كنا نتذاكر حديث الحسن الموهوب والمجلوب. فقلت لصاحبى: رحم الله ذلك الشاعر العربى القديم، الذى كان ينادى بأنه ليس ممن يخدعه مظهر الجمال، ولا يستهويه طلاء مصطنع، أو رواء متكلف، ولا يفتنه حسن مجلوب بتطرية. أو جمال مشترى من دكان العطار. وكأنى أراه إذ يجلس على دكة أمام داره يتأمل الوجوه الحسان إذ تروح وتغدو، فاذا رأى وجها عليه من التجمل أكثر مما به من الجمال، أقبل على جلسائه ضاحا، وأنشدهم من شعره أبياتا ساخرة، يختمها بالسؤال المشهور:
"وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟" وكان يلقى السؤال فلا يسمع من جلسائه سوى الاستنكار. . ذلك أن الناس فى ذلك الزمان قد حكموا على العطار المسكين حكما قاطعا، بأنه عاجز كل العجز أن يصلح ما أفسده الزمان. . . . وأكبر ظنى أن العطار نفسه - وان أنكر هذا الحكم جهارا - قد آمن به سرا.
فقال صاحبى: غير أن هذا الحكم الصارم ما هو الا كسائر الأحكام، عرضة لأن يتغير ويتبدل، حين يتغير الزمان والمكان، ولم يبق لدي اليوم شك فى أننا بتنا فى زمن قد علت فيه دولة العطار، وتألق نجم عزه، وأصبح قادرا على أن يثبت أن فى وسعه إصلاح ما أفسده الزمان.
فأنصت إلى كى أحدثك عن (دار الاصلاح) . فان حديثها طريف معجب. . قصدت فى الصيف الماضى الى بلاد الانكليز، وقضيت شطرا من الزمن فى عاصمتهم، وأنت تعلم أن من عادتى أن أقضى الصيف فى مدينة النور، غير أنى اضطررت هذا العام
أن أستبدل بها مدينة الظلام. ولا أحسبنى آسفا على زمنى الذى قضيته هناك.
أما الدار التى أدعوها (دار الاصلاح) فقد كان من أمرها انى ذهبت ليلة ألتمس ملهى أقضى فيه المساء. فجعلت أطوف بشوارع لندن ذات الطول والعرض، متنقلا بين اكسفورد ستريت الى شافتسبرى أفنيو، الى بيكاديلى، الى لستر سكوير. . متأملا المسارح ظاهرا، ومستفسرا عما اشتملت عليه باطنا، حتى وقعت عينى على مسرح (الحمراء) ، فأعجبنى منه ذلك الظهر الشرقى المتقن، كما أعجبنى ما بداخله من نقوش عربيه بديعه، فيها ما يكفى لتبرير ذلك الاسم الأندلسى. وكانت به عندئذ جماعه من الراقصين الروس وهم حديث الأندية فى لندن فى ذلك الوقت. فلم يطل ترددى وبادرت بشراء تذكره
ونعمت ليلتى تلك بمشاهدة رقص عجيب، والانصات الى نغمات موسيقية شائقة. فلقد نبغت تلك الجماعة فى محاكاة الموسيقى الدقيقة العويصة بحركات جسديه ناطقة. وفي ترجمة النغمات المطربة المشجية الى وثبات وخطوات واهتزازات، تكاد تفوقها شجوا وطربا وإبداعا. ولست أنسى حتى الساعة كيف مثلوا لأعيننا (الحظ) بحركات الراقصين والراقصات على عزف الآلات، فكنت كأنما أرى بعينى - مجسما أمامى - كيف يقبل الحظ، فاذا السعادة قد ملأت الكون، واذا الوجوه تطفح بالبشر، واذا السرور باسط جناحيه، ثم نراه بعد ذلك مدبرا، فاذا السرور قد استحال حزنا،
واذا العالم قد امتلأ هموما وشجنا. . . ولا حاجة بى الى الافاضة فى ذكر ذلك الرقص، الذى لم يكن له صله بدار الاصلاح، لولا أننى فى فترات الاستراحة كنت أنظر فى كراسة اشتريتها قد اشتملت على برنامج الحفلة، وعلى كثير من الاعلانات. وكانت الفترات طويلة فأعدت قراءة هذه الكراسة مرارا. ولم يفتنى مما بها شىء. وقد لفت نظرى اعلان بها عن (دار الاصلاح) : فرأيته يزعم أنها دار معجزات، تدخلها العجوز الشوهاء، فتخرج منها غانية حسناء. .
وكأن ليس بالعالم دمامة مهما قبحت، ولا سحنة مهما انقلبت، إلا وفى وسع أصحاب هذه الدار أن يحيلوها الى حسن باهر وجمال بارع، ويزعمون أن ليس الاصلاح لديهم من سبيل الترقيع الذى يزيد القبيح قبحا، والدميم دمامة. بل هو اصلاح شامل كامل، يلف المرء من قمة رأسه الى أخمص قدمه. . . قرأت هذا كله فابتسمت ابتسامه الساخر. وعند مغادرتى المسرح هممت بأن القى بهذه الكراسة بعيدا، ولكنى لم أفعل، بل طويتها باعتناء ووضعتها فى جيبى. وكأنما كنت حريصا ألا يضيع منى عنوان تلك الدار. . فمن يدرى لعلى يوما أن تثور نفسى على هذه الصورة التى صحبتنى كل هذه السنين فأريد ان أستبدل بها صوره أحسن منها. .
ومضت على تلك الليلة أيام قلائل. وإنى لجالس فى صباح يوم أطالع (التيمس) فى شىء من الكسل، اذا بصاحبة الدار تعلن إلى أن صديقا يريد أن يرانى. وكانت دهشتى غير قليلة حين رأيتنى أصافح صديقى عيسى الذى تركته فى القاهرة، وكنت أحسب أن بينى وبينه أقطارا وبحارا. . . "عجبا ما الذى أتى بك؟ "
فحدثنى أنه قضى أياما فى البحث عني، حتى اهتدى بعد لأى الى مكانى. . . ولقد غادر مصر فجأة حين نصحه أصدقاؤه أن يلتمس علاجا فى هذه البلاد لتلك الحال القاسية التى لم يعد يطيقها. . ذلك أن المسكين قد زاد وزنه، واكتسى اللحم والشحم طبقات بعضها فوق بعض.
فقلت له حييت أيها الصديق، وأيا كانت الدوافع التى جاءت بك الى هذه الديار، فانها من غير شك دوافع قوية حتى تستطيع ان تحرك هذا الجسد العظيم - فمرحبا بك على كل حال. . . ولست أدرى يا عيسى هل يتاح لك أن تظفر ببغيتك فى هذه البلاد. إننا قد سمعنا من قبل عن معجزات الأنبياء رضوان الله عليهم الذين استطاعوا أن يبرئوا الاكمه والابرص، وأن يحيوا الموتى باذن الله
ولكن لم نسمع بعد بالأنبياء الذين يستطيعون أن يجعلوا منك شابا رشيق القوام. قال أحسبك قد نسيت أننا فى زمن العلم والاختراع، وفى عصر الكهرباء والبخار. ولو انك تذكر هذا لما استكثرت على العلم الحديث هذه العملية اليسيرة التى تدعوها معجزة.
قلت حقا إن فى عصرنا لمعجزات كبرى. فلقد استطاع البخار أن يحملك من غير عناء كبير، حتى أبلغك هذه الديار. ولكن قل لى بأبيك، أليس من نكد الدنيا على الحر ان مثلك لا يدفع
ثمنا لنقله من مصر الى لندن اكثر مما يدفعه مخلوق ضئيل هزيل مثلى، ولو كان فى العالم إنصاف لاقتضوك الثمن أضعاف مضاعفة. فان عشرة من أمثالك على ظهر باخرة، لخليقون أن يحولوها عن مجراها فتشرق بدلا من أن تغرب، وتميل الى أفريقية بدلا من أن تتجه نحو لندن
فقال انك ما زلت فى ضلالك القديم، ولم تلطف حلاوة هذه البلاد عن طبعك الحامض. . فاعلم اذن أن الأمر عكس الذى توهمت. فان أصحاب البواخر يغتبطون لوجود الركاب ذوى الوزن الثقيل، لأن هذا مما يجعل السفينة تمشى فى رزانة واتزان. ولو لم يتح لهم أمثالى، لاضطروا أن يستعيضوا عنا بعدد عظيم من أكداس الرمل يجعلونها فى قاع السفينة. . . والآن هلم بنا ننطلق الى إحدى تلك الدور التى يدعونها معاهد الجمال. فقد سمعت أن فى هذه المدينة منها عددا ليس بالقليل. وأفهمت انهم يستطيعون أن يحيلوا المرء إلى أية صورة شاء.
عند ذلك ذكرت الليلة التى قضيتها فى (الحمراء) . وتناولت تلك الكراسة. وقلت لصاحبي - وأنا أحاوره - لست أدرى أيليق بنا أن نسمى تلك الدور معاهد الجمال. أو ليس الأقرب الى الصواب أن ندعوها معاهد الدمامة؛ إذ لا يؤمها من الناس الا من كان مثلك يحاول اصلاح ما أفسده الدهر. . وأنى لهذا السبب قد سميتها دور الاصلاح، وقد ألقت المصادفات فى يدى إعلانا عن واحدة من تلك الدور. ولست أضن عليك بأن أصحبك اليها. . .
وقفت بنا السيارة أمام دار فى حى (سوهو) لا ينم ظاهرها المتواضع عن باطنها الفخم. وكان استخراج عيسى من بطن السيارة ليس بالأمر اليسير. ولقد نفحت السائق نفحه حاتمية جعلته يغص الطرف عما عانته سيارته من جهد ومن عناء. وقد علمتنى التجارب أن الدراهم خير لجام للأفواه فى لندن كما فى سائر البلدان.
ودخلت الى دهليز الدار أجر معي هذا الكتيب العظيم من اللحم والشحم. فأسلمنا الدهليز الى فناء فى جوانبه أرائك وكراسى، وقد طلب الينا أن نجلس قليلا ريثما يؤذن لنا. فاخترت لعيسى من الكراسى أصلبها عودا وأشدها مراسا. وجلسنا نتأمل فيما حولنا فرأينا فناء مفروشا بشىء كثير من الذوق وحسن اختيار للألوان، وكان يغلب فيه اللون الأزرق والأحمر، وعلى الأرض وفوق الجدران بسط وطنافس شرقية. وفى أحد الأركان موقد لم يكن به نار، بل كان مستورا بغطاء مزخرف، وفى هذا الفناء خمسة أبواب يفضى كل
منها الى حجرات عديدة، وفي ناحية منه سلم ينتهى الى الطوابق العليا فقلت لصاحبى محاورا: إن اليوم لشديد الحرارة، وأراك أخذت تتصبب عرقا. فعسى هذا الحر أن يذيب قليلا من هذا الشحم لكى تقل نفقات (الاصلاح) . . على أنى لو كنت مكانك لادخرت هذا العرق الى حين تلقى المدير الأعظم لهذه الدار. فانه سيفاجئك بامتحان عسير، لم يكن ليخطر لك ببال. علمت أنهم سيطلبون اليك أن تجلس على كرسي واطئ، وأن تضع رجلك اليسرى على اليمنى، وتلفها حولها لفا محكما، وأن تميل برأسك الى الامام حتى تمس به ركبتيك؟ ثم تستلقي على ظهرك من غير حراك، ويؤتي بدبابة متينة فيمرون بها على بطنك ذهابا وايابا. أجل، هذا وأمثاله من الأمور التى ليس لك عنها مفر. فاستبق عرقك إذن، فانك فى حاجة اليه.
ولا تظن أن فى قولى هذا غلوا. فان الاصلاح ليس بالشىء الهين. . . سل المصلحين قديما وحديثا ينبؤك أن إصلاح بنى الأنسان من أشق الأمور. . وناهيك بالجوع الشديد الذى لابد لك أن تشقى به بضعة أشهر، تحرم فيها الطعام والشراب الا قليلا. فلا يكون لك مندوحة عن أن تأكل من لحمك ودمك كما يفعل العشاق.
وعلى ذكر العشاق، لقد هممت أن أقترح عليك العشق علاجا شافيا مما ألم بك، فلقد يزعمون أن الهوى باعث على النحول والانضمار - خصوصا إذا بلغ المرء فيه مرتبة الشغف والهيام والوله - ولقد هممت أن أسألك أن تعشق لكى تكتسب النحول والرشاقة. ولكنى راجعت نفسى وذكرت أن الحب لن يصيب أمثالك، فانه سيلقى من دون قلبك هذا السور المنيع من الدهن والدسم، الذى لا تنفذ منه سهام الحب، ولا تخترقه قنابل الغرام. . . وأى حب يحترم نفسه يرضى أن يسكن مثل هذا المنزل؟ اذن لم يبق بد من تلك الطريق الوعرة التى تساق اليها الساعة.
هذا وقد جعلت أتأمل فيما حولنا من الناس، فاذا هم مجموعة من الكائنات ما كنت أحسب أن فى العالم حجرة تستطيع أن تضمهم جميعا. قد كان عن يمينى زنجى مفلفل الشعر أسود البشرة. وعن يسارى رجل من المغول أفطس الأنف، أصفر الجلد مائل العينين؛ وكان هناك نساء ورجال. ليس فيهم من لم يرزق من شذوذ الخلق طرافة نادرة وتحفة عجيبة. وقد جاءوا جميعا ينشدون (الاصلاح) . ولم يطل جلوسنا، حتى ذهبوا بنا الى إحدى الحجرات، فاذا نحن أمام امرأة نصف، مليئة القوام، مستديرة الوجه، ضاحكة السن،
قد قصت شعرها الأسود الحالك قصا محكما. بحيث أصبح رأسها المستدير أشد استدارة. ولم تكد ترانا حتى هشت لنا وبشت. وقالت: أما صاحبك فلست بحاجة لأن أسألك ما خطبه. . . وأما أنت فما أكاد أتبين ما تشكوه. . . لعلك تشكو اعوجاجا قليلا فى الأنف. فان به ميلا يسيرا عن (السمترية) . . . وعلاج هذا أمر هين. فان لدينا عددا من الجراحين ذوى أيد صناع، لا هم لهم فى الحياة غير تقويم ما اعوج من الأنوف. وتخفيض ما نتأ منها وما برز، ورفع الافطس منها واعلاء شأنه بين الملأ، ولقد يصادفون، فى هذا السبيل عقبات لكنهم يتغلبون عليها، برغم أنفها. . .!
وأعجب شىء لدينا رجل من الصين ذو أنف شديد الفطس حتى لا تكاد تراه، وكأنما الناس قد اتخذوا وجهه مقعدا أو متكأ، وكنا أول الأمر عاجزين عن معالجته بما لدينا من الآلات، لكنا الآن قد اتخذنا له آلات خاصة، ولا شك عندنا فى النجاح العاجل فيخرج هذا الصينى من معهدنا بأنف معتدل جميل، يستطيع أن يشق به لنفسه طريقا فى الحياة. . أما أنت فخطبك يسير جدا. . . حدق فى وجهى!. . إن ميل أنفك عن السمترية لا يتجاوز الخمس درجات. . .
هكذا أخذت تحدثنا هذه المرأة. ولكنى كنت راضيا عن أنفى، ولم يكن لى فى إصلاحه مأرب. . فسألتها أن تعنى بصاحبى، وتبذل له كل ما فى دارها العظيمة من وسائل الاصلاح؛ حتى يعود رشيقا نحيل القوام. فنادت خادما وسألتها أن تذهب بصديقى الى المكتب الثانى عشر. فانطلقا وبقيت مكانى، لا أدرى ما أفعل. . فقالت اجلس فان صديقك سيعود بعد لحظة.
فأستطيع متى وصلنى التقرير عنه أن أخبركما عن مدة العلاج والأجر الذى نتقاضاه. ان معهدنا هذا قد اشتهر أمره حتى بات كعبة القاصدين من أطراف العالم. أما أنتما فلا أشك فى أنكما من أهل مصر. فقد أصبحت لكثرة ما رأيت من الوجوه لا يكاد يخفى على أمر أحد. إن علم الجمال العملى قد ارتقى، حتى أصبح لدينا علاج ناجع لكل شائبة تشوب الجسم وتنقص من حسنه. ولدينا أقسام تعنى بالقوام، وأخرى بالشعر وبالوجه وبسائر الجوارح والاعضاء. ولدينا قسم جليل الشان همه أن يكسب الكهول من رجال ونساء رونق الصبى ومظهر الشباب، وكم من غانيات قد خرجن من
هذا المعهد, وقد لبسن فيه حلل الجمال والدلال ...
عند ذلك قاطعتها وقلت لها متحمسا: بالله لا تذكرى الغانيات، فانما الغانية هى من تستغنى بطبع جمالها عن التطبع، وبحسنها الموهوب عن المجلوب. . .
قالت: ذلك المذهب القديم أيها الصديق. أما غانية اليوم فهى التى تستطيع انفاق قدر زهيد من المال فى هذا المعهد النافع، فتصبح من الغوانى الحسان.
قلت: هذا لعمرى مذهب أخرق، وخداع تخدعون به الناس. قالت: لعلكم متى رخص الجمال، وأصبح فى متناول النساء جميعا، أن تتوبوا - معشر الرجال - الى رشدكم، فلا تعبدوا جمال الجسد تلك العبادة المزرية. ولعلكم أن تفكروا قليلا فى جمال الروح. . .
وأظننى قد أفحمنى هذا الرد. فقد سكت لحظة لا أحير جوابا، ورجع عيسى وبيده ورقة، تناولتها وقرأتها، وقالت: ان
(اصلاح) صديقك سيتم فى مدى شهرين، وسيكلفه هذا الاصلاح خمسين جنيها.
قال صاحبى: ولقد رجعت منذ أسابيع، ومعى عيسى وقد غدا فتى رشيقا نشيطا، وسيما قسيما. . . ألست ترى الآن أن دولة العطار قد ارتقت، وأنه قد استطاع أخيرا أن يصلح ما أفسده الدهر؟ قلت: بلى، ولكن ألست ترى أنك قد بالغت فى تنميق قصتك وتزويقها؟
قال: وهل تحسبنى من أولئك الطعام الذين يقصون عليك الحديث كما جرى؟
قلت: معاذ الله أن تكون منهم. على أنى سأذكر دائما ما قالته لك تلك المرأة فانه سيجىء يوم لا يأبه الناس فيه لجمال الجسد ويلتمسون فيه جمال الروح، وعندئذ قد يكون لمثلك ومثلى فى الحياة شأن غير هذا الشأن.

