الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد الثامن عشرالرجوع إلى "الرسالة"

ثروة تضيع

Share

هى ما خلفها لنا الجيل الماضى القريب، وتسلمناها منه يدا  بيد، ولست أعنى ما خلفه من شعر ونثر وكتب فى مختلف  العلوم والآداب، فهذه قد حفظناها ونشرنا بعضها وعنينا بها الى  حد ما، إنما أعنى ما صدر عنهم من قول وعمل، وما كان  يدور فى مجالسهم من حديث طريف أو نافع، وما وقع لهم  من أحداث، وكيف تصرفوا فيها، وأنماط مجالسهم وأحاديثهم  ومجتمعاتهم، ونحو ذلك مما يدلنا على حقيقة شخصيتهم،  ويفيدنا فى تعرف مجتمعهم، ويعين المؤرخ بعد على رسم  صورة صحيحة صادقه لحال المجتمع فى ذلك العصر وقدر نابغيه

كان لعلى باشا مبارك "صالون" كبير فى بيته بشارع المظفر  يغشاه عظماء الرجال والشبان وطلبه المدارس. وكان يدور فيه  كل ليله من ألوان الحديث وشتى المقترحات ما ينبغى أن يسجل،  ومثل ذلك فى منزل عبد الله باشا فكرى ومحمد باشا قدرى  ورفاعه بك وأمثالهم، وكان نوع أحاديثهم ومباحثاتهم شيقا  ممتعا يصور عصرهم خير تصوير، ثم كان صالون كصالون  الأميرة نازلى هانم (بعابدين) يختلف اليه قادة الفكر  وعظماء الرجال فى العصر القريب، يتحدثون فيه عن  الشرق والغرب، وتثار فيه أفكار لها قيمتها وخطرها، وكان  نمطهم فى أحاديثهم يخالف ما كان عليه رجال على  باشا مبارك وأمثاله. وكان غير هذه الصالونات مجتمعات  وأحاديث ونوادر وفكاهات فى البيئات المختلفة من بيئة  فلسفيه كبيئة السيد جمال الدين، أو دينية اجتماعية كبيئة الشيخ  محمد عبده، أو فكاهية كبيئة الشيخ حسن الآلاتى، أو بيئة المغنين  أمثال الحامولى ومحمد عثمان، وكان يجرى فى جميعها أقوال وأفعال  هى أدل على الذوق المصرى والخلق المصرى  من كل ما خلفوا من مؤلفات ومجلات وصحف.

هذه الثروة التى لا تقدر، آخذة -مع الأسف الشديد - فى الضياع، وليس يدون منها - فيما أعلم - شىء يذكر، وأكثر  الذين عنوا بترجمة هؤلاء الرجال أساءوا اليهم وإلى التاريخ  كل الاساءة، إذ كانت ترجمتهم "ترجمة رسمية" اقتصروا فيها على

اسم المترجم له والمولد وتاريخ الولادة، والمعاهد التى تعلم  فيها والأعمال التى تولاها، والكتب التى ألفها وغير  ذلك مما يعد من الأغراض، فأما الجوهر، وأما شخصية  الرجل، وأما حياته الاجتماعية التى تدلنا على من هو من قومه،  ومن هو فى نفسه، فلا يعرضون لها بشىء..وقد كان السابقون  الأولون على تقدم عصورهم، - أصح نظرا، وأحسن  أداء، وأوفى للتارىخ فبين يدى الآن جزء من كتاب الأغانى  فتحته حيثما اتفق فوقع نظرى على ترجمة ابراهيم الموصلى، فذكر  نسبه ونشأته، وذكر حكايات عدة حدثت له مع غلمانه  وجواريه وأصحابه، وما وصل اليه من الأموال وما ورثه  أهله، وأحاديث عن مروءته، وأحداثا حدثت له مع الرشيد  ويحيى بن خالد، وكيفية تعليمه الغناء للجوارى، واتصاله بالخلفاء  وسيرته معهم، وعدد الأدوار التى غناها، وعشقه ومن عشق،  وأثر أصواته فى الناس، الى آخره مما يستطيع الأديب أو المؤرخ  أن يضع له صورة دقيقة تمثله، ويضع لمجتمعه رسما واضحا  يبينه، وبين يدى كذلك الجزء الأول من كتاب جامع  التوارىخ المسمى "نشوار المحاضرة" للتنوخى، يقول فى سبب  تأليفه: أنه قد اجتمع قديما مع مشايخ فضلاء، علماء أدباء، قد  عرفوا أحاديث الملل، وأخبار الملوك والدول، وأحاديث  البخلاء والظرفاء، والعلماء والفلاسفة، والأغبياء وقطاع الطريق  والمتلصصين، (وعدد كل أصناف الناس)، وكانوا يوردون كل  فن من تلك الفنون على حسب ما تقتضيه المحادثة، وتبعثه المفاوضة،  فلما تطاولت السنون، ومات المشيخة الذين كانوا مادة هذا الفن،  ولم يبق من نظرائهم الا اليسير الذى إن مات ولم يحفظ عنه  ما يحكيه، مات بموته ما يرويه، عمد من أجل ذلك إلى تدوين هذه  الأحاديث فى كتابه، والتزم أن يذكر فيه فقط ما يدور فى المجالس مما  لم يذكر فى كتاب ويقرؤه القارئ فيجده يصور عصره أجمل  تصوير، وكتب الجاحظ لم تترك صغيرة ولا كبيرة من أخبار عصره  وأحداثه، الاجتماعية من الخصيان والغلمان، والبخلاء والظرفاء،  والنبات والحيوان، إلا أحصته وشرحته فى دقة واسهاب

ومالنا نذهب بعيدا والعصر الذى نسميه مظلما أنتج مثل  "الجبرتى" الذى دون من الأحداث وتارىخ الرجال فى عصره  ما لم نفعله نحن لعصرنا

أما كتبنا نحن فقد عمدت الى خيرها وأخرجت منه ترجمة  رفاعه بك، فوجدته يسرد ولادته وتاريخها والمدارس التى دخلها

ورحلته الى أوربا، والوظائف التى تولاها بعد عودته، وأسماء  الكتب التى ألفها أو ترجمها، وسنة وفاته ولكنك تتساءل بعد  قراءتها: من رفاعه بك؟ ما معيشته الاجتماعية؟ ما شخصيته؟،  ما علاقته بقومه؟ فلا تجد شيئا من ذلك. هذا حال رفاعه بك  الذى ملأ اسمه كل مكان، فما بالك بأمثال المغمورين ظلما، أمثال  الشيخ حسن الطويل والشيخ حسين المرصفى وأمثالهما

بل بالأمس القرىب مات حافظ ابراهيم، وكانت حياته  الاجتماعية أغنى ما تكون حياة، كل ليلة، يغشى جمعا أو يغشى  بيته جمع، فيملأ المجلس بأحاديثه العذبة، وفكاهته الحلوة،  وهى - فى كثير منها - تفوق ما دونه الأقدمون من ملح ونوادر -  ولعلها إن جمعت ودونت أفادت تاريخ الأدب وتاريخ الاجتماع  أكثر ما يفيده ديوانه، ومع هذا لم ينشط أحد لتدوينها،  ولم يلتفت لقيمتها، وسيعفى عليها الزمن الذى عفى على ملح  المويلحى والبابلى، وفى ذلك خسارة لا تقدر. ولقد حدثت  بعض الأدباء فى ذلك ورجوته فى هذا العمل، فاعتذر بأن  أكثر النوادر انما تحسن اذا أديت باللغة العامية، وتفقد قيمتها  اذا حكيت باللغة الفصحى، ولكن ما هذا الكبر على اللغة العامية،  والسابقون من أعلام الأدب لم يكونوا يتحرجون من ذكر  النادرة الحلوة باللغة العامية، اذا لم يحسن الأداء الا بها، كما فعل  الجاحظ فى البيان والتبيين، وابن زولاق فى أخبار سيبويه،  والابشيهى فى المستطرف

ان فى ذمتنا للجيل القادم عهدا أن نسلم إليه تاريخه كاملا  متصل الحلقات كما تسلمناه، فاذا نحن لم نفعل فقد أضعنا الأمانة  وخنا العهد - وفينا بحمد الله رجال شهدوا الجيل الماضى،  وكان لهم من المنزلة ما استطاعوا معها أن يخالطوا البيئات  المختلفة، ويطلعوا على خفاياها ودخائلها، ولهم من الذكاء وحسن  النظر وصدق الرواية وقوة الحافظة وبلاغة اللسان والقلم،  ما يمكنهم من الأداء على أحسن وجه، أمثال الهلباوى ولطفى  السيد فى نوع من الأوساط، والنجار والسكندرى فى نوع آخر، والسيد محمد الببلاوى وكبار علماء الأزهر فى أوساطهم،  وهكذا - فهل يشاركوننا فى الشعور بما لديهم من ثروة حافلة،  وفى الشعور بما عليهم من تبعة، فيقدمون للجيل الحاضر والقادم

أثمن عمل تاريخى؟ فأن لم يفعلوا فهل للشبان أن يدركوا  قيمة ما عندهم فينشطوا للاتصال بهم، وتدوين ما يأخذون عنهم،  قبل أن تضيع الثروة، وتفلت الفرصة  - أطال الله فى أعمارهم.

اشترك في نشرتنا البريدية