، ويملأ نفوسنا رضى وصفوا
ودعة ونعيما .

