الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 336الرجوع إلى "الرسالة"

خطة إعداد النشء

Share

كنا ضيفاً على بحر الروم، وكانت   (للنيل)  موضع رعاية  الأمواج البيض القِصار وهُنَّ صواحب بطشٍ في غالب الأمر  وأكثر الحال

جلس قوم بعضهم إلى بعض يتحدثون عند صدر الباخرة    (أو مَرنَحتِها، كما كانت العرب تقول) ، على عادة الذين يجتمعون  في رحلة: معرفة مستطرفة أو لقاء على غير وعد. وانطلق الحديث  في شؤون مصر؛ وركزه من ركَزَه في وجوه الإصلاح، حتى  انساق إلى قصة التعليم وتنشئة أبناء الأمة. وإذا رجل، خافض  صوته، قاصد في الإشارة، يندفع في حديث انعطفت إليه أذني. قال:

(ما أظن أحدكم يشك في أنّ وجهة التعليم الغالبة عندنا  إنما هي إخراج كتبة وموظفين. وأما علة ذلك فكذا وكذا من  الأمور المتصلة بالسياسة المفروضة أول الأمر، يوم كنا لا نملك  لأنفسنا من النفع شيئاً. ثم ذهبت العلة الأولى، ولكن الآثار  بقيت من طريق تسلط العادة وتجمد المنهج. ومن هنا اختل

التوازن: تكسرت القيود الاجتماعية، فانفسحت مسالك الحياة  وانبسطت مرافق العيش - والمدارس لا تنفك تخرج طوائف  متماثلة من بغاة الرزق الهيِّن، لفتور في عزماتهم، وقصور في  مداركهم. ذلك الرزق الذي تناله وأنت جالس إلى منضدة عليها  ركام من الملفات والأضابير، فلا طموح ولا اعتماد على النفس  ولا رغبة في التميز عن النظراء باقتحام باب من أبواب الاحتراف  الصعب، وشق أفق من آفاق الارتزاق. . .

(بقيت هذه الآثار، على سعي أولى الأمر في محوها. وسبب  ذلك أن الإصلاح، في مثل هذه الحالة لا يكون من باب التصور  والتخيل. وشتان ما الإزماع والإنجاز. فعلى المشرف على التعليم  أن ينظر في وجوه الحياة ويتتبع موارد الكسب. والحياة تقوم،  أول ما تقوم، على المادة؛ وموارد الكسب إنما هي السوق على  تفاريقها وتفاريعها. وهكذا تصح الوجهة إذ تعلم المقصد.

(وإذا قلت السوق عنيت التجارة والصناعة والزراعة،  وما ينطوي تحتها جميعاً أو يأخذ مأخذها. والمدارس المصرية التي  تعلِّم هذه الفنون الثلاثة قليلة، ونسبتها إلى المدارس التي تخرج  الكتبة والموظفين حقيرة. ومن هنا ترى أن التوظف في مصر  سيعاني ما يقال له: (التضخم) من وجهٍ، ويعجز عن ضم  جميع طلابه من وجهٍ آخر. وينشأ عن هذا أمران: الأول  بقاء سلطان الموظف البليد الحركة، والثاني البطالة. وينضاف  إلى كل ذلك أن مرافق الحياة الاقتصادية مصيرها الانحلال  أو تخرجَ من قبضة المصري إلى الأجنبي، بل قُلْ: أو تبقى  في قبضة غير المصري.

(ثم إنه يحسن بنا أن نفسح من مجال السوق نفسها، فنشق  سبلاً جديدة ثم نُعدّ لها الناس في المدارس؛ ولا يكون هذا  إلا بمعاونة وزارة المالية ووزارة التجارة والصناعة. وعلى هذا  النحو نمطّ دائرة الحياة الاقتصادية ونوزّع همم النشء، فلا تنحصر

وجوه النشاط في مصارف معلومة مربوطة، ولا تنقلب المنافسة  إلى مناوأة. وفي ذلك كله أسباب غنى للبلد فضلاً عن استغناء.)

قال الرجل مقاله السديد، ثم نهض ونهضنا إلى الغداء فملت  إلى صديق لي فسألته: من الرجل؟ فقال: الدكتور السنهوري.  واتفق لي أن جلست إليه بعد ذلك، فإذا هو على أوفر علم  وألطف أدب.

وجمعني بالسنهوري بك مجلس جِد، لأسبوعين مضيا. وجرى  الحديث على خطّة وزارة المعارف في التعليم. فنطق الدكتور  السنهوري - وهو الآن وكيل الوزارة - بما كان نطق به  و   (النيل)  تحملنا إلى شواطئ أوربة. فأيقنت أن هذه الخطة  مما ظفر بالرؤية والتثبت؛ فما هي بالمرتَجلة ارتجالا ولا المبتدعة  بحكم العمل.

وقد بدا لي أن أسأل وكيل الوزارة في شأن الثقافة،  وما تكون حالها إذا هو صرف همه إلى وجوه الحياة الاقتصادية.  فقال: إني أدرك ما وراء سؤالك من القلق لأحب الأشياء إليك  وأعلاها عندك. فلا عليك، لا عليك! إن الثقافة لا تزال موضع  عناية. على أننا لابد لنا من السهر على مستقبل العيش من بسط  مرافق الحياة المادية وإعداد النشء لها. هنا سهر وهنالك عناية؛  والتفاوت بينهما في الدرجة، لا في المرتبة، على قول الفلاسفة

قلت: لأهل الثقافة إذن أن يرقبوا الإصلاح هنالك. فهل  تنظر الوزارة في إخفاق المعهد الملكي للموسيقى العربية، وتراجع  طريقة إنشاء مجمع فؤاد الأول للغة العربية، وتسال كلية الآداب  عن صحة ما يقال فيها، وتردّ بعض كبار موظفيها عن الاستبداد  بتقرير الكتب، وتجعل لتصرّف بعضِ موظفيها من الأجانب  حداً واجباً (فلا تعود قصة (نفائس دار الآثار العربية):      (الرسالة)   رقم ٣٠٤ و ٣٠٦، ولا قصة المدرس الفرنسي:  مازويل الذي نال - فيما قيل لي - شهادة الدكتوراه في الآداب  من جامعة باريس على حساب الحكومة المصرية)

ذلك قليل من كثير. وأجلّ من ذلك شاناً أن تصلَح  طرائق التلقين فيخرج النشء للقراءة والتطلع والتفكير والمرح،  لا للكسل والبلادة والتقبض. واظنني فصّلت ذلك في بحث  نشرته   (مجلة الدراسات الإسلامية)  في باريس   (١٩٣٦) ؛  ولا حاجة بمثل عبد الرزاق السنهوري بك إليه.

اشترك في نشرتنا البريدية