الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 211الرجوع إلى "الثقافة"

حديت ل مناسبة :، خرافة معمرة !

Share

قالت أمي تحدثني حديث المساء ، وان لها في كل مساء اقضية عندها حديثا تتحدثينه عن أبيها الذي كان يرحمه الله - ولست اشك أن اباها كان رجلا كبعض ما تصف ، ولكنه تاريخ بعيد .

قالت : " وكان له جاء ومال وفيه اريحية ومروءة وعلي انه قد مات ولم يخلع رداء الشباب ، فقد كانت له حكما الشيوخ وجلال الرأي وهيبة النظر ، وكان المال في خزائنه يوزن ولا يعد ، ذهبا ذهبا وفضة فضة ونحاسا أحمر ؛ فلما مات ؟

وعلمت ابن سينتهي حديثها وقد بدأت ، فقد خلفها أبوها طفلة وكان له سمعة بالغني . فما كادت تشب ونطح عن كتفيها ولاية الأوصياء حتى كان مال ابيها ذكري بعيدة لا تنالها يد الحاسب ؛ وعن ذلك كان حديثها الذي لا تكاد تذكر أوله حتى تعرف آخرته . على أنني في هذه الليلة كنت مشوقا إلي بقية حديثها وإني لأعرفه فقد كان بي في هذه الليلة حاجة إلى حلم سعيد يمتعنى ببعض ما افتقد في يقظتي من الغني والجدة ، ولذة الوهم في بعض الوان الحرمان امتع من سعادة الواقع

ونمت ، ورأيتني علي فرس أشهب كالذي كان يركبه جدي . . وعن يمنى وشمالى بساتين فيها من كل فاكهة وزهر عطر ، ودعاني داعي الأمير " إلي لقائه . فلما مثلت بين يديه تحفي بي وبسط لي وجهه ومجلسه . وتسرحنا في الحديث ، ولقيت في مجلسه رجالا من التاريخ لهم سلطان وجاء وامر من امر السادة ؛ وعرفت اين مكاني من هذا الناس .

وصحوت وفي نفسى من اثر ذلك الحلم السعيد لهفة

وحنين ، كان لم يكن حلما تمثل في غفوة ساعة ، بل صفحة من الحياة الواقعة طواها الزمن وخلفها في الأعصاب ذكري مائلة !

ورتبت لنفسي حين لم استطع أن أملك زمامها ، وحمدت الله بعد حين أفقت من ذلك الكابوس وثابت نفسي من وادي الأحلام

وذكرت أن علي واجبا أن أكتب اليوم هذا الفصل لهذا العدد ، ولم أكن اخترت موضوعه بعد وخلوت إلي كتابي إذاكره الرأي فيما كتب لهذه الذكري المجيدة ، فانفتح لي صفحاته عن اعجب قصة قرأت في حياتي . . يا لها خرافة

خرافة معمرة اصطنعها عقل مريض على لسان شيخ خرف ، فذاعت في الناس ذيوع الحادثة البكر ، وتقاذفتها الأفواه من واد إلي واد بين شاطئ المحيطين . من شرق الدنيا إلي غربها ، وتزيد فيها الرواة ما تزيدوا يقصدون قصتها في سامر بعد سامر حتي ملأت سمع الدنيا وشغلت الناس ؛ ثم تناقلتها الكتب صحيفة عن صحيفة تنتقل بها في العصور والأجيال كانها تاريخ من التاريخ . .

خرافة ، ولكن لها من سيماء خالقها منظر الحق الذي لا ينكر ، لأن بعض عناصرها إنسان حى ، وشيخ معمر يزعم انه يروي عن رؤية ويخير عن بينة ، وإن له هو نفسه منظر الخرافة ، كانه حلم من الاحلام او اسطورة من الأساطير ، ولكنه يسمع ويري ، فما يشك أحد في صدق وجوده ؛ فما ايسر ان تصدق الخرافة كلها وهذا جزء منها إنسان حي يتحدث . .

هو شيخ معمر ذاع نبؤه في بعض بلاد الهند في منتصف القرن السابع الهجرة ، زعم انه من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ، وانه لقيه مرتين ، قبل البعثة وبعدها ، على بعد العهد وتوالي القرون !

أما اسمه فهو رطن بن عبد الله الهندي ثم البنريدي

ابن ساهوك بن جندريو ( ١) ؛ ويصفه من رآه : " رأيت اسنانه مثل اسنان الخفش دفاقا ، ولحيته مثل الشوك وفي شعره أكثره بياض ، وقد سقط حاجباه على وجنتية يرفعهما بكلاب ورايت طول قعدته ثلاثة اذرع . وكان يجلس في زنبيل مملوء بالقطن ، والشيخ في وسط القطن ، والزنبيل معلق في بعض أغصان شجرة كبيرة فكرة يصعد بها الزنبيل وينزل ، وصوت الشيخ كطنين النحل ، وكلامه بالفارسية . .

واما خبره ، فهذا ما يقول عن نفسه على ما يروي رواته عن مشافهة وعيان ، قال :

" سافرت مع أبي وأنا شاب من هذه البلاد إلي الحجاز في تجارة منذ ستمائة سنة - فلما بلغنا بعض اودية مكة وكان المطر قد ملأ الأودية - رأيت غلاما اسمر مليح الوجه حسن الشمائل وهو يرعي إبلا في تلك الأودية ، وقد حال السبيل بينه وبين إبله ، وهو يخشى من خوض الماء لقوة السيل ، فعلمت حالة ، فأثبت إليه وحملته وخضت السيل إلي عند إله من غير معرفة سابقة ، فلما ضمنته عند إبله إلي وقال بالعربية : بارك الله في عمرك ! ثلاثا ، فتركته ومضيت إلي حال سبيلي ، إلي أن دخلنا مكه، وقضينا ما أتينا له من أمر التجارة وعدنا إلي الوطن

قال : " فلما تطاولت المدة علي ذلك وعلمنا من الركبان أن رجلا هاشميا ظهر بمكة وادعي أنه رسول الله إلي كافة العالم فلما أن سمعنا ذلك من السفار اشتقت إلي أن أراه فتجهزت في تجارة وسافرت إلي أن دخلت مكة ، فسألت عن الرجل الموصوف فدلوني علي موضعه ، فأتيت إلي منزله فاستأذنت عليه فأذن لي ، فدخلت عليه فوجدته جالسا في وسط المنزل والأنوار تتلألأ في وجهه وقد استنارت محاسنه وتغيرت صفاته التي كنت أعهدها في السفرة الأولى ، فلم أعرفه فلما سلمت عليه نظر إلي وتبسم وعرفني وقال :

وعليك السلام ، أدن مني ، وكان بين يديه طبق فيه رطب وحوله جماعة من اصحابه ينظمونه ويبجلوبه ، فتوقفت لهيبتة ، فقال : ادن مني وكل ، الموافقة من المروءة والمنافقة من الزندقة فتقدمت وجلست وأكلت معهم من الرطب ، وصار يناولني الرطب بيده المباركة ، إلي أن ناولني ست رطبات سوي ما أكلت بيدي ؛ ثم نظر إلي وتبسم وقال : الم تعرفني ؟ قلت كأني ، غير أي ما اتحقق فقال : ألم تحملني في عام كذا وجاوزت بي السيل حين مال السيل بيني وبين إبلي ؟ فعرفته بالعلامة ، وقلت له : بلى يا صبيح الوجه ! فقال لي : امدد يدك ، فمددت يدي اليمنى إليه ، فصافحني . . وقال لي عند خروجي من عنده ؟ بارك ان في عمرك ثلاثا اخري ، فودعته وانا مستبشر بلقائه وبالإسلام ، فاستجاب الله دعاء نبيه وبارك في عمري بكل دعوة مائة سنة ، وها عمري الآن ستمائة سنة وزيادة .

هذا مجمل خبر الشيخ كما نقله رواته عنه ، يختلف حرفا أو يزيد حرفا علي اختلاف الرواة ؛ وقد لقيه في أوائل المائة السابعة ومنتصفها جماعة من نقلة الأخبار لا أراهم يجتمعون على الكذب ، منهم الشامي ، والمصري ، والمغربي الأندلسي ، ومنهم من قصد إليه الرحلة من بعيد لينقل خبره عن عيان وحس ؛ ويحدون ان جميع من يساكنونه في ضيعته كلهم من أولاده واولاد أولاده ، ليس بينهم غريب وليس عجيبا بأن يكون أهل البلدة جميعا على كثرتهم أبناء رجل واحد وحفدته إن صح في نواميس الطبيعة أن رجلا من بني آدم يطوي حيا سبعة قرون من عمر الرمان !

ولهذا الشيخ رواية وحديث ينقله عنه طائفة عن طائفة ، وقد ذكره صلاح الدين الصفدي في تذكرته وأكد وجوده ولم ينكر خبره ؛ وليس كل ذلك باطلا فيما أري وإن كان الحق أقل ما فيه ، ولست اتناول هذه القصة في هذه المناسبة ، لأثبت أو أنقي وحسب ؛ فان من الهين على كل قارئ تمييز حقها من باطلها فليس من صواب الرأي إنكار وجود هذا الشيخ وقد رأه من رأي

وحدث عنه من حدث ، ولكن الباطل المنكسر ما يزعمه ذلك الشيخ الخرف ؛ علي ان هنا الذي زعمه ليس فيه من قوة السبك ما يحمل على تناوله بالحد ، ولم يكن يقتضي هذا الجهد الذي بدله معاصروه والقريبون من عصره لتكذيب ما رواه عن نفسه على ما حكام الحافظ ابن حجر ، فان اكذوبته واهية البناء منذ أولها

وما أراد كما قال الذهبى : " شيخا ضالا أسس لنفسه بيتا في جهنم يكذبه علي النبي ، أو شيطانا تبدي في صورة بشر . إن امره لاهون من ذلك ؛ وليله كان صادق السريرة فيما يروي عن نفسه من كذب وزور

إنه - فيما أراه - شيخ من المتصوفة قد جاوز المائة الأولى ولم يعد الثانية ، أو لعله عداها فما يستحيل ذلك على بشر ، وأحسبه كان في أوليته كثير التعلق سيرة النبي موصول العهد بسنته ، وكان إلي ذلك في واسع التخيل ، شاهدي النزعة ، مشبوب الهوي ، وحداني الحب ، ألوف الطبع ، مطوي القلب على فكرة واحدة لا تبرحه ، ولقد يكون عجيبا ممن يتسع لكل هذه الصفات أن يعمر ؛ فإن طاقة الحسد البشري لا تحتمل طويلا إلحاح هذه المعاني العنيفة علي احساس الكائن الحي ، ككسرة المطاط تحتمل ما تحتمل من نفخ النافخ إلي حد ، ثم تنفجر وتتمزق ولا تمسك من الريح ولا نفخة نافخ ؛ ولكن هذه الكرة قد تصير شيئا آخر غير كرة المطاط ولا يضيف فراغها المحدود بمثل حجم الكرة الأرضية من الهواء إذا وجدت في بعض جوانبها ثقبا صغيرا ترسل منه ما يزيد على طاقتها من ضغط الريح ونفخ النافخ ؛ وكذلك كان هذا الشيخ ، وكان الثقب في عقله . فعمر ما عمر ومات الجزء الحي من إنسانيته فضرب ، وعادت أشواقه الصوفية أماني ، وتمثلت امانية أحلاما ، وتجددت أحلامه في عقله المريض على صورة من الحقيقة خيلت له ما خيلت ، فاصطنع هذه الخرافة الطريفة ، وكان وجوده هو نفسه خرافة أخري معمرة

وأري - إلى هذا أن أول ذلك كان منه يوم نظر حواليه فلم يجد أحد من جيله  يذكره ما كان من ماضيه ، ثم لم يجد أحدا ممن يعرف أوليته ومنشأه ثم أحاط به ما يحيط بكل شيخ قد انقرض جيلة وجيل من بعده : طوائف من المحدثين يستبثونه انباء الماضي ويتقصون منه آثار التاريخ ، وأبدل له ذلك من وحشته انسا فاستراح إليه ، وكان رجلا موصوفا بالصلاح والعبادة ، فجر ، حديث إلي حديث إلي حديث ، واختلطت في واعيته ذكرياته بامانية البعيدة ، وراي نفسه ذات يوم يقص هذه القصة الطريفة فوجد من يصدقة ، فكذب على نفسه كذبه أشعبية (1)، ولم يدر منذ اليوم ما يقول ولاما يحكى عنه .

ماذا من الفرق بين خيال المتخيل ورؤية الرائى إلا وعي الواعي وقوة ضبطية ؟ فإذا اختلطت في وعيه منابع الإحساس والمعرفة ، واختل في ميزانه قانون الضبط والإرادة فما ثمة حقيقة ولا خيال ، ولا صدق ولا كتب ، ولكنه شئ له في عقل قائله معنى وفي ذهن سامعة معني غيره ، وكذلك تختلف في حياتنا العامة أو تأتلف في الحكم على كل ما يصدر عنا من أعمال

خشيت والله ان يخدعني الحلم الذي رأيت امس عن حقيقة نفسى فيخيل إلي لا ، بل ليته كان من قوة الاثر بحيث يخدعني أبدا عن حقيقة نفسى فأعيش به من توهم السعادة بعيدا عن حقيقة حياتي التي أعيش !

اشترك في نشرتنا البريدية