-1-
العلامة الأستاذ خليل مردم بك ( عضو المجمع العلمي العربي ) كاتب وشاعر وباحث ، وبراعته فى نثره ونظمه ويحثه بينة مستملنة وأقواله المحكمة المنشورة والمنظومة في مجلتيه ( الرابطة الأدبية والثقافة ) وفى ( مجلة المجمع العلمى العربي ) وغيرها . ومصنفاته : شعراء الشام في القرن الثالث ، والجاحظ ، وابن المقفع، وابن العميد والصاحب بن عباد ، والفرزدق، وغيرها ، فيها الدليل على فضل ( الخليل) وهو نجل في الأديين : أدب النفس ، وأدب الدرس . ومستول على الملكتين في الفنين المنظوم والمنشور اللذين « لا تتفق الإجادة فيهما معاً إلا للأقل » كما قال ابن خلدون
وقد كان هذا السرى الموذي الفاطمي قدم الأسكندرية سنة ١٣٤٤) فمر قناه ، وشاهدنا من فضله وعلمه و نبله ما شاهدناه . وفى بحر تنا (۱) هذه نظم قصيدته ( صلاة الشاعر ) وقصيدته (البحر) وقد أملاها على متفضلاً . ويده الصلاة :
هب للذكر وصف القدما تم ولی وجهه شطر السما
بات في حيرته مستسلما وله دمع على النحر ينيض2
لا بغيض
وفى ( البحرية ) فى البحر يقول :
السما منه استمدت فيها فهو أن يفخر بالجود تحمين
أرى أمواجه أنفاسه رددت بين شهيق وأنين
لم تكن إلا كشعب تاثر شبها حرباً على ( المستعمرين )
جحفل تركب منها جحفلاً يتمادى كجنود راحقين
ولیت شعرى ، ليت شعرى ماذا يقول اليوم لو زار الإسكندرية وقد ظهرت شرائس الدأماء (۳)، وعم البلاء ، وكاد ( أبو العيون.. ) يبخع نفسه مما يرى ويسمح ، أو ينقلب مثل المجنون
إنه « أعنى الخليل » ليقول عجباً ، وينشي صاحب القصيدة
المرقصة ( الرقص ( للأدباء المتفتين الشياطين الملاعين - طرباً (١)
اللهم ، إن في السيف في الصيف في هذه البحرة لفتنة ! فاحفظ ـ يا رب العالمين - عبيدك وإماءك الصالحين والصالحات ، وأظهر اللهم عبديك المجاهدين : شيخ المدينة ( حامداً (۲) ) والشيخ محموداً أبو العيون (۳) على القاتنين والفاتنات ؛ إنك القوى القادر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله
أقام الأستاذ المردى ، هذا الأدب والفضل المسم في الإسكندرية برهة ، وزمن لقائه الذي عد من ثم عاد إلى داره ، دار الإسلام دمشق
سقى دمشق الشام غيث ممرع (4)
من مستهل ديمة دفاقها
مدينة ليس يضاهى حسنها في سائر الدنيا ولا آفاقها
فأرضها مثل السماء بهجة وزهرها كالزهر فى إشراقها (5)
نسیم ربا روضها متى سرى قك أخا الهموم من وثاقها
لا تسأم العيون والأنوف من رؤتها وما ولا انتشافها
وإن كان ( أبو عدنان ) لم يبرح يقول :
یا ساکني مصر ، فيكم ساكن الشام
يكابد الشوق من عام إلى عام ! !
فاتقوم لم يزالوا يرددون في كل وقت بنتي مهيار دمشق ، إن في دمشق شموس فضل وأدب ، أضواؤها مشمة وباهرة ، يراها الناظرون من المشرق الأنأى والمغرب الأقصى
هذه مقدمة أمام القول في كتاب الأستاذ المردى الذى أتحف الناس به في هذه الأيام ، وهو في الشاعر الإسلامي العظيم ( الفرزدق ) همام بن غالب
جاء في كتاب ( الفرزدق ) : ( قال الجاحظ : كان الفرزدق
راوية الناس وشاعرهم وصاحب أخبارهم . وقال ابن قتيبة : كان الفرزدق معنا مقنا (1)
وقد بين الأستاذ أفانين أبي فراس في القول في ( كتابه ) ومن فنونه في شؤونه ما أورده في سيرته : لا ذكر لنا الرواة أن غالبا أبا الفرزدق دخل على على بالبصرة ، ومعه ابنه الفرزدق بعد عام الجمل ، فقال : إن ابني هذا من شعراء مضر ، فاسمع منه فقال على: علمه القرآن فهو خير له ، فكان ذلك في نفس الفرزدق حتى قيد نفسه في وقت ، وآلى ألا يحل قيده حتى يحفظ القرآن )
وهذه سنة صالحة سنها (همام) وقد استن بها الأديب الشاعر الوشاح أبو بكر محمد بن أحمد الأنصارى المعروف بالأبيض (۲) جاء في ( نفح الطيب ) : ( سئل الأبيض عن لغة فعجز عنها بمحضر من خجل منه فأقسم أن يقيد رجليه بقيد حديد ، ولا ينزعه حتى يحفظ الغريب المصنف (۳) ) ؛ فاتفق أن دخلت عليه أمه في تلك الحال فارتاعت فقال :
ربت عجوزى أن رأتني لا يا حلق الحديد ومثل ذاك يروع
قالت : جننت ؟ فقلت : بل هى همة
هي عنصر العلياء والينبوع !
سن الفرزدق سنة فتبعتها إنى لما سن تبيع
وإن أدباء هذا العصر جلهم أو كلهم المحقوقون أن يتبعوا السنة الفرزدنية فيقيدوا أنفسهم طوعاً أو يقيدوا قسراً حتى يحفظوا ما يجب حفظه
وكان الفرزدق على جفائه ذا دعاية ونكتة وجواب حاضر كما يقول الأستاذ - روى له فى الكتاب هذه النكتة : لا حر الفرزدق يوماً بمجلس بني حرام فقال له منبسة مولى عثمان بن عفان: يا أبا فراس ، متى تذهب إلى الآخرة ؟
قال : وما حاجتك إلى ذاك يا أخى ؟ قال : أكتب معك إلى أبى ...
قال : أنا أذهب إلى حيث أبوك في النار ؟ أكتب إليه مع ريالويه واصطفانوس »
أما هوى الفرزدق السياسي فشعره يدل على أنه مع بني أمية ولكن الواقع أنه مع القول الغالب من قريش » ثم يقول الأستاذ بعد أن أوضح ذلك : ( ولعل أدنى الآراء إلى الصواب أن تقول : إن الفرزدق يقول بالعصبية العربية وبالمضرية على القحطانية ) وقد رد الأستاذ المردى قولاً أشار إليه بعض من كتب سيرة الفرزدق ، معتمداً - إن كان من أهل العصر - على (المرتضى على بن الطاهر ) فى أماليه . وقد أملى الرجل كما أحب وهوى .
وبحث الاستاذ عن أبيات الحزين الكناني التي اختلطت بأبيات نسبت إلى الفرزدق يمدح بها ( الإمام عليا الأصفر (۱) ) أحد الأئمة عند إخواننا الإمامية في خبر ظني أنه مصوغ (٢) وجبن الفرزدق (۳) المعلوم لا يحقه . وهل شرد الكميت طويلاً إلا مثل هذا ؟
وأبيات الحزين هى فى عبد الله بن عبد الملك - كما قال الأستاذ وروى عن الأغاني - وقد أخطأ صاحب ( العقد ) في قوله إنها قيلت في بعض خلفاء بني أمية . ويؤيد قول الأستاذ وأبي الفرج فيمن قيلت فيه ما جاء فى ( معجم الشعراء ) للامام المرزباني : كان الحزين شاعراً حسناً متمكناً ، وهو القائل في عبد الله ابن عبد الملك ووفد إليه إلى مصر وهو وإليها يمدحه في أبيات» أورد منها المزربانى أربعة وأبو تمام ستة منسوبة إلى الحزين الليثي ، وهو الكناني هذا ، واسمه عمرو بن عبد وهيب . وقد أخطأ ناسخ الحماسة فى كتابته أنها قيلت في غير من قيلت فيه كما أخطأ التبريزى في شرحه في قوله : « ويقال إنها للفرزدق » . وهذا ما اختاره منها أبو تمام :
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم )1
إذا رأته قريش قال قائلها إلى مكارم هذا ينتهى السكر
يكاد يمسكه عرفات راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم2
أى القبائل ليست في رقابهم الأولية هذا أوله - نعم
بکنه خیزوان ، ريحها عبيق من كف أروع في عرينه علم
يفيضى حياء ويغضى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم3
يقول كتاب الأستاذ في الفرزدق : « كان الفرزدق فاسقاً سماجنا خليعاً يشرب الخمر إن وجد إليها سبيلاً ، نزل على الأخطل ذات يوم فقال له : أنتم معشر الحنيفية لا ترون أن تشربوا من شر أبنا ... فقال الفرزدق :
خفض عليك قليلاً وهات لى من شرابك
ويقول الأستاذ : « لكنه مع ذلك كان حسن الإيمان بالله يقيم الصلوات ، ويعجبه من قومه أن يتدارسو القرآن ويكثروا من تلاوته ، يقر بذنوبه ويستغفر الله لها ، ويخشى عذاب الآخرة
ويهجر إبليس الذى يزين له المعاصي ويطفيه . قال المبرد في الكامل : التقى الحسن البصري والفرزدق في جنازة فقال الفرزدق للحسن : أتدرى ما يقول الناس يا أبا سعيد سعيد ؟ قال : وما يقولون ؟ قال : يقولون اجتمع في هذه المازة خير الناس وشر الناس . فقال الحسن : كلا! نست بخير هم ولست بشرهم ، ولكن ما أعددت لهذا اليوم ؟ قال : شهادة أن لا إله إلا الله وخمس بجائب لا يدركن - يعنى الصلوات الخمس - وقال : كان الفرزدق يخرج من منزله ، فيرى بني تميم والمصاحف في حجورهم ؛ فيسر بذلك ويجذل به . ويقول : إيه فدى لكم أبي وأمى : كذا والله كان آباؤكم . وقال : والفرزدق يقول فى آخر عمره حين تعلق بأستار الكعبة وعاهد الله ألا يكذب ولا يشتم مسلماً
ألم ترنى عاهدت ربي وإنني كبين رتاج قائما ومقام
حلفة لا أشتم الدهر مسلماً ولا خارجاً من فى زور كلام1
(الأسكندرية )

