الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 172الرجوع إلى "الثقافة"

جابر بن حيان

Share

أن يستطيع الباحث فى تاريخ الفكر الإسلامى أن يجد شخصية أغرب وأخصب من شخصية جابر بن حيان فهى شخصية أمعنت فى الغموض واكتنفها السر ، حتى كادت أن تكون اسطورة ؛ وتسامت فى التفكير حتى ليقف المرء اليوم ذاهلا أمام ما تقدمه لنا من نظارات علمية

فلسفية كلها عمق وكلها حياة ، وأمام هذه الروح العامة التى تسودها ، روح التنوير والنزعة الانسانية ، التى تصبو إلى اكتناء كل الأسرار ، وتشعر بما يشيع فيها من قوى إلهية مبدعة فترتفع بالإنسان إلى مقام الألوهية ، ويحدوها الأمل فى التقدم المستمر الوثاب للانسانية فى تطورها .

وشخصية هذا حظها الروحى ستظل حبة باستمرار ، لأنها من النماذج الحية أبدا للانسان السالك سبيله قدما نحو  تحقيق " الصورة " العليا على الأرض ، ولن يستطيع البحث العلمى والفيلولوجى والحضارى أن يفرغ منها فراغا تاما ،

مهما أنفق من جهد فى هذا السبيل : بل ستعمن فى البعد كلما نوغل فى الطريق إليها ، وسيزداد مقدارها كلما تلمس المرء نواحيها . ونحن اليوم أبعد ما تكون عن إدراكها  إجمالا ، فضلا عن الاحاطة بخطوطها الرئيسية وتياراتها التوجيهة . لأن البحث فيها لم يكد يبدأ جديا بعد ، أو إن بدأ فلا زال فى مستهل الطريق . بل إن التراث العلمى الاسلامي لا زال النموض بغزو أطرافه من كل جانب ،

لأن المستشرقين ، وهم وحدهم الذين يقومون بشئ فى الكشف عن مناحى الحياة الروحية فى الاسلام ، ثم يبدءوا البحث فى تاريخ العلوم فى الاسلام إلا منذ عهد قريب جدا لا يكاد يتجاوز هذا القرن ، ولم يأخذ هذا البحث مظهرا جديا ، ولم يظفر بعناية صحيحة إلا منذ سنة ١٩٢٥ . وإنما كانوا يعنون فى القرن الماضى بالناحية الدينية فالتاريخية

فاللغوية فالفلسفية فالصرفية على الترتيب او ما يشبهه . وبدأت العناية بالناحية العلمية واضحة بعض الوضوح عند المرحوم نلينو في دراساته " لعلم الفلك عند العرب " ونشره " للذج " النبائى ، وكان ذلك فى مستهل هذا القرن . ولكن لم يكد يمضى ربع هذا القرن الاول حتى بدأ تيار جديد قوى يتجه نحو الناحية العلمية على وجه التخصيص ؛ ثم ما لبث هذا التيار ان توطدت أركانه ،

حتى شعر المستشرفون بأن مهمة الاستشراق الإسلامى تنحصر فى البحث فى هذه الناحية ، ناحية تاريخ العلوم فى الاسلام ، حوالى سنة ١٩٣٠ : فنرى مارتن يلسفر يكتب رسالة صغيرة يدل علي هذا الاتجاه عنواها وهو " تاريخ العلوم فى الاسلام كمهمة للاستشراق الإسلام الجديد "

( طبعت في تبينجن سنة ١٩٣١ ) . وإذا بجيل ممتاز من المستشرقين الشباب يمضى قدما فى سبيل تتحقيق المهمة الجديدة . فبدأ روسكا بالعناية بالناحية الكيميائية أو علوم الصنعة عند العرب ، فأخرج كتابا فيما بعنوان " الكيميائيون العرب " ( في كناشئين طبع فى هيدلبرج سنة ١٩٢٤ ) ، وتلاء بالبحث فى الناحية السرية أو ناحية المذاهب المستورة فى الفكر الإسلامى بما قدمه لنا فى بحثه

فى الجزء الأخير من كتاب " سر الخليفة " المنسوب إلى بلنياس الطوانى ( ظهر فى هيدلبرج سنة ١٩٢٦ ) . وأكمل البحث فى هذا الكتاب الأخير يلسنر الذى من خصوصا بالناحية الفيثاغورية ، في دراسته لكتاب " تدبير المغزل "

لبريسون ( هيدلبرج سنة ١٩٢٨ ) ، ولكتاب " الفلاحة النبطية " المنسوب إلى ابن وحشية ( بحث فى " مجلة الساميات ، ج ٦ ) واتجه هلموت رتر إلى هذه الناحية كذلك ، فى دراساته ونشرته لكتاب " غاية الحكيم " المنسوب إلى مسلمة المجريطى ( نشره فى لبيتسك سنة ١٩٣٣ ) . ثم جاء يبنس فغنى بمذاهب الفزياء ، وذلك فى

كتابه " مذهب الجوهر الفرد فى الاسلام " ( براين سنة ١٩٣٦) .

ولكن هؤلاء جميعا قد بحثوا أبحاثا عامة أو جزئية مفردة ، فلم يعنوا بدراسة الشخصيات العلمية الفذة فى تاريخ العلوم فى الاسلام . وإنما الذى فعل ذلك الأستاذ بول كسروس الذى يقدم لنا اليوم خلاصة أبحاثه عن أبرز هذه الشخصيات جميعا ، ولمعى به جابر بن حيان .

وعناية الأستاذ كروس بجابر عناية قديمة شاملة ، حتى المستطيع أن نقول إن مجهوده العلمى قد لازمته شخصية جابر كل الملازمة ومنذ اللحظة الأولى ، وحتى أصبح أعظم حجة فى كل ما يتصل بجابر . وإن دراساته المختلفة لتكاد أن تكون دائما " على هامش جابر " : فأبحاثه فى الإسماعيلية وكل المذاهب المستورة فى الاسلام إنما مصدرها عنايته

بجابر ، أعظم ممثل لهذا التيار الروحى المستور وكانت باكورة هذه العناية بحثا على الرغم من صغره فإنه بحث ممتاز جدا ، إن بالدقة الفيلولوجية أو بالطرافة فى النظر ،

وهو " تهافت أسطورة جابر " (وقد ظهرت فى الجزء الثالث من " النشرة السنوية لمعهد الأبحاث الخاصة بتاريخ العلوم " فى براين سنة ١٩٣٠ ) . وفى هذا البحث أثبت أن مجموعة كتب جابر كانت اسماعيلية ، وأنها النموذج السابق لكتب إخوان الصفا . وكان عليه من أجل أن يقدم بحثه عن جابر أن يبدأ بنشر شئ من كتبه ، فنشر مختارات منها بعنوان " مختار رسائل جابر بن حيان " ( مطبعة الخانجى سنة ١٣٥٤ ه - سنة ١٩٣٥ م ) : من هذه المختارات نشر فصولا رئيسية من كتب جابر ، كما نشر رسائل كاملة ،

وعنى فى اختياره بأن تكون هذه النصوص ممثلة لمختلف نواحي مذهب جابر : ففيها نماذج لأبحاثه الكيميائية ،

ولأبحاثه الفزيائية الفلسفية ، كما أن فيها نصوصا تتعلق بالناحية الدينية ، من شأنها أن تبين لنا الصلة بين آرائه وآراء

الغلاة من الشيعة ، مما يرجح نسبة رسائل جابر إلى الأوساط الشيعية الإسماعيلية . وقد بذل فى نشر ، مجهودا جبارا حقا ، لأن النسخ التى اعتمد عليها مشوهة جدا ، وبعض الرسائل قد اعتمد فى نشره على مخطوطة وحيدة ، فكان عليه حينئذ أن يكمل النقص فى كثير من الواضع وان يقترح تصحيحات لا يحصى . وقد وفق فى هذا كله إلى حد بعيد ، فاستطاع أن يقدم لنا نصا واضحا قليل الاغلاط التى يمكن اصلاحها ( ولنذكر على سبيل المثال ما أضافه فى ص ١٠ س ٩ : " ( المبتدأ والخير ، وأما ) الخير فهو الذى فيه الفائدة العظمى " فهنا أضاف كملة " المبتدأ "

والصحيح أن يضيف كلمة " الانشاء " لأن جابرا يتحدث هنا عن تقسيم القول إلى إنشاء وخبر ، والشاهد على ذلك قوله عن الخبر إنه " الذى محتمل الصدق والكذب ... " ) .

وها هو ذا اليوم يقدم لنا الجزء الثانى من بحثه الكامل عن جابر بن حيان . وقد ظهر هذا الجزء قبل الجزء الاول لأسباب فنية ، على أن الجزء الأول سيظهر بعد قليل . وهذا الجزء الثانى قد نشر ضمن مطبوعات المهد المصرى (المجلد الخامس والأربعين ، سنة 1942 )آ باللغة الفرنسية .

والجزء الأول خاص بكتب جابر كلها ، فهو إلى جانب المقدمة الطويلة ثبت بكل كتبه مفصل كل التفصيل .

ولو أننا لا نستطيع أن نقدر هذا الكتاب حق قدره إلا إذا ظهر الجزء الأول ، بل والجزء الثالث الذى ينوى المؤلف إخراجه ، إلا أن هذا الجزء الثانى يكاد أن يقوم بذاته لدرجة أنه فى وسعنا التحدث عنه وحده .

فى هذا الجزء يعرض لنا الأستاذ كروس المسائل العلمية الرئيسية الواردة فى الكتب المنسوبة إلى جابر بن حيان ، ونقول " المنسوبة " لأنه اثبت فى الجزء الأول أن هذه الكتب منحولة كلها ، وقد وضعتها طائفة من علماء الشيعة المشتغلين بالكيمياء حوالى سنة ٣٠٠ ه - سنة ٩١٢ م .

ثم يتبع عرضه لكل مسألة البحث فى الأصول اليونانية والشرقية التى اعتمد مؤلف هذه الكتب عليها واستمد منها آراءه .

فعرض أولا مسألة " الاكسير " ، وفى هذا المعرض تحدث عن تحول المعادن ، وتركيب الاكسير ، لا من المواد المعدنية فحسب ، بل ومن المواد النباتية والحيوانية كذلك ، ودرس إلى جانبها تصنيف المعادن عند جابر وعند غيره ،

وخصوصا عند محمد بن زكريا الرازي والصابئة . وهو عرض يمتاز بالوضوح والتنظيم ، ولكن البحث المهم فى هذه المسألة هو الخاص بالمصادر التى استقى منها جابر نظرياته فى المعادن وفى الاكسير . فهنا نجد الأستاذ كروس يعرض لنا فى إيجاز تطور الكيمياء اليونانية ،

وخصائص كل دور من الأدوار التى مر بها هذا التطور ، ثم يبحث فى صلة الكيمياء الجابرية بكل دور من هذه الأدوار ، ويعنى خصوصا بصلة جابر بكيمياء ذوسيموس وبلنياس . ويخرج لنا من هذا البحث ببيان ما هنالك من اختلاف كبير جدا بين الكيمياء الجابرية والكيمياء

اليونانية القديمة فعلى الرغم مما هنالك من تشابه فى التعبير الاصطلاحى وفى جزئيات كثيرة ، إلا أن كيمياء جابر مختلف اختلافا بينا عن غيرها إن فى الروح أو فى التفصيلات ، فإن كيمياء جابر تمتاز بالليل إلى الناحية التجريبية ، واستبعاد الخوارق ، والاتجاه العلمى العقلى

بينما الكيمياء القديمة كثيرا ما تلجأ إلى الرؤيا الوجدانية واستخدام فكرة الخوارق فى التفسير . ومن ناحية التفصيل ، نجد جابرا يعنى بالكيمياء ، العضوية خصوصا ، ويستعمل ملحا لم يعرفه القدماء اليونانيون والشرقيون ،

وإنما استعملته الكيمياء الاسلامية ، ونعنى به ملح النوشاذر ، ويرجع العناصر إلى الكيفيات الطبيعية من حرارة وبرودة ويبوسة ورطوبة .

ولكن جابرا يظهر لنا أكثر قربا من الكيمياء

اليونانية ، وأبعد عن الروح العلمية العقلية فى المسألة الثانية من المسائل التى عرض لها الأستاذ كروس . فإن " علم الخواص " عند جابر متأثر كل التأثر بالكيمياء اليونانية والهليفية ، حتى ليمكن إرجاءه كله إلى هذه الكيمياء ؛ وفيه نرى فكرة الخوارق تلعب دورا كبيرا فى تفسير خواص المعادن والنبات والحيوان ، وما بينها من انجذاب أو تنافر ، ولهذا كان هذا الجزء اقرب ما يكون إلى علم السحر والطلسمات .

وثمة ناحية ، لها أكبر القيمة من الناحية الحضارية ، ومن الناحية الانسانية العامة ، وتعنى بها مسألة " التكوين الصناعى"  فإن جابرا يريد من وراء علم " التكوين " كما يسميه " أن يكون " ، أى يخلق ،

بالصناعة أنواعا من الكائنات تنتسب إلى الممالك الطبيعية الثلاث ، وخصوصا المملكة الحيوانية . فإذا كان فى وسع الكيمياء أن تستنبط مواد جديدة بتركيب الأجسام بعضها مع بعض ، فلم لا تقوم أيضا بإنتاج النبات والحيوان ، بل ويخلق الانسان الصناعى ؟ إن هذا العلم

ممكن ، لأن الكائن الحى - والإنسان كائن حى - هو نتيجة لتضافر القوى الطبيعية . والطبيعة فى إنتاجها للكائنات إنما تخضع لقوانين كمية عدوية يكشف عن سرها علم " الميزان " ، أى علم القوانين الطبيعية الكمية التى يجرى عليها الكون والفساد فى الطبيعة . فما على الإنسان ، وقد عرف هذا السر ، إلا أن يلد ما نبرزه الطبيعة ، وليس فى هذا خروج على الطبيعة ، بل هى تساعد على ذلك ، لأنها إذا وجدت للتكون طريقا ( غير طريقها هى ) استغنت به عن طريق ثان " ، على حد تعبير جابر .

ففكرة تكوين إنسان بالصناعة ، تلك الفكرة التى شغلت أذهان كبار العلماء فى عصر النهضة ممن نزعوا نزعة سحرية ، مجدها واضحة كل الوضوح عند جابر ، يؤمن

بها ويؤكد إمكان تحققها فى حماسة ونشوة تذكرنا محماسة بركلسوس ، ورجال القرن السادس عشر فى أوربا ، وهذا يكشف لنا عن ناحية خطيرة الشأن فى الفكر الإسلامى ، ومحتاج إلى أن تدرس أعمق الدرس ، خصوصا وانها تعبير عن فكرة عاشت حية فى وسط دينى ، وكانت مدار التفكير عند أصحاب هذا الوسط ، وفيها يظهر تأثير العناصر الفتوحية فى الحياة الروحية فى الاسلام أجلى ظهور .

ومن هذه الناحية العملية من مذهب جابر ينتقل الأستاذ كروس إلى الناحية النظرية ، فيحلل لنا فى دقة مذهب جابر الطبيعى . فيتحدث عن نظرية العناصر عند جابر ، وعن الكيفيات المركبة لها ، ويبين الأصول التي أخذت منها ، وهى أصول مجمع بين أرسطو وبين الرواقية والأفلاطونية المحدثة . ثم يتحدث طويلا ويوجه خاص عن نظرية ( الميزان) التى تعد العمود الفقرى والمحور الرئيسى لمذهب جابر كله . والميزان يقصد هنا القوانين الكمية المعدوية التى يحكم كل شئ فى الوجود ؛

وبالتالى إرجاع كل الظواهم الطبيعية وكل ما فى الوجود إلى قوانين الكم والعدد . وهذه الفكرة هى أكبر محاولة قامت فى العصور الوسطى من أجل إيجاد علوم طبيعية تقوم كلها على فكرة الكم والمقدار ، وهى المثل الأعلى الذى سمى العلماء الطبيعيون المحدثون جهدهم إلى تحقيقه . ومن هنا جاءت الطرافة والمعنى فى نظرة جابر هاتيك . ذلك لأننا نجد الشغل الشاغل والهم الأكبر للعلم

الحديث بكل انواعه وفروعه يتجه إلى إحلال النسب الكمية محل الخواص الكيفية فى كل تفسير لأى مظهر من مظاهر الوجود . ويكفى أن يكون جابر قد شعر شعورا واضحا قويا بهذا الاتجاه لكى يقبوأ مركز الصدارة فى تاريخ العلم كله قديمة وحديثه . ولا يهم كثيرا أن لا يكون قد استطاع أن يصل إلى نتائج ذات قيمة فى

هذا الباب ، لأنه فى الواقع قد تأثر هنا بالناحية الصوفية السحرية من نظرية الإعداد عند الفيثاغوربين وخواصها العجيبة ، فلم ينته إلى نتائج علمية صحيحة . وفى حديث المؤلف عن الصلة بين جابر والأقدمين فى هذه الناحية ، تناول مشكلة تاريخية فيلولوجية على الدرجة الأولى من الأهمية ، ونعنى بها مشكلة كتاب ( سر الخليفة ) ،

المنسوب إلى بلنياس الطوانى . ولو أنه لم يصل إلى نتائج حاسمة هنا ، إلا أن هذا الفصل أروع ما فى هذا الجزء الثانى من الكتاب ، فقد استطاع فيه أن يعقد مقارنة بين هذا الكتاب و ( كتاب الكنوز ) لأبوب الرهاوى ( الذى نشره متجانا وترجمه سنة ١٩25؛ وهو باللغة السريانية ) ، ويخرج منها بأنه لا بد أن يكون مصدر الكتابين واحدا ، وان يقدم لنا فكرة دقيقة عن الصورة التى كانت عند اليونانيين ، وفى العالم الاسلامى عن بلنياس . وكثيرا ما يعرض المؤلف لمسائل هامة على هامش البحث يدلى فيها بإراء ذات اهمية كبيرة ، ويوجه فيها العناية إلى دراسة ناحية ما من نواحى البحث التاريخى فى الحياة الروحية فى الاسلام .

ولهذا فإن للتعليقات المحشودة فى الكتاب بكثرة من الأهمية فى ذاتها ما للنص الأصلى ، إن لم يكن أكبر فى أحيان ليست بالقليلة .

والمنهج الذى سلكه الأستاذ كروس فى هذا الجزء منهج فيلولوجي من الطراز الأول . فانه - كما يذكر ذلك فى القدمة - يبدأ من نص رئيسى يحدد معانى مصطلحاته فى دقة ومهارة فى المقاربة والاشتقاق ، ويحشد حوله ما هنالك من نصوص تعين على فهمه وإبراز كل معانيه . وبعد ان ينتهى من هذا التحليل الدقيق ، يحاول ان يعرض لنا المسائل واضحة منتظمة الأجزاء ، ثم يتلو ذلك بيان الصادر والأصول التى قد ترجع إليها الآراء التى أوردها صاحب المذهب . وهو المنهج الفيلولوجي بالمعنى الدقيق .

وكنا نود من المؤلف أن يضيف إلى هذا المنهج الفلسفى الذى يحاول أن يستخلص النتائج العامة ويرتب عليها صورة كاملة عامة متناسقة الاجزاء للمفكر الذى هو موضوع الدرس ، بعضها هى الأخرى فى إطار الحضارة التى نشأ هذا المفكر فيها ، رابطا إياها بكل التيارات المرتبطة بها ارتباطا عضوا حيا . وعلى كل حال فان هذا الحكم قد يكون سابقا لأوانه ، لأن المؤلف قد وعدنا بجزء ثالث لعله أن يعنى فيه بهذه الناحية . فلنمسك عن تقدير الكتاب جملة حتى يظهر الجزء الأول على الأقل ، ولتقدم إلى الأستاذ كروس بأحر التهانى على هذا العمل العلمى العظيم الذي يعتبر بدون أدنى شك من اعظم الأعمال العلمية النادرة التى قام بها الباحثون حتى اليوم .

اشترك في نشرتنا البريدية