الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 174الرجوع إلى "الثقافة"

حنان أعمى، قصة

Share

كانت في الثلاثين من عمرها عند ما فجعت في زوجها بعد عشر سنوات حالمة قصتها في عش الزوجية الهنئ وكانت تحبه إلى درجة الجنون ، وكان يحبها إلي درجة العبادة ، ولكن ما اقصر عمر السعادة ، حتى لو طال أمدها إنها تسرق سر الزمن ، فتمر الأيام الطويلة كأنها لحظات قصار تستيقظ بعدها على آلام الجراح والطعنات ، والقدر يعطي ليسلب دائماَ ، ولكنه كان رحيما بـها .

فقد أعطاها أكثر مما يعطي الناس ، وحين سلب منها عطيته كان إلى جانبها بنتان ناعمتان رقيقتان تفتحان لها باب العزاء والسلوي كان " عادل " في الثامنة من عمره عندما مات أبوه ، وكان يشبهه إلي حد كبير حتى في لهجته وحركاته ، وكم كانت تحدق في وجهه فتنفجر عيناها بالدموع ، وتضمه إلى صدرها وتقبله قبلات حارة مفعمة بالذكري والحنان والعزاء ، إنه رجلها الصغير ، و ليكن إخلاصها لذكري فقيدها هو السهر على تربية ابنه ، حتى يغدو رجلا تفاخر به الأمهات .

وما أعظمها من تضحية ؛ إنها ما زالت في أوج شبابها ، تشع عيناها فتنة ، وتفيض قسماتها بالأغراء . وكانت تدرك أنـها جميلة ، فهل تترك عطرها يضيع بدداّ في صحراء وحشتها القاسية ؟

كانت " فوزية" شديدة الحساسية ، مثبوبة الغيرة ، فهل يمكنها أن تقاسي طويلا مرارة الوحدة ؟ كانت تحس أنـها لو ماتت قبل " حسنى " وتزوج بعدها ما اطمأنت عظامها في التراب ،

فلتعامله إذا كما كانت تود أن يعاملها ، فإنه ما زال حياّ في قلبها .

وهل يمكنها أن تنسى تلك السنوات الحلوة التي تعجب الان من سرعة مرورها ؟ هل تسمح لرجل آخر أن يكتسح ذكراها من قلبها ؟ قد تكون هذه الذكريات أحلى وأسمى من أي سعادة يتيحها لها رجل آخر ، وقد لا يجلب لها الرجل الآخر أى سعادة .

لتبق إذا علي حياة هذه الذكريات ، ولتــطرح فكرة الزواج من رأسها ، ولتقدم كل حياتـها لابنها ، الوديعة الغالية التي خلفها لها أبوه .

وبدأت تنسج الأحلام من جديد : ان ما ستعانيه من مرارة وحرمان وألم هو الثمن الذي تدفعه سلفا للسعادة التي سيجلبها لها عادل . . ولكنها كانت فقيرة وإيرادها الشهري ضئيل ، فكيف يـمكنها أن تعيش وتتفق على نجلها وتحافظ على المظهر الذي اعتادت أن تظهر به دائما  ....وبدأت تحس بمرارة الأيام ، إنها يتيمة منذ الطفولة سهر على تربيتها شقيقها ، وشقيقها الآن رب أسرة كبيرة

لا يكاد يفى بنفقاتـها . كما أنـها تكره زوجته التي طالما أنبتها على حدة طبعها وغرورها , ولم تكن فوزية مغرورة في الحقيقة ، ولكنها كانت رقيقة العاطفة سريعة التأثر ، وكان هذا يدفعها إلى توقى الناس كي لا تتعرض لها في معاملاتهم من خشونة وغلظة . . وها هو الزمن يعلمها التضحية بأعز ما تملك ، فتلقى بعزة نفسها جانبا وتدوسها بقدمها من أجل عادل . . إن " المكافأة " التى صرفتها لها الشركة التي كان يعمل بها زوجها لن تكفيها أكثر من شهور معدودة أو عام على الأكثر . . وماذا تفعل بعد ذلك ؟ كانت تعرف مدير الشركة فقد استضافه  زوجها الراحل عدة مرات ,

وكانت تعهد فيه سمو الاحساس ورقة الشعور . وكم حزن لفقد حسنى ، فلم لا تزوره ، وتعرض عليه أمرها ؟ إنه سيفهمها إلى حد بعيد ويعطف عليها . وظلت تبكي بكاء مراّ طول الطريق ، وعندما وصلت إلي مقر الشركة حاولت ضبط عواطفها فلم تستطع وغطت وجهها بنقابها الرقيق واندفعت إلي غرفة المدير ، ولم يخب ظنها فقد وعدها أن يعاونها معاونة صادقة في تربية عادل .انه سيستخدم كل نفوذه

لإدخال عادل في مدارس الحكومة بالمجان ، وعندما ينال شهادة الدراسة الثانوية يحل محل أبيه . أما هي فيمكنها بمساعدته أن تعمل كخياطة في إحدي شركات الملابس .. أتقبل .. ؟؟ ترددت قليلا ثم قالت ( نعم ) والدموع تنهمر من عينيها .

وأخذت ثروض نفسها علي الحياة الجديدة التي لم تألفها قبلا . . كانت تستيقظ في الصباح الباكر فتعد لنجلها طعام الإفطار ويخرجان سويا ،,, هو إلى مدرسته وهي إلى محل عملها . وقبل خروجها كانت توصى صديقتها "فتحية " التي تقطن معها في نفس المنزل بأن تعني بشأن عادل حتي تعود هي عند الغروب . . وما أقصى الحياة ترفعنا إلى أوج السعادة لتركلنا بقدمها في النهاية فنهوي حطاما ...

ما أمر الحياة التي فرضتها الأيام على فوزية . ولكنها كانت تغطي عينيها بعصابة من نسج الأحلام فلا تري شيئا من الواقع البغيض ، وتقفز ببصرها إلى المستقبل فلا تري إلا الحياة الهنية الناعمة التي

سيهيئها لها عادل . ..

ومرت سنوات شب فيها جسم عادل وعقله .

وكان يؤلها منه شدة عناده وحدة طبعه وانصراف كل تفكيره إلي الشر رغم  صغر سنه . وكانت تعامله باللين حينا ، وبالشدة حينا ، ولكنها كانت تؤمل أنه سيغير طباعه عند ما يبلغ رشده ويستنير عقله وتتوطد إرادته .

وكانت تقتر على نفسها وعليه لكي تدخر ، وإلى جانب عملها بالنهار كانت تفني بصرها تحت ضوء المصابيح وهي تعمل ليلا في خياطة ملابس عملائها الخصوصيين : كل ذلك كي تتمكن من أن تعلمه تعليما عاليا . . إنها تود أن تراه قاضيا ، أو طبيبا ، أو مهندسا

لا كاتبا في شركة . وكانت تتحمل آلام الجهاد من أجله في صبر آملة ان يرتدع ويحيد عن غيه عندما يتأمل حالتها وحالته ، ولكن الشر كان يزداد تمكنا من نفسه على مر الأيام : كان يطالبها بكثير من النقود ولا يعود إلى المنزل إلا في أعقاب الليل رث الهيئة ممزق الملابس أحيانا ، وأصبح الشجار بينه وبين أمه من المناطر التي

تتكرر كل يوم ولكنها لم تفقد أملها فيه . كانت تبكي وتتوسل وتجلس عند قدميه وتذكره بكل ما تقاسية من أجله ، وكيف ان مسلكه سيخلف الضرر له ولها . . ولكنه لم يأبه لضراعتها وتوسلاتها .

وكان قد بلغ العشرين عندما نال شهادة الدراسة الثانوية ، وقبلته في فرح ، وقالت له وهي تربت على خده " لقد أصبحت رجلا يا عزيزى ويجب أن تتخلى عن طيش الطفولة" .

ولكن عادلا كان قد باع نفسه نهائيا للشيطان وأخذت أنباء مغامراته وفجوره تتواتر عليها وتسقط على قلبها الحزين كقطع الجمر المتقدة ، ولم تعد تراه إلا مرة كل عدة أيام ، فقد استطاب حياة الليل وما فيها ولم يعد يتذكر أمه إلا عند ما يحتاج إلى نقود ، عندئذ يعود إليها ويبتغى ما يريده منها في قسوة وعنف . ورفض أن يتم تعليمه . .

وبدأت قصور الأماني تتحطم فوق رأسها ، ولكن ما زال هناك بعض الأمل : لتذهب إلي مدير الشركة وتذكره بوعده ، لا شك في أن عادلا سيقدر مسئولية العمل ، وعند ما يصبح موظفا ويعتمد على نفسه سيلجأ إلى إرادته ويحكمها في طيشه وجنونه .

وبر المدير بوعده وحصل عادل على عمل يكفى راتبه أسرة متوسطة الحال تعيش باعتدال ، وعلت وجهها الحزين ابتسامة ، لقد كانت ظامئة إلى الفرح ، كانت نود أن تخلد إلي الراحة في منزلها وتنظر إلي أيام كدها ونصبها كذكري سعيدة ، سعيدة لأنها أنتجت ثماراَ شهية . . ولكن أين الثمار التي حلم بها ؟

وفكرت أنها لو أقنعت عادلا بالزواج فلا شك أنه سيقلع نهائيا عن اعوجاجه وجنونه . . وأفضت إليه برغبتها ، فقهقه ساخرا ، وقال لها : إن أمامه سنوات طويلة يقضيها في الجهاد بين أحضان النساء !

يا لها من نعمة شقية ! إن عادلا لم يغير من مسلكه شيئا ، رغم كل ما فعلته من أجله ، بل ازداد اعوجاجا ورسوخا في الشر ، وأصبح يرتكب أمامها الآثام التي كان يأتيها خبرها فتتردد في تصديقها .

وأخيرَا أيقنت للمرة الأولى أن آمالها فيه قد تبددت نهائيا

لقد باعت شبابها ، وضحت براحتها وكبريائها من أجله ! والآن  - وقد بدأ الشيب يقتحم شعرها في جرأة - تدرك أن الزمن كان بسخر منها .

وبدأت أعصابها التي خدرتها الأحلام عشرات السنين تنتقم منها ، وتشيب ما بقي لها من حيوية وشباب . وما أنسى أولئك الذين يعيشون بعواطفهم وأعصابهم عند ما يعائدهم الزمن !

كانت تفكر في ماضيها السعيد مع زوجها ، وفيما قاسته بعده ، وفيما بنته من آمال ... فتنفجر الدموع من عينيها ، وتظل تبكي ساعات متصلات ، ولا تجد من يسري عنها آلامها أو يسمعها كلمة عزاء ، وساءت حالتها ، وفقدت شهيتها ، ولم تعد تشعر أنها فى حاجة إلى طعام , كل هذا وعادل مندفع في تيار غيه ، ولم تجد توسلاتها او مشاداتها العنيفة معه نفعاَ ، ونمي إليها أنه يعيش مع امرأة تحترف الرقص في إحدي الحانات ، ولما فاتحته في أمرها ثار عليها وأفلت قياد أعصابها من يديها وعنفته ، فلطمها على وجهها

وأغمى عليها . . وتحول شعورها نحوه من الحب الى المقت . وكم من مرة رفعت رأسها نحو السماء وتضرعت إلى الله أن يصب نقمته على ابنها ؛ أن يصيبه بمرض قاس لا يشفى منه ، أو تصدمه سيارة فتبتر ساقيه . إن أى مصيبة تحل به لن تزيد من أحزانها شيئا ، بل سترحمها من شماتة الناس ومغبة العار الذي يلحقها من جراء مسلكه . ولم تدم هذه الحال طويلا ، فقد أخذ عقلها ينوء بالحمل الثقيل .

وأخيرا أقنعت نفسها بوجوب السفر إلى القاهرة ، لتعيش في كنف أخيها ولو كخادمة ! وسافرت وتركته لشأنه .

كانت حالتها تثير الحزن والألم في أقسى القلوب : كانت ذاهدة عن الناس ، غارقة في همومها ودموعها ، شاعرة في أعماق نفسها انها فقدت سلطتها على تصرفاتـها وتفكيرها . إن العاصفة تجرفها نحو هوة مظلمة مخيفة ، وليس لها إلا أن تستسلم للمقادير ، إنها لن تفكر في العزاء ، وأي عزاء تجده في الحياة ، بعد أن سخر منها الزمن هذه السخرية المرة ؛ وبذل شقيقها كل ما في طوقه املاجها ، ولكنه فشل . وبدأت تصرفاتها وأحاديثها ، خصوصا في الليل ، تفزع الأطفال . وتبرمت ربة الدار ، ولم يعد في وسعها

أن تعني بشئون منزلها وأولادها وهذه المريضة التي تثير من الخوف والقلق أكثر مما تثير من الحزن والاشفاق .

وفي إحدي الليالي حاولت فوزية أن تلقي بنفسها من النافذة ، وفي ليلة أخري رفضت أن تبيت إلا على السلم !

وأخيرا . لم يعد هناك بد من مواجهة الحقيقة المؤلمة ، ولم يكن هناك مفر من إرسالها إلي المكان الوحيد الصالح لايوائها . وهناك ، في مستشفي الأمراض العقلية ، قر بها المطاف لتقضي بقية أيامها في الظلام الذي لا يعرف حتي نفسه ؟

كان قد مضي عليها ما يقرب من عام في المستشفى عند ما حضر عادل إلي القاهرة - وكان قد رفت من العمل لسوء أخلاقه

وذهب لزيارة خاله ، وسأل عن أمه ، وعرف اين تعيش ، واستفسر عن الأوقات التي يمكنه أن يزورها فيها . . وانصرف . وفي صباح أحد الأيام اصطحب عادل ابن خاله " صبري " . وذهب لزيارة أمه .

وعند ما سمع الصراخ والعويل المنبعث من أفواه المجانين وهو يقترب من المستشفى شعر بقشعريرة هائلة تسري في كل جسمه .

وعرف من إحدي الممرضات أن أمه تعيش في العنبر رقم ١٢ وان حالتها متوسطة ، ويمكنه أن يراها ، وقادته الممرضة إلى هناك ، وطلبت منه ألا يجهدها بحديث طويل .

وتقدم عادل نحو أمه ذاهلا . وقابلته بصمت عميق . كان يحدثها فلا يظفر منها إلا بكلمات متقطعة فاترة . .

وكان يخيل للناظر إليها أنها تحاول جاهدة أن تنتزع من محيط النسيان الذي ابتلع عقلها ذكريات عزيزة غالية ، وكانت أطياف السر الهائل الذي يصطرع في خبايا نفسها ، وحطام الأفكار السابحة في رأسها تطفو على عينيها وتكسيهما بريقا مخيفا ، ثم حدجته بنظرة طويلة غامضة وأخذ جسدها يرتجف ارتجافا شديدا . ثم انفجرت دموعها . . وبكى هو بكاء مرا . وفجأة ضمته إلي صدرها في عنف وأخذت تقبله في شره وخشونة ...

بينما وقف صبري - الذي كان يخشي الاقتراب من عمته - يرقبهما من بعيد بعينين زاهلتين جامدتين ...

اشترك في نشرتنا البريدية