أن يستطيع الباحث فى تاريخ الفكر الإسلامى أن يجد شخصية أغرب وأخصب من شخصية جابر بن حيان فهى شخصية أمعنت فى الغموض واكتنفها السر ، حتى كادت أن تكون اسطورة ؛ وتسامت فى التفكير حتى ليقف المرء اليوم ذاهلا أمام ما تقدمه لنا من نظارات علمية
فلسفية كلها عمق وكلها حياة ، وأمام هذه الروح العامة التى تسودها ، روح التنوير والنزعة الانسانية ، التى تصبو إلى اكتناء كل الأسرار ، وتشعر بما يشيع فيها من قوى إلهية مبدعة فترتفع بالإنسان إلى مقام الألوهية ، ويحدوها الأمل فى التقدم المستمر الوثاب للانسانية فى تطورها .
وشخصية هذا حظها الروحى ستظل حبة باستمرار ، لأنها من النماذج الحية أبدا للانسان السالك سبيله قدما نحو تحقيق " الصورة " العليا على الأرض ، ولن يستطيع البحث العلمى والفيلولوجى والحضارى أن يفرغ منها فراغا تاما ،
مهما أنفق من جهد فى هذا السبيل : بل ستعمن فى البعد كلما نوغل فى الطريق إليها ، وسيزداد مقدارها كلما تلمس المرء نواحيها . ونحن اليوم أبعد ما تكون عن إدراكها إجمالا ، فضلا عن الاحاطة بخطوطها الرئيسية وتياراتها التوجيهة . لأن البحث فيها لم يكد يبدأ جديا بعد ، أو إن بدأ فلا زال فى مستهل الطريق . بل إن التراث العلمى الاسلامي لا زال النموض بغزو أطرافه من كل جانب ،
لأن المستشرقين ، وهم وحدهم الذين يقومون بشئ فى الكشف عن مناحى الحياة الروحية فى الاسلام ، ثم يبدءوا البحث فى تاريخ العلوم فى الاسلام إلا منذ عهد قريب جدا لا يكاد يتجاوز هذا القرن ، ولم يأخذ هذا البحث مظهرا جديا ، ولم يظفر بعناية صحيحة إلا منذ سنة ١٩٢٥ . وإنما كانوا يعنون فى القرن الماضى بالناحية الدينية فالتاريخية
فاللغوية فالفلسفية فالصرفية على الترتيب او ما يشبهه . وبدأت العناية بالناحية العلمية واضحة بعض الوضوح عند المرحوم نلينو في دراساته " لعلم الفلك عند العرب " ونشره " للذج " النبائى ، وكان ذلك فى مستهل هذا القرن . ولكن لم يكد يمضى ربع هذا القرن الاول حتى بدأ تيار جديد قوى يتجه نحو الناحية العلمية على وجه التخصيص ؛ ثم ما لبث هذا التيار ان توطدت أركانه ،
حتى شعر المستشرفون بأن مهمة الاستشراق الإسلامى تنحصر فى البحث فى هذه الناحية ، ناحية تاريخ العلوم فى الاسلام ، حوالى سنة ١٩٣٠ : فنرى مارتن يلسفر يكتب رسالة صغيرة يدل علي هذا الاتجاه عنواها وهو " تاريخ العلوم فى الاسلام كمهمة للاستشراق الإسلام الجديد "
( طبعت في تبينجن سنة ١٩٣١ ) . وإذا بجيل ممتاز من المستشرقين الشباب يمضى قدما فى سبيل تتحقيق المهمة الجديدة . فبدأ روسكا بالعناية بالناحية الكيميائية أو علوم الصنعة عند العرب ، فأخرج كتابا فيما بعنوان " الكيميائيون العرب " ( في كناشئين طبع فى هيدلبرج سنة ١٩٢٤ ) ، وتلاء بالبحث فى الناحية السرية أو ناحية المذاهب المستورة فى الفكر الإسلامى بما قدمه لنا فى بحثه
فى الجزء الأخير من كتاب " سر الخليفة " المنسوب إلى بلنياس الطوانى ( ظهر فى هيدلبرج سنة ١٩٢٦ ) . وأكمل البحث فى هذا الكتاب الأخير يلسنر الذى من خصوصا بالناحية الفيثاغورية ، في دراسته لكتاب " تدبير المغزل "
لبريسون ( هيدلبرج سنة ١٩٢٨ ) ، ولكتاب " الفلاحة النبطية " المنسوب إلى ابن وحشية ( بحث فى " مجلة الساميات ، ج ٦ ) واتجه هلموت رتر إلى هذه الناحية كذلك ، فى دراساته ونشرته لكتاب " غاية الحكيم " المنسوب إلى مسلمة المجريطى ( نشره فى لبيتسك سنة ١٩٣٣ ) . ثم جاء يبنس فغنى بمذاهب الفزياء ، وذلك فى
كتابه " مذهب الجوهر الفرد فى الاسلام " ( براين سنة ١٩٣٦) .
ولكن هؤلاء جميعا قد بحثوا أبحاثا عامة أو جزئية مفردة ، فلم يعنوا بدراسة الشخصيات العلمية الفذة فى تاريخ العلوم فى الاسلام . وإنما الذى فعل ذلك الأستاذ بول كسروس الذى يقدم لنا اليوم خلاصة أبحاثه عن أبرز هذه الشخصيات جميعا ، ولمعى به جابر بن حيان .
وعناية الأستاذ كروس بجابر عناية قديمة شاملة ، حتى المستطيع أن نقول إن مجهوده العلمى قد لازمته شخصية جابر كل الملازمة ومنذ اللحظة الأولى ، وحتى أصبح أعظم حجة فى كل ما يتصل بجابر . وإن دراساته المختلفة لتكاد أن تكون دائما " على هامش جابر " : فأبحاثه فى الإسماعيلية وكل المذاهب المستورة فى الاسلام إنما مصدرها عنايته
بجابر ، أعظم ممثل لهذا التيار الروحى المستور وكانت باكورة هذه العناية بحثا على الرغم من صغره فإنه بحث ممتاز جدا ، إن بالدقة الفيلولوجية أو بالطرافة فى النظر ،
وهو " تهافت أسطورة جابر " (وقد ظهرت فى الجزء الثالث من " النشرة السنوية لمعهد الأبحاث الخاصة بتاريخ العلوم " فى براين سنة ١٩٣٠ ) . وفى هذا البحث أثبت أن مجموعة كتب جابر كانت اسماعيلية ، وأنها النموذج السابق لكتب إخوان الصفا . وكان عليه من أجل أن يقدم بحثه عن جابر أن يبدأ بنشر شئ من كتبه ، فنشر مختارات منها بعنوان " مختار رسائل جابر بن حيان " ( مطبعة الخانجى سنة ١٣٥٤ ه - سنة ١٩٣٥ م ) : من هذه المختارات نشر فصولا رئيسية من كتب جابر ، كما نشر رسائل كاملة ،
وعنى فى اختياره بأن تكون هذه النصوص ممثلة لمختلف نواحي مذهب جابر : ففيها نماذج لأبحاثه الكيميائية ،
ولأبحاثه الفزيائية الفلسفية ، كما أن فيها نصوصا تتعلق بالناحية الدينية ، من شأنها أن تبين لنا الصلة بين آرائه وآراء
الغلاة من الشيعة ، مما يرجح نسبة رسائل جابر إلى الأوساط الشيعية الإسماعيلية . وقد بذل فى نشر ، مجهودا جبارا حقا ، لأن النسخ التى اعتمد عليها مشوهة جدا ، وبعض الرسائل قد اعتمد فى نشره على مخطوطة وحيدة ، فكان عليه حينئذ أن يكمل النقص فى كثير من الواضع وان يقترح تصحيحات لا يحصى . وقد وفق فى هذا كله إلى حد بعيد ، فاستطاع أن يقدم لنا نصا واضحا قليل الاغلاط التى يمكن اصلاحها ( ولنذكر على سبيل المثال ما أضافه فى ص ١٠ س ٩ : " ( المبتدأ والخير ، وأما ) الخير فهو الذى فيه الفائدة العظمى " فهنا أضاف كملة " المبتدأ "
والصحيح أن يضيف كلمة " الانشاء " لأن جابرا يتحدث هنا عن تقسيم القول إلى إنشاء وخبر ، والشاهد على ذلك قوله عن الخبر إنه " الذى محتمل الصدق والكذب ... " ) .
وها هو ذا اليوم يقدم لنا الجزء الثانى من بحثه الكامل عن جابر بن حيان . وقد ظهر هذا الجزء قبل الجزء الاول لأسباب فنية ، على أن الجزء الأول سيظهر بعد قليل . وهذا الجزء الثانى قد نشر ضمن مطبوعات المهد المصرى (المجلد الخامس والأربعين ، سنة 1942 )آ باللغة الفرنسية .
والجزء الأول خاص بكتب جابر كلها ، فهو إلى جانب المقدمة الطويلة ثبت بكل كتبه مفصل كل التفصيل .
ولو أننا لا نستطيع أن نقدر هذا الكتاب حق قدره إلا إذا ظهر الجزء الأول ، بل والجزء الثالث الذى ينوى المؤلف إخراجه ، إلا أن هذا الجزء الثانى يكاد أن يقوم بذاته لدرجة أنه فى وسعنا التحدث عنه وحده .
فى هذا الجزء يعرض لنا الأستاذ كروس المسائل العلمية الرئيسية الواردة فى الكتب المنسوبة إلى جابر بن حيان ، ونقول " المنسوبة " لأنه اثبت فى الجزء الأول أن هذه الكتب منحولة كلها ، وقد وضعتها طائفة من علماء الشيعة المشتغلين بالكيمياء حوالى سنة ٣٠٠ ه - سنة ٩١٢ م .
ثم يتبع عرضه لكل مسألة البحث فى الأصول اليونانية والشرقية التى اعتمد مؤلف هذه الكتب عليها واستمد منها آراءه .
فعرض أولا مسألة " الاكسير " ، وفى هذا المعرض تحدث عن تحول المعادن ، وتركيب الاكسير ، لا من المواد المعدنية فحسب ، بل ومن المواد النباتية والحيوانية كذلك ، ودرس إلى جانبها تصنيف المعادن عند جابر وعند غيره ،
وخصوصا عند محمد بن زكريا الرازي والصابئة . وهو عرض يمتاز بالوضوح والتنظيم ، ولكن البحث المهم فى هذه المسألة هو الخاص بالمصادر التى استقى منها جابر نظرياته فى المعادن وفى الاكسير . فهنا نجد الأستاذ كروس يعرض لنا فى إيجاز تطور الكيمياء اليونانية ،
وخصائص كل دور من الأدوار التى مر بها هذا التطور ، ثم يبحث فى صلة الكيمياء الجابرية بكل دور من هذه الأدوار ، ويعنى خصوصا بصلة جابر بكيمياء ذوسيموس وبلنياس . ويخرج لنا من هذا البحث ببيان ما هنالك من اختلاف كبير جدا بين الكيمياء الجابرية والكيمياء
اليونانية القديمة فعلى الرغم مما هنالك من تشابه فى التعبير الاصطلاحى وفى جزئيات كثيرة ، إلا أن كيمياء جابر مختلف اختلافا بينا عن غيرها إن فى الروح أو فى التفصيلات ، فإن كيمياء جابر تمتاز بالليل إلى الناحية التجريبية ، واستبعاد الخوارق ، والاتجاه العلمى العقلى
بينما الكيمياء القديمة كثيرا ما تلجأ إلى الرؤيا الوجدانية واستخدام فكرة الخوارق فى التفسير . ومن ناحية التفصيل ، نجد جابرا يعنى بالكيمياء ، العضوية خصوصا ، ويستعمل ملحا لم يعرفه القدماء اليونانيون والشرقيون ،
وإنما استعملته الكيمياء الاسلامية ، ونعنى به ملح النوشاذر ، ويرجع العناصر إلى الكيفيات الطبيعية من حرارة وبرودة ويبوسة ورطوبة .
ولكن جابرا يظهر لنا أكثر قربا من الكيمياء
اليونانية ، وأبعد عن الروح العلمية العقلية فى المسألة الثانية من المسائل التى عرض لها الأستاذ كروس . فإن " علم الخواص " عند جابر متأثر كل التأثر بالكيمياء اليونانية والهليفية ، حتى ليمكن إرجاءه كله إلى هذه الكيمياء ؛ وفيه نرى فكرة الخوارق تلعب دورا كبيرا فى تفسير خواص المعادن والنبات والحيوان ، وما بينها من انجذاب أو تنافر ، ولهذا كان هذا الجزء اقرب ما يكون إلى علم السحر والطلسمات .
وثمة ناحية ، لها أكبر القيمة من الناحية الحضارية ، ومن الناحية الانسانية العامة ، وتعنى بها مسألة " التكوين الصناعى" فإن جابرا يريد من وراء علم " التكوين " كما يسميه " أن يكون " ، أى يخلق ،
بالصناعة أنواعا من الكائنات تنتسب إلى الممالك الطبيعية الثلاث ، وخصوصا المملكة الحيوانية . فإذا كان فى وسع الكيمياء أن تستنبط مواد جديدة بتركيب الأجسام بعضها مع بعض ، فلم لا تقوم أيضا بإنتاج النبات والحيوان ، بل ويخلق الانسان الصناعى ؟ إن هذا العلم
ممكن ، لأن الكائن الحى - والإنسان كائن حى - هو نتيجة لتضافر القوى الطبيعية . والطبيعة فى إنتاجها للكائنات إنما تخضع لقوانين كمية عدوية يكشف عن سرها علم " الميزان " ، أى علم القوانين الطبيعية الكمية التى يجرى عليها الكون والفساد فى الطبيعة . فما على الإنسان ، وقد عرف هذا السر ، إلا أن يلد ما نبرزه الطبيعة ، وليس فى هذا خروج على الطبيعة ، بل هى تساعد على ذلك ، لأنها إذا وجدت للتكون طريقا ( غير طريقها هى ) استغنت به عن طريق ثان " ، على حد تعبير جابر .
ففكرة تكوين إنسان بالصناعة ، تلك الفكرة التى شغلت أذهان كبار العلماء فى عصر النهضة ممن نزعوا نزعة سحرية ، مجدها واضحة كل الوضوح عند جابر ، يؤمن
بها ويؤكد إمكان تحققها فى حماسة ونشوة تذكرنا محماسة بركلسوس ، ورجال القرن السادس عشر فى أوربا ، وهذا يكشف لنا عن ناحية خطيرة الشأن فى الفكر الإسلامى ، ومحتاج إلى أن تدرس أعمق الدرس ، خصوصا وانها تعبير عن فكرة عاشت حية فى وسط دينى ، وكانت مدار التفكير عند أصحاب هذا الوسط ، وفيها يظهر تأثير العناصر الفتوحية فى الحياة الروحية فى الاسلام أجلى ظهور .
ومن هذه الناحية العملية من مذهب جابر ينتقل الأستاذ كروس إلى الناحية النظرية ، فيحلل لنا فى دقة مذهب جابر الطبيعى . فيتحدث عن نظرية العناصر عند جابر ، وعن الكيفيات المركبة لها ، ويبين الأصول التي أخذت منها ، وهى أصول مجمع بين أرسطو وبين الرواقية والأفلاطونية المحدثة . ثم يتحدث طويلا ويوجه خاص عن نظرية ( الميزان) التى تعد العمود الفقرى والمحور الرئيسى لمذهب جابر كله . والميزان يقصد هنا القوانين الكمية المعدوية التى يحكم كل شئ فى الوجود ؛
وبالتالى إرجاع كل الظواهم الطبيعية وكل ما فى الوجود إلى قوانين الكم والعدد . وهذه الفكرة هى أكبر محاولة قامت فى العصور الوسطى من أجل إيجاد علوم طبيعية تقوم كلها على فكرة الكم والمقدار ، وهى المثل الأعلى الذى سمى العلماء الطبيعيون المحدثون جهدهم إلى تحقيقه . ومن هنا جاءت الطرافة والمعنى فى نظرة جابر هاتيك . ذلك لأننا نجد الشغل الشاغل والهم الأكبر للعلم
الحديث بكل انواعه وفروعه يتجه إلى إحلال النسب الكمية محل الخواص الكيفية فى كل تفسير لأى مظهر من مظاهر الوجود . ويكفى أن يكون جابر قد شعر شعورا واضحا قويا بهذا الاتجاه لكى يقبوأ مركز الصدارة فى تاريخ العلم كله قديمة وحديثه . ولا يهم كثيرا أن لا يكون قد استطاع أن يصل إلى نتائج ذات قيمة فى
هذا الباب ، لأنه فى الواقع قد تأثر هنا بالناحية الصوفية السحرية من نظرية الإعداد عند الفيثاغوربين وخواصها العجيبة ، فلم ينته إلى نتائج علمية صحيحة . وفى حديث المؤلف عن الصلة بين جابر والأقدمين فى هذه الناحية ، تناول مشكلة تاريخية فيلولوجية على الدرجة الأولى من الأهمية ، ونعنى بها مشكلة كتاب ( سر الخليفة ) ،
المنسوب إلى بلنياس الطوانى . ولو أنه لم يصل إلى نتائج حاسمة هنا ، إلا أن هذا الفصل أروع ما فى هذا الجزء الثانى من الكتاب ، فقد استطاع فيه أن يعقد مقارنة بين هذا الكتاب و ( كتاب الكنوز ) لأبوب الرهاوى ( الذى نشره متجانا وترجمه سنة ١٩25؛ وهو باللغة السريانية ) ، ويخرج منها بأنه لا بد أن يكون مصدر الكتابين واحدا ، وان يقدم لنا فكرة دقيقة عن الصورة التى كانت عند اليونانيين ، وفى العالم الاسلامى عن بلنياس . وكثيرا ما يعرض المؤلف لمسائل هامة على هامش البحث يدلى فيها بإراء ذات اهمية كبيرة ، ويوجه فيها العناية إلى دراسة ناحية ما من نواحى البحث التاريخى فى الحياة الروحية فى الاسلام .
ولهذا فإن للتعليقات المحشودة فى الكتاب بكثرة من الأهمية فى ذاتها ما للنص الأصلى ، إن لم يكن أكبر فى أحيان ليست بالقليلة .
والمنهج الذى سلكه الأستاذ كروس فى هذا الجزء منهج فيلولوجي من الطراز الأول . فانه - كما يذكر ذلك فى القدمة - يبدأ من نص رئيسى يحدد معانى مصطلحاته فى دقة ومهارة فى المقاربة والاشتقاق ، ويحشد حوله ما هنالك من نصوص تعين على فهمه وإبراز كل معانيه . وبعد ان ينتهى من هذا التحليل الدقيق ، يحاول ان يعرض لنا المسائل واضحة منتظمة الأجزاء ، ثم يتلو ذلك بيان الصادر والأصول التى قد ترجع إليها الآراء التى أوردها صاحب المذهب . وهو المنهج الفيلولوجي بالمعنى الدقيق .
وكنا نود من المؤلف أن يضيف إلى هذا المنهج الفلسفى الذى يحاول أن يستخلص النتائج العامة ويرتب عليها صورة كاملة عامة متناسقة الاجزاء للمفكر الذى هو موضوع الدرس ، بعضها هى الأخرى فى إطار الحضارة التى نشأ هذا المفكر فيها ، رابطا إياها بكل التيارات المرتبطة بها ارتباطا عضوا حيا . وعلى كل حال فان هذا الحكم قد يكون سابقا لأوانه ، لأن المؤلف قد وعدنا بجزء ثالث لعله أن يعنى فيه بهذه الناحية . فلنمسك عن تقدير الكتاب جملة حتى يظهر الجزء الأول على الأقل ، ولتقدم إلى الأستاذ كروس بأحر التهانى على هذا العمل العلمى العظيم الذي يعتبر بدون أدنى شك من اعظم الأعمال العلمية النادرة التى قام بها الباحثون حتى اليوم .

