الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 173الرجوع إلى "الثقافة"

حول رسالة الغفران :، ٢ - أبو العلاء والنقاد

Share

لعل أبا العلاء من أكثر من تناول النقاد بالدرس من بين شعراء ومفكري اللغة العربية . وما تريد اليوم أن نعرض للأبحاث التاريخية التى دارت حوله كابحاث نيكاسون ومرجوليوت وسلمون وفون كريمر والراجي كوني ؛ فتلك تستند إلي مناهج في البحث التاريخي أكثر اعتمادها على الأدلة النقلية ، وهي كتب علمية

نصيب الأدب أو النقد الأدبي منها محدود ، وهي وإن تكن غنية بالتفاصيل التي لا بد أن يريد الحديث عن أبي العلاء من الالمام بها ، إلا انها لا تغني عن ضرورة تخطبها إلي الفهم العام لنفسية أبي العلاء فهما لا يستقيم نقد بدونه ولا يأتي بغناء ، بل إنه أن الواضح أن امثال تلك الابحاث قد تميت أبا العلاء بدلا من أن تحييه في

نفوس القراء الذين لا يبغون مما يخلف الشعراء والأدباء إلا إثراء بما يفيدون من تجارب الغير ينفذون إليه ويضيفونها إلي حياتهم الخاصة التي لا يمكن ان تتسع لكل أنواع التجارب البشرية ، بله أن تستطيعها عملا ، وذلك مهمة الأدب الأساسية ، إذا فقدها لم يعد لوجوده معنى إلا أن يكون ضربا من العبث بالآفكار والآلفاظ ، يلهو به الناس أو يلهون الغير .

وإذا فالنقد التاريخي تمهيد للنقد الأدبي - تمهيد لازم ، ولكنه لا يجوز أن نقف عنده ، وإلا كنا كمن يجمع المواد الأولية ثم لا يقيم البناء . وأنا بعد لا أجهل فضل هؤلاء الباحثين الذين يتوفرون على الكشف عن وقائع الحقائق ، كما أدرك مدى النشوة العقلية التي يجدونها في شق الحجب عما يجهل من تفاصيل ؛ بل واعلم ان من الأبحاث التاريخية ما ينتهي برد العناصر المستقاة عند الشاعري أو الكاتب إلي أصولها التي استمدت منها ، وبذا تبصرنا بما عندهم من أصالة ؛ ولكني في الحق شديد

الحذر من كل تلك الأبحاث ، ولا أكاد أطمئن إلي نتائجها من الناحية الانسانية ؛ وذلك لاني افهم الأدب كما قلت في مقالي السابق على أنه تعبير غني عن تجارب بشرية ؛ والكاتب أو الشاعر لا يواجه الناس أو الأشياء وفي نفسه عناصر أصيلة ومستقاة ، وإنما يواجههم بنفس مجتمعة موحدة كقطرة من المياه لا تمايز بين ذراتها ،

وإنه لينفعل بالأشياء والناس كما تتردد الأصداء في أنحاء بناء تام . وإن كانت للأديب صفة نفسية فهي على ما ارجح تلك الوحدة التى تختلط فيها الأفكار بالمشاعر والاحساسات حتى لتحس ان في خياله فكرا وفي شعوره نظرا وفي حسه شعورا .

ونحن إذ نترك النقد التاريخي إلي النقد الأوبي لا تلبث أن نعثر بأنواع من النقد التقريري الذي لا احسبه أقل خطرا على الأدب الحي من سابقه ؛ وهنا لا بد لنا من التمييز بين نوعين متباينين من النقد الأدبي .

فهناك نقد الشعراء والكتاب الذين نادوا بمذاهب معينة في الأدب أو الفن ، وهذا نوع من النقد نسميه إنشائيا ولا نعرض له بتأييد ولا تجريح ، وإنما يكون مجال الحديث عنه إذا واجهنا ما يدعو إليه ، فتقبله أو ترفضه تبعا لما تبقي من الأدب . فلشتوبريان مثلا أن يفضل وحي المسيحية في نظره إلي الطبيعة على وحي أساطير اليونان ،

له أن يقول إن المسيحية قد ردت إلي الطبيعة ما بها من صمت عميق يجثو على النفس فيرفعها إلى الله ، بينها ملأ اليونان حنايا الطبيعة بآلهة وربات استقرت بكل غاية وكل نبع وكل جبل وكل يم ، حتى لم تمد الطبيعة معبدا مقدسا ، بل حظيرة لكائنات غريبة . ولهيجو أن يدعو إلي الرومانتزم ولغيره ان يدعو إلى غير الرومانتزم من المذاهب المعروفة في أوربا والتي ترجو ان تنشأ عندنا يوما ما جماعات تدعو إلي منها وتقتتل في سبيلها عن إيمان .

وهناك نقد الأدباء والفكرين الذي نسميه نقدا وصفيا لأنه تناول التراث الأدنى الذي خلفه لنا الكتاب والشعراء السابقون والمعاصرون ، و كل نقد من هذا النوع نقد تقريري كما رأينا في المقال السابق ، وهنا نصل إلي مشكلة النقد الأساسية .

وذلك لأنه من حقنا أن نتساءل : هل من الممكن أن نستقري مما بين أيدينا من أمهات المؤلفات الأدبية أصولا عامة للأدب على نحو ما استقري النحويون قواعد اللغة من الاستعمال ، أو استقري الفلاسفة المنطق من مقولات اللغة ؟ وهبنا استقربنا أصولا كهذه اتراها متحكمة فيما ينتج الأدباء اليوم أو سينتجون في الغد على نحو ما تتحكم قواعد اللغة أو المنطق في تعبيرنا او تفكيرنا ؟ وهل من الخير للأدب أن نقبل هذا القياس ، بل هل من الممكن أن نقبله ؟

والواقع أن لدينا طائفة من المبادئ قد استقرأها النقاد بالفعل في كل فرع من فروع الأدب ، ومرد الكل إلي أرسطو في كتابيه عن الشعر " و " الخطابة " . ولكن لسوء الحظ قد حدث في الأدب ماحدث في اللغة ، إذ جنح الناس إلي اتخاذ تلك المبادئ - التي كانت في الأصل مجرد ملاحظات - كقواعد أمرة على نحو ما لا نزال اليوم تنتقية في قواعد اللغة فنحاول ان نتخذ منها عنانا يبني عن كل تطور فيه لاشك إثراء للغة ، كما انه في طبائع الأشياء باعتبار اللغة أداة يستخدمها أحياء دائمو التقدم أو على الأقل التغير .

هنا يظهر سخف أصول النقد المدعاة ، ولكن ذلك لا يذهب بكل قيمتها ، فنحن لا نستطيع ان نتجاهل كل ما جري عليه كبار الكتاب ، كما لا نستطيع أن نتجاهل كل قواعد اللغة ، وإلا كنا جهلة يخفى جهلنا وكسلنا خلف حرية باطلة ندعيها ، فتفسد حياتنا بإفساد أداة تفاهمنا وإدخال الاضطراب في أصولها . بل نحن

نذهب إلي أبعد من ذلك ، فتري في تلك الأصول الأدبية عونا على الخلق وادخارا للطاقة ؛ ولا ادل على ذلك من ان الشعر نفسه ، وهو اخص ما تمتاز به الآداب ، هو أكثر فنونها خضوعا للقواعد . ولكم من شاعر يحدثك عما وقع عليه من صور رائعة ، أو عبارات دالة بفضل ضرورة القافية مثلا او استقامة الوزن ؛ ولكم من شاب يبدء قواه هدرا لانه لا يريد ان يكد ليكتسب خبرة بفن الكتابة وهو يحسب أن الأمر أمر عبقرية مزعومة تهتدي كما تشاء

وإذا فهناك قواعد تؤيدها أمهات الآثار الأدبية التي خلفها كبار الأدباء ، ولهؤلاء من القداسة ما يحملنا على احترام ما صدروا عنه من أصول ، ولا معدل لنا إن اردنا أن نصل إلي مثل ما وصلوا إليه من أن نهتدي بهديهم ، ولكن على شريطة أن تميز بين عنصرين في الأدب :

١ - عنصر التجربة البشرية .

٢ - عنصر الصياغة ننظر فيها على ضوء

الأصول الأدبية

وأنا أميز بين التجربة البشرية وصياغتها وبصدري حرج ، وذلك لأننا مضطرون إلى هذا التميز اضطرارا وإن كان الواقع ان بين العنصرين تداخلا قويا يكاد يكون وحدة في كثير من الأحيان ، فإن العنصر الشخصي الذي يميز كل أدب عن غيره من مظاهر نشاطنا الروحي كثير ما يكون في الصياغة ، وهنا يختلط العنصران بحيث إنه لا شك نظر سطحي ما يقرره النقاد من اتجاه الشاعر في الشعر القصصي مثلا ، إذ لو صح ذلك خرج هذا الشعر من الأدب .

ومع هذا يجب أن نفهم التجربة البشرية في ذاتها ، وهذا الفهم ليس بالهين ، إذ الأمر بين الكاتب والقاريء أشبه ما يكون بأمر الأواني المستطرقة ، فنحن لا نفهم عن

الغير إلا إذا اتصلت نفوسهم بنفوسنا ، وفهمنا محدود بقدرتنا على الاستجابة ، بل كثيرا ما يخطئ فهم ما نقرأ لاننا نحمله من نفوسنا فوق ما تستطيع ان توحى به الفاظه ، او تري فيه ما لم يخطر ببال قائله إن لم نحد بمثابة وفق هوانا ، حتى لكأننا نفرا ما برء وسنا لا ما تقع عليه أعيننا ؛ وفي كل هذا ولا ريب إثراء للآثار الأدبية ، ولكنه ايضا موضع خطر قد يبلغ أحيانا مبلغ السفسطة الباطلة ، وهذه مشكلة تستحق أن نقف عندها قليلا

وفي الحق أني لا أعرف أصدق من كملة للأديب الإنجلزي إيلوت ) Ellot يقول فيها : " إنه لم يؤثر في الآداب القديمة شئ قدر ما أثرت الآداب الحديثة " وتلك ظاهرة عمت الشرق والغرب ، ففي فرنسا مثلا رأينا ناقدا كبيرا كبرونتير(Brantire)  يطبق نظرية التطور على الأدب ، فيحاول أن يثبت أن أنواعه المختلفة قد صدر بعضها عن بعض كما صدر في وهم دارون الانسان عن الفرد ؛

فيقول إن مادة الشعر الرومانتيكي هي مادة الخطابة الدينية في القرن السابع عشر ، لما شاهده من حديث الشعراء الرومانتيكيين عن بؤس الحياة وفنائها المستمر وما شاكل ذلك في نقمة حارة تشبه من قريب او بعيد نقمة الخطابة ، والأمر عندنا أخطر

فها هو الأستاذ العقاد يقحم النظريات الفلسفية التي تقوم كمذاهب ذات أسس نظرية عميقة شاملة في ميدان الأدب ، فيكتب فصولا طويلة ليدلل على أن أبا العلاء قال بالإشتراكية أو ببقاء الأصلح وما إلي ذلك مما قد يدل على براعة الناقد ، ولكنه لا يغني شيئا في فهمنا لنفسية ابى العلاء ومأساته التي صدر عنها في كل ما كتب من شعر إحساسي أو فكرة .

ولقد يلقي الأستاذ أمين الخولي محاضرات عامة عن أبي العلاء ، فيأتي الجزء الأول منها مستندا إلي مسلمات

غير ثابتة لا أعرف أخطر منها ، فهو يفترض أن المفكر الحق هو من يسير في حياته وفق تفكيره . وأبو العلاء لم يفعل ذلك ، وإذا فهو ليس مفكرا حقيقيا . وكل هذا قول مردود لما هو معروف عن تاريخ الفلاسفة ،

أمثال بيكون وسينيك مثلا من تناقض واضح بين حياتهم وتفكيرهم ، ولما هو ثابت في بداهة العقول من أننا لا نسير في الحياة بعقولنا ، بل بقوي دفينة أغلبها عضوي المصدر . ولكم من مرة يأتي الشر ونحن نعلم أنه شر ولا نستطيع أن نمسك عنه . وهو يحرر قوائم يتناقض أبي العلاء في كل نواحي المعرفة وسبل المعرفة ثم يخلص من ذلك في النصف الثاني من بحثه إلى ان كل ما كتبه أبو العلاء ، إن هو إلا خواطر شاعر ، وان مصدر تناقضه هو " من مركب نقص " قال به اليهودي

فرويد منذ سنين ، فلم يأت بجديد ، وإنما أسرف فيما كانت تعلم الانسانية من حق منذ قرون ، وعممه واتخذ منه مذهبا ، وأتى الأستاذ الخولي فطبقه على أبي العلاء . فياعجبا ؛ ولم رفع هذا المركب أبا العلاء إلي اعتزال الحياة ، بينما دفع بشارا مثلا إلى المغامرة فيها باستهتار لم نعهده حتى في المبصرين ؟

وللأستاذ طه حسين بك كتابان عن أبي العلاء : أولهما " ذكري أبي العلاء " وهو كتاب طه حسين الشاب الذي كان لا يزال في حماسته الأولى لمناهج البحث العلمي وأقسام الفلسفة ، وهو يعد قريب عهد بالثقافة الأزهرية التي تحرص على محفوظها تستعيره لأداء ما تريد لجمال ما تستشهد به، من منقول نثرا كان أو شعرا ؛ وفي هذا خطر واضح على سير التفكير ، لأنه يدفع عندئذ إلي الانصراف عن مجاراة فكرتنا الأصيلة لتمهد للشاهد .

والكل يعلم ما في كثرة محفوظنا من إضلال للتفكير ؛ فهو منذ المقالة الأولى يريد أن يلم بمصر أبي العلاء

- وفقا لمناهج البحث الحديث - إلمامة الطغراني بالجزع - تلك التي تمناها لتدفع غلته وتشفي علته ، ولتثلج فؤاده وتفيض على نفسه العافية والسلام .

لعل إمامة بالجزع ثانية

                                 يدب منها نسسيم البرء في عللى

وهو يلم به إلمامة مهما تكن قليلة قصيرة المدى فهي

شاملة الخير موفورة النفع عظيمة الغناء .

ألما يمي قبل أن تطرح النووي

                                بنا مطرحا أو قبل بين يزيلها

فان لا يكن إلا تعلل ساعة

                                قليلا فاني نافع لي قليلها

وهذا كلام جميل وشعر جميل يدل على ما نعرف لأستاذنا من ذوق أدبى مرهف ، ولكنه ليس من مقتضيات مناهج البحث الحديثة ، وهو بلا ريب يمثل دور النضج الذي كان طه حسين الشاب لا يزال في أول عهده . وفيه ما يذكرنا نحن الشبان جميعا بماضينا

القريب . وما نترك الجزء الأول من الكتاب الذي يلم فيه المؤلف بمصر ابى العلاء وتاريخ حياة ابي العلاء لتصل إلي فلسفة أبي العلاء وشعر أبي العلاء ، حتى تجد طائفة من التقاسيم المدرسية التي تقف عند الشكل دون أن تمس الصميم ، فهو يدرس شعره في ابواب من مدح وفخر ووصف ورثاء ونسب ودرعيات ولزوميات ، ثم ينتقل إلي نثره بما فيه من نقد وسخرية وخيال ومهارة لغوية ، فيتحدث عنه حديثا موجزا غير واف ، حتى إذا انتهى إلي فلسفته اصطنع لدراستها تقسيم المسلمين للفلسفة إلى أربعة أقسام : الأول الفلسفة الطبيعية أو العلم الأدنى ،

والثاني الفلسفة الرياضية أو العلم الأوسط ، والثالث الفلسفة الالهية أو العلم الأعلى ، والرابع الفلسفة العملية . ثم يتحدث من كل تلك الأقسام عند أبي العلاء فيورد

شعره في المادة والزمان والمكان ، وتناهي الأبعاد ، ثم الله والجبر والروح والتناسخ والجن والملائكة والنبوات والبعث وأصل الانسان والغرائز والدنيا والعدم والزواج والمرأة والسياسة والاقتصاد والحيوان والعزلة وما نظن دراسة كهذه تستطيع أن تنتهي إلي فهم أبي العلاء ، ذلك الفهم الرائع الذي انتهي إليه نفس المؤلف في كتابه الآخر الذي ألفه أخيرا ، وقد تمت خيرته واتسعت آفاقه ،

كتاب " مع أبي العلاء في سجنه " . ولكم يخيل إلي أن كتاب ذكري أبي العلاء أشبه ما يكون بقطعة من الأثاث تامة التركيب معدة الأدراج أني المؤلف فملأها ،

أو برواية من امثال روايات الأستاذ توفيق الحكيم التي أراها دائما قد وضعت لتنفيذ فكرة سابقة لا تتحرك الشخصيات إلا لإظهارها أو التدليل عليها ، بحيث نري كل تلك الشخصيات غير المتميزة تمييزا كافيا في خدمة الفكرة التى هي عند المؤلف بمثابة بروجرام سابق . ومن الثابت أنه لا الروايات الجيدة ، ولا كتب النقد القيمة يمكن أن توضع وفقا لخطة مرسومة من قبل بعيدا عن الحقائق الراهنة ، خصوصا عند أبي العلاء الذي سوف تري أنه لم يكد يثبت على أي رأي ، وإن ثبت فعلي إحساسه بالألم ، ولكنه طغيان المعرفة الأولى بالفلسفة هو الذي وجه المؤلف تلك الوجهة المدرسية الشكلية

ونحن بعد ذلك لا نجد في هذا الكتاب عن رسالة الغفران العظيمة الخطر في أدبنا العربي شيئا يذكر ، لا من وحدة تأليفها ، ولا عن فكرتها وروحها ، ولا عن طرق الأداء فيها ، بحيث لا نتردد في أن نفضل على هذا الكتاب كتاب المؤلف الثاني " مع أبي العلاء في سجنه " . فهذا الكتاب هو فيما أعتقد خير ما كتب عن أبي العلاء ، وذلك لأنه لا يقف عند التفاصيل والأقسام المدرسية التي تفسد وحدة أبي العلاء ، بل يتناوله كتجربة بشرية يقصها بأسلوب ساحر ووسائل

روائية تقربنا بالقراءة ، ولكننا هنا نقع على خطر آخر وذلك لأن المؤلف لم يكد يخلص من طنيان النظرة التعليمة التى ظهرت في أوائل حياته ، حتى ضرب في آفاق الثقافة الأوربية يحاول في إيمان أن يدخلها في مجري تفكيرنا ،

وهذا اتجاه نافع نحن في أشد الحاجة إليه ، ولكن علي أن نستخدمه في حذر ، وإلا تسرف في الركون إليه وأوضح ما يظهر هذا الاسراف في مقارنات الدكتور طه بك ، وهنا لا بد من الوقوف عند هذه الناحية من اتجاه الأستاذ لما له من عظيم التأثير في توجيه ادبنا الحديث ، ولما لهذا النهج من خطورة .

وأول ما نلاحظ هو عدم التفرقة بين البحث عن المؤثرات وإقامة المقارنات ، فهو عندما يعرض المقارنة بين الشاعر اللاتينبي لوكريس وأبي العلاء ينكر طبعا أن يكون أبو العلاء قد عرف لوكريس أو سمع به ، ولكنه يعود فيقرر أن لوكريس لم يكن إلا تلميدا لأبيقور ، ويقرر أن العرب قد عرفوا فلسفة أبيقور ، وإذا فمن المعقول أن يكون هناك تشابه بين لوكريس وابي العلاء ،

وهو يلتمس هذا الشبه في مسائل جزئية وأفكار في أدب أبي العلاء ما يؤيدها وفيه ما يناقضها ، لما هو معروف من أن أبا العلاء لم يثبت قط على رأي ، وكل هذا الحديث لا يتمشى مع الحقائق ولا مع منهج البحث العلمى لم نعرف كيف تأثر أبو العلاء بالفلسفة الأبيقورية ، ونحن نعجب من مقارنة لوكريس بأبي العلاء ، لما هو معروف من أن للوكرييس فلسفة ثابتة مستقرة متماسكة الأجزاء ، فلسفة تقريرية في كل مشكلة عرض لها ، بينما أبو العلاء رجل

ابتلاه الله بمحنة بلبلت أفكاره فلم يؤمن بغير " العمي والبؤس ، وفيما عدا ذلك فكل شعره ونثره من وحي الساعة ووفقا لحالته النفسية التي لم يترك لها الألم اطرادا . فالمقارنة بينهما لا يمكن أن تنعقد ، بل إن ما أورده المؤلف من اتفاق على بعض الجزئيات يخيل إلي انه غير ثابت .

ولنضرب لذلك مثلا بالعلة الغائية ) ص ٢٣٢ وما بعدها ( ، فإن الأستاذ يقول عن لوكريس إنه ينكر العلة الغائية ، إذ أن الأعضاء كما يقول لوكريس قد أوجدت غاياتها ولم توجد هي لتحقيق هذه الغايات ، ومع ذلك تجد في الكتاب السادس من " طبائع الأشياء " للوكرييس في الآبيات ) ١٠٢٣ وما بعده ( ما ترجمته : " عند كل كائن إحساس بما يستطيع ان يستخدم فيه ملكاته ، فالعجل الصغير حتي قبل ان تبرز قرونه بجهته إذا استثير يحاول استخدامها فيهدد خصمه ويطارده وقد حني رأسه ، وكذلك صغار

الفهود والأسد تدافع عن نفسها بمخالبها وأنيابها قبل أن تنمو لها مخالب وأنياب . وأما الطيور بكافة أنواعها فتراها تركن إلي ريش أجنحتها طالبة إليها عونا لم تقو عليه بعد " ونحن لا نناقش نظرية أبيقور على العموم ، ولكن أليس من الواضح أن عبارات لوكريس هذه تدل بوضوح على وجود العلة الغائية ، وعلى ان تلك العلة هو سبب خلق الأعضاء لا العكس ؟ والاستاذ يستدل على إنكار أبي العلاء للعلة الغائية بقوله في الفصول والغابات : " يقدر ربنا أن يجعل الانسان ينظر بقدمه ويسمع الأصوات بيده وتكون بنائه مجاري دمعه ، ويجد الطعم بأذنه ويشم الروائح بمنكبه ويمشي إلي الغرض على هامته " . ولست أري هنا دخلا

للعلة الغائية التي تربط بين العضو ووظيفته ، وإنما هنا حديث عن قدرة الله الذي كان يستطيع لو اراد سبحانه أن يجعل من أبي العلاء مبصرا ، وفي القرآن ما يمكن أن يوحي بمثله يوم تشهد عليهم السنتهم . . الخ فما العلاقة هنا بين أبي العلاء وفلسفة أبيقور أو لوكريس ؟ وهل هناك نفع من وراء هذه المقارنة أو داع إليها أو حقيقة لها ؟ والأستاذ يبني على ذلك نتائج كثيرة تدل على مهارة في التفكير والعرض ؛ ولكني أخشى ألا تلاقي حقيقة أبي العلاء النفسية ، كما لا تلاقي حقيقة فلسفة لوكريس أو روحه .

وهناك بعد اتجاه عند نقادنا طالما حير لي ؛ فهم دائما

يحاولون البحث عن اوجه شبه في مقارناتهم ؛ وهذا اتجاه خاطئ ، فالنفوس كما قلت لا يمكن ان تتشابه ، بل إن نفس الفكرة يعبر عنها أدبيان فتكتسب من لون نفوسهما ومن الروابط بعوالم الحس والنفس الأخرى ما يجعلها اصيلة عند كل ادب منهما ، على نحو ما تتكون احاديثنا المختلفة من نفس الفاظ اللغة الشائعة بيننا ، بل على نحو ما تتكون تلك الالفاظ ذاتها من الحروف الهجائية المحصورة العدد ، ومع ذلك تنوع أفكارنا إلى غير حد كما تنوع ألفاظ اللغة رغم انحصار وحدائها المكونة .

وهناك عدة ابحاث حول ابي العلاء صادرة عن نفس هذا الاتجاه : منها مقارنة حامد الصواف في كتابه عن عمر الخيام بين عمر وأبي العلاء ، ومقارنة قسطاكى حمص في كتاب " منهل الوراد في علم الانتقاد " بين دانت وابي العلاء ،

ومقارنة الأستاذ على أدهم في مجلة " الهلال " بين أبي العلاء وشوبيهور ، وكل تلك الابحاث على اختلافها في الاصابة بعيدة فيما أحسب عن الحقيقة النفسية الثابتة عن تمايز النفوس تمايزا لا يمكن أن ينال منه - وبخاصة في النفوس الآصيلة - أي وحدة في الجنس أو الزمان أو السكان أو الثقافة ، أو غير ذلك مما زعمه تين وغير تين من النقاد الشكليين الذين فهموا كل شئ غير أصالة النفوس واختلاف طرق انفعالها عما يحيطها من ناس وأشياء ، بل مما يدور في حناياها من حس او شعور أو فكر .

والآن وقد انتقدنا الكل ، وفيهم كبار رجالنا الذين تتلمذنا لهم ، فلنحاول بدورنا ان نتحدث عن أبي العلاء حديثنا الخاص . وليكن هذا موضوع المقال الآتي .

اشترك في نشرتنا البريدية