كانت في الثلاثين من عمرها عند ما فجعت في زوجها بعد عشر سنوات حالمة قصتها في عش الزوجية الهنئ وكانت تحبه إلى درجة الجنون ، وكان يحبها إلي درجة العبادة ، ولكن ما اقصر عمر السعادة ، حتى لو طال أمدها إنها تسرق سر الزمن ، فتمر الأيام الطويلة كأنها لحظات قصار تستيقظ بعدها على آلام الجراح والطعنات ، والقدر يعطي ليسلب دائماَ ، ولكنه كان رحيما بـها .
فقد أعطاها أكثر مما يعطي الناس ، وحين سلب منها عطيته كان إلى جانبها بنتان ناعمتان رقيقتان تفتحان لها باب العزاء والسلوي كان " عادل " في الثامنة من عمره عندما مات أبوه ، وكان يشبهه إلي حد كبير حتى في لهجته وحركاته ، وكم كانت تحدق في وجهه فتنفجر عيناها بالدموع ، وتضمه إلى صدرها وتقبله قبلات حارة مفعمة بالذكري والحنان والعزاء ، إنه رجلها الصغير ، و ليكن إخلاصها لذكري فقيدها هو السهر على تربية ابنه ، حتى يغدو رجلا تفاخر به الأمهات .
وما أعظمها من تضحية ؛ إنها ما زالت في أوج شبابها ، تشع عيناها فتنة ، وتفيض قسماتها بالأغراء . وكانت تدرك أنـها جميلة ، فهل تترك عطرها يضيع بدداّ في صحراء وحشتها القاسية ؟
كانت " فوزية" شديدة الحساسية ، مثبوبة الغيرة ، فهل يمكنها أن تقاسي طويلا مرارة الوحدة ؟ كانت تحس أنـها لو ماتت قبل " حسنى " وتزوج بعدها ما اطمأنت عظامها في التراب ،
فلتعامله إذا كما كانت تود أن يعاملها ، فإنه ما زال حياّ في قلبها .
وهل يمكنها أن تنسى تلك السنوات الحلوة التي تعجب الان من سرعة مرورها ؟ هل تسمح لرجل آخر أن يكتسح ذكراها من قلبها ؟ قد تكون هذه الذكريات أحلى وأسمى من أي سعادة يتيحها لها رجل آخر ، وقد لا يجلب لها الرجل الآخر أى سعادة .
لتبق إذا علي حياة هذه الذكريات ، ولتــطرح فكرة الزواج من رأسها ، ولتقدم كل حياتـها لابنها ، الوديعة الغالية التي خلفها لها أبوه .
وبدأت تنسج الأحلام من جديد : ان ما ستعانيه من مرارة وحرمان وألم هو الثمن الذي تدفعه سلفا للسعادة التي سيجلبها لها عادل . . ولكنها كانت فقيرة وإيرادها الشهري ضئيل ، فكيف يـمكنها أن تعيش وتتفق على نجلها وتحافظ على المظهر الذي اعتادت أن تظهر به دائما ....وبدأت تحس بمرارة الأيام ، إنها يتيمة منذ الطفولة سهر على تربيتها شقيقها ، وشقيقها الآن رب أسرة كبيرة
لا يكاد يفى بنفقاتـها . كما أنـها تكره زوجته التي طالما أنبتها على حدة طبعها وغرورها , ولم تكن فوزية مغرورة في الحقيقة ، ولكنها كانت رقيقة العاطفة سريعة التأثر ، وكان هذا يدفعها إلى توقى الناس كي لا تتعرض لها في معاملاتهم من خشونة وغلظة . . وها هو الزمن يعلمها التضحية بأعز ما تملك ، فتلقى بعزة نفسها جانبا وتدوسها بقدمها من أجل عادل . . إن " المكافأة " التى صرفتها لها الشركة التي كان يعمل بها زوجها لن تكفيها أكثر من شهور معدودة أو عام على الأكثر . . وماذا تفعل بعد ذلك ؟ كانت تعرف مدير الشركة فقد استضافه زوجها الراحل عدة مرات ,
وكانت تعهد فيه سمو الاحساس ورقة الشعور . وكم حزن لفقد حسنى ، فلم لا تزوره ، وتعرض عليه أمرها ؟ إنه سيفهمها إلى حد بعيد ويعطف عليها . وظلت تبكي بكاء مراّ طول الطريق ، وعندما وصلت إلي مقر الشركة حاولت ضبط عواطفها فلم تستطع وغطت وجهها بنقابها الرقيق واندفعت إلي غرفة المدير ، ولم يخب ظنها فقد وعدها أن يعاونها معاونة صادقة في تربية عادل .انه سيستخدم كل نفوذه
لإدخال عادل في مدارس الحكومة بالمجان ، وعندما ينال شهادة الدراسة الثانوية يحل محل أبيه . أما هي فيمكنها بمساعدته أن تعمل كخياطة في إحدي شركات الملابس .. أتقبل .. ؟؟ ترددت قليلا ثم قالت ( نعم ) والدموع تنهمر من عينيها .
وأخذت ثروض نفسها علي الحياة الجديدة التي لم تألفها قبلا . . كانت تستيقظ في الصباح الباكر فتعد لنجلها طعام الإفطار ويخرجان سويا ،,, هو إلى مدرسته وهي إلى محل عملها . وقبل خروجها كانت توصى صديقتها "فتحية " التي تقطن معها في نفس المنزل بأن تعني بشأن عادل حتي تعود هي عند الغروب . . وما أقصى الحياة ترفعنا إلى أوج السعادة لتركلنا بقدمها في النهاية فنهوي حطاما ...
ما أمر الحياة التي فرضتها الأيام على فوزية . ولكنها كانت تغطي عينيها بعصابة من نسج الأحلام فلا تري شيئا من الواقع البغيض ، وتقفز ببصرها إلى المستقبل فلا تري إلا الحياة الهنية الناعمة التي
سيهيئها لها عادل . ..
ومرت سنوات شب فيها جسم عادل وعقله .
وكان يؤلها منه شدة عناده وحدة طبعه وانصراف كل تفكيره إلي الشر رغم صغر سنه . وكانت تعامله باللين حينا ، وبالشدة حينا ، ولكنها كانت تؤمل أنه سيغير طباعه عند ما يبلغ رشده ويستنير عقله وتتوطد إرادته .
وكانت تقتر على نفسها وعليه لكي تدخر ، وإلى جانب عملها بالنهار كانت تفني بصرها تحت ضوء المصابيح وهي تعمل ليلا في خياطة ملابس عملائها الخصوصيين : كل ذلك كي تتمكن من أن تعلمه تعليما عاليا . . إنها تود أن تراه قاضيا ، أو طبيبا ، أو مهندسا
لا كاتبا في شركة . وكانت تتحمل آلام الجهاد من أجله في صبر آملة ان يرتدع ويحيد عن غيه عندما يتأمل حالتها وحالته ، ولكن الشر كان يزداد تمكنا من نفسه على مر الأيام : كان يطالبها بكثير من النقود ولا يعود إلى المنزل إلا في أعقاب الليل رث الهيئة ممزق الملابس أحيانا ، وأصبح الشجار بينه وبين أمه من المناطر التي
تتكرر كل يوم ولكنها لم تفقد أملها فيه . كانت تبكي وتتوسل وتجلس عند قدميه وتذكره بكل ما تقاسية من أجله ، وكيف ان مسلكه سيخلف الضرر له ولها . . ولكنه لم يأبه لضراعتها وتوسلاتها .
وكان قد بلغ العشرين عندما نال شهادة الدراسة الثانوية ، وقبلته في فرح ، وقالت له وهي تربت على خده " لقد أصبحت رجلا يا عزيزى ويجب أن تتخلى عن طيش الطفولة" .
ولكن عادلا كان قد باع نفسه نهائيا للشيطان وأخذت أنباء مغامراته وفجوره تتواتر عليها وتسقط على قلبها الحزين كقطع الجمر المتقدة ، ولم تعد تراه إلا مرة كل عدة أيام ، فقد استطاب حياة الليل وما فيها ولم يعد يتذكر أمه إلا عند ما يحتاج إلى نقود ، عندئذ يعود إليها ويبتغى ما يريده منها في قسوة وعنف . ورفض أن يتم تعليمه . .
وبدأت قصور الأماني تتحطم فوق رأسها ، ولكن ما زال هناك بعض الأمل : لتذهب إلي مدير الشركة وتذكره بوعده ، لا شك في أن عادلا سيقدر مسئولية العمل ، وعند ما يصبح موظفا ويعتمد على نفسه سيلجأ إلى إرادته ويحكمها في طيشه وجنونه .
وبر المدير بوعده وحصل عادل على عمل يكفى راتبه أسرة متوسطة الحال تعيش باعتدال ، وعلت وجهها الحزين ابتسامة ، لقد كانت ظامئة إلى الفرح ، كانت نود أن تخلد إلي الراحة في منزلها وتنظر إلي أيام كدها ونصبها كذكري سعيدة ، سعيدة لأنها أنتجت ثماراَ شهية . . ولكن أين الثمار التي حلم بها ؟
وفكرت أنها لو أقنعت عادلا بالزواج فلا شك أنه سيقلع نهائيا عن اعوجاجه وجنونه . . وأفضت إليه برغبتها ، فقهقه ساخرا ، وقال لها : إن أمامه سنوات طويلة يقضيها في الجهاد بين أحضان النساء !
يا لها من نعمة شقية ! إن عادلا لم يغير من مسلكه شيئا ، رغم كل ما فعلته من أجله ، بل ازداد اعوجاجا ورسوخا في الشر ، وأصبح يرتكب أمامها الآثام التي كان يأتيها خبرها فتتردد في تصديقها .
وأخيرَا أيقنت للمرة الأولى أن آمالها فيه قد تبددت نهائيا
لقد باعت شبابها ، وضحت براحتها وكبريائها من أجله ! والآن - وقد بدأ الشيب يقتحم شعرها في جرأة - تدرك أن الزمن كان بسخر منها .
وبدأت أعصابها التي خدرتها الأحلام عشرات السنين تنتقم منها ، وتشيب ما بقي لها من حيوية وشباب . وما أنسى أولئك الذين يعيشون بعواطفهم وأعصابهم عند ما يعائدهم الزمن !
كانت تفكر في ماضيها السعيد مع زوجها ، وفيما قاسته بعده ، وفيما بنته من آمال ... فتنفجر الدموع من عينيها ، وتظل تبكي ساعات متصلات ، ولا تجد من يسري عنها آلامها أو يسمعها كلمة عزاء ، وساءت حالتها ، وفقدت شهيتها ، ولم تعد تشعر أنها فى حاجة إلى طعام , كل هذا وعادل مندفع في تيار غيه ، ولم تجد توسلاتها او مشاداتها العنيفة معه نفعاَ ، ونمي إليها أنه يعيش مع امرأة تحترف الرقص في إحدي الحانات ، ولما فاتحته في أمرها ثار عليها وأفلت قياد أعصابها من يديها وعنفته ، فلطمها على وجهها
وأغمى عليها . . وتحول شعورها نحوه من الحب الى المقت . وكم من مرة رفعت رأسها نحو السماء وتضرعت إلى الله أن يصب نقمته على ابنها ؛ أن يصيبه بمرض قاس لا يشفى منه ، أو تصدمه سيارة فتبتر ساقيه . إن أى مصيبة تحل به لن تزيد من أحزانها شيئا ، بل سترحمها من شماتة الناس ومغبة العار الذي يلحقها من جراء مسلكه . ولم تدم هذه الحال طويلا ، فقد أخذ عقلها ينوء بالحمل الثقيل .
وأخيرا أقنعت نفسها بوجوب السفر إلى القاهرة ، لتعيش في كنف أخيها ولو كخادمة ! وسافرت وتركته لشأنه .
كانت حالتها تثير الحزن والألم في أقسى القلوب : كانت ذاهدة عن الناس ، غارقة في همومها ودموعها ، شاعرة في أعماق نفسها انها فقدت سلطتها على تصرفاتـها وتفكيرها . إن العاصفة تجرفها نحو هوة مظلمة مخيفة ، وليس لها إلا أن تستسلم للمقادير ، إنها لن تفكر في العزاء ، وأي عزاء تجده في الحياة ، بعد أن سخر منها الزمن هذه السخرية المرة ؛ وبذل شقيقها كل ما في طوقه املاجها ، ولكنه فشل . وبدأت تصرفاتها وأحاديثها ، خصوصا في الليل ، تفزع الأطفال . وتبرمت ربة الدار ، ولم يعد في وسعها
أن تعني بشئون منزلها وأولادها وهذه المريضة التي تثير من الخوف والقلق أكثر مما تثير من الحزن والاشفاق .
وفي إحدي الليالي حاولت فوزية أن تلقي بنفسها من النافذة ، وفي ليلة أخري رفضت أن تبيت إلا على السلم !
وأخيرا . لم يعد هناك بد من مواجهة الحقيقة المؤلمة ، ولم يكن هناك مفر من إرسالها إلي المكان الوحيد الصالح لايوائها . وهناك ، في مستشفي الأمراض العقلية ، قر بها المطاف لتقضي بقية أيامها في الظلام الذي لا يعرف حتي نفسه ؟
كان قد مضي عليها ما يقرب من عام في المستشفى عند ما حضر عادل إلي القاهرة - وكان قد رفت من العمل لسوء أخلاقه
وذهب لزيارة خاله ، وسأل عن أمه ، وعرف اين تعيش ، واستفسر عن الأوقات التي يمكنه أن يزورها فيها . . وانصرف . وفي صباح أحد الأيام اصطحب عادل ابن خاله " صبري " . وذهب لزيارة أمه .
وعند ما سمع الصراخ والعويل المنبعث من أفواه المجانين وهو يقترب من المستشفى شعر بقشعريرة هائلة تسري في كل جسمه .
وعرف من إحدي الممرضات أن أمه تعيش في العنبر رقم ١٢ وان حالتها متوسطة ، ويمكنه أن يراها ، وقادته الممرضة إلى هناك ، وطلبت منه ألا يجهدها بحديث طويل .
وتقدم عادل نحو أمه ذاهلا . وقابلته بصمت عميق . كان يحدثها فلا يظفر منها إلا بكلمات متقطعة فاترة . .
وكان يخيل للناظر إليها أنها تحاول جاهدة أن تنتزع من محيط النسيان الذي ابتلع عقلها ذكريات عزيزة غالية ، وكانت أطياف السر الهائل الذي يصطرع في خبايا نفسها ، وحطام الأفكار السابحة في رأسها تطفو على عينيها وتكسيهما بريقا مخيفا ، ثم حدجته بنظرة طويلة غامضة وأخذ جسدها يرتجف ارتجافا شديدا . ثم انفجرت دموعها . . وبكى هو بكاء مرا . وفجأة ضمته إلي صدرها في عنف وأخذت تقبله في شره وخشونة ...
بينما وقف صبري - الذي كان يخشي الاقتراب من عمته - يرقبهما من بعيد بعينين زاهلتين جامدتين ...

