الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 130الرجوع إلى "الثقافة"

دراسات أبوين :، شاعر من البيت الأيوبى، يموت فى سن الشباب،

Share

مات نجم الدين أيوب ليلة الثلاثاء سابع عشرى ذى الحجة سنة ثمان وستين وخمسمائة ، وترك من الإناث ثنتين ، هما : ست الشام وربيمة خانون ، ومن الذكور ستة ، هم : الملك الناصر يوسف صلاح الدين ، وهو البطل المعروف مؤسس الدولة الأيوبية ، والملك العادل سيف الدين أبو بكر ، وشمس الدولة توران شاه -  وهو أكبرهم - وشاه شاه ، وسيف الإسلام ظغتكين  ، وتاج الملوك بورى وهو أصغرهم .

وقد كان لكل واحد من هؤلاء الذكور شأن أى شأن فى التاريخ ، فأسس صلاح الدين دولة حكمت مصر والشام والنوبة والغرب واليمن ، وخلف العادل أولاد صلاح الدين وحكم هذه الامبراطورية ( ٥٩٦-٦١٥ ) ،

وفتح ثالثهم توران شاه اليمن وحكمها ( ٥٦٩-٥٧٧ ) ، وخلفه فى ولاية اليمن - بعد موته - أخوه طغتكين ( ٥٧٧-٥٩٣ ) . أما شاه شاه فكان من قواد نور الدين ، وقتله الفرنج سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة (( لما كانوا منازلين دمشق )) (١) .

وحديثنا اليوم عن أصغر هؤلاء الأخوة الأمجاد تاج الملوك بورى بن أيوب .

ولد بورى فى ذى الحجة سنة ست وخمسين وخمسمائة ، ونشأ فى كنف الدولة النورية ، وفى رعاية أب وإخوة كلهم رجال حرب ونضال ؛ فلا عجب أن ترعرع شابا موقور الصحة ، كامل النشاط ، شجاعا ، مقداما ، طموحا للمجد ، وكان إلى هذا (( مليح الأعطاف ، عذب العبارة ، حلو الفكاهة ، مليح الرمى بالقوس ، والطعن بالرمح ، شجاعا ، باسلا ، مقداما على الأهوال ، وكان قد جمع إلى ذلك الكرم ، واليقين فى الأدب )) (٢) .

ويتفق مؤرخو الدولة الأيوبية جميعا على مدح تاج الملوك ، ونعته بهذه السجايا الجميلة وكثير غيرها . والحقيقة أنه كان أحد أرباب السيف والقلم ، ولو قدر له أن يمتد به العمر لبذ إخوته وأبناء عمومته ؛ فقد كان بطلا صنديدا وشاعرا ممتازا ؛ ولكنه لقى حتفه ولما يتم الثالثة والعشرين من عمره ، بعد أن أصيب فى حومة الوعى ، وبعد أن ترك لقراء العربية ديوانا يضم ما قاله من شعر تغلب عليه العاطفة الجامحة المحلقة ؛ ولا غرو فقد نظم شعره هذا وهو فى ميمة الصبا وريعان الشباب .

حدث نزاع بين صلاح الدين وعماد الدين زنكى - ابن سيده نور الدين - وتحصن عماد الدين بقلاع حلب ، وأكثر من الجند ، ورام مقاتلة صلاح الدين ؛ ولكن السلطان الأيوبى كان حفاظا للجميل ، قدر فى نفسه أنه يستطيع الاستيلاء على حلب دون قتال ، (( ولكن الشباب وجهال الأصحاب راموا القتال ، وأحبوا النزال ، وتقدموا وأقدموا ، والسلطان ينهاهم فلا ينتهون ، وكان فيهم تاج الملوك بورى أخو السلطان فطعن فى فخذه )) (١) .

فمن هذا يتبين أن تاج الملوك كانت تدفعه حماسة الشباب وفورته إلى الاقدام والمخاطرة ؛ بل لقد كان دائما فى مقدمة الجيش إذا حارب ؛ وإلى القارئ وصف القاضى الفاضل لبورى وشجاعته من كتاب له :

(( نزلنا تل خالد يوم الثلاثاء ثانى عشر المحرم ، وكان قد تقدمنا الأجل تاج الملوك إليها وأناخ عليها ، وقابلها وقاتلها ، وعالجها ، ولو شاء لعاجلها )) (٢) .

وبعد الاستيلاء على تل خالد تقدمت الجنود الأيوبية وفى مقدمتها تاج الملوك نحو حلب ، ونزلوا خارجها فى سادس عشرى المحرم سنة ٥٧٩ ، وفى نفس اليوم أصيب

فى ركبته إصابة خطرة .

ولما أحاطت جند صلاح الدين بحلب تحقق عماد الدين أنه ليس له قبل بها ، وسفر بينه وبين صلاح الدين الأمير حسام الدين طمان ، فاتفقا على أن تسلم حلب للسلطان على أن يعطى عماد الدين سنجار . وأعد صلاح الدين وليمة لابن زنكى ، وبيناهما فى سرور والجند حولهما يأكلون ما لذ وطاب ، ويتبادلون الشهى من الحديث ، إذ حضر أحد الحجاب فأسر إلى صلاح الدين خبر وفاة أخيه تاج الملوك متأثرا بالجرح الذى أصابه ، فلم يزد صلاح الدين على أن قطب وجهه ، ثم بس ثانية وعاد إلى ما كان عليه . ولم (( يتغير لذلك ولا اضطرب ، ولا انقطع همسا كان عليه من البشاشة والفرح ، وبذل الاحسان وأمر يستر ذلك ، وتوعد عليه إن ظهر ، وكظم حزنه ، وأخفى رزيته ، وصبر على مصيبته ، ولم يزل على طلاقته وبشاشته إلى وقت العصر ) (١) . فانفض الجمع وتفرق الجند ، وانفرد صلاح الدين بخاصته ، واسترجع الحادث ، وبكى حزنا على أخيه ؛ فكان كما كان دائما عند ملاقاة الخطوب ، ومقابلة الأرزاء ، جلدا صبورا بطلا كظيما لألمه وحزنه ليسر الغير ويسعدهم .

هذا هو صلاح الدين تزينه أخلاق الملوك ، وهذا هو أخوه بورى الجندى والقائد . أما بورى الشاعر فقد ترك لقراء العربية ديوانا فياضا بالعواطف ( هذا الديوان مفقود الآن ) تقتبس كتب التاريخ التى ترجمت له بعض أبياته ؛ ومن دراستها نستطيع أن نحكم أنه كان شاعرا فذا ، موفور الذكاء ، فياض الشعور ، خفاق القلب ، عذب اللفظ ، حلو الحديث ، محبا يجيد وصف ما يحس من ألم البعد ولذعة الصد ؛ وكان بورى أيضا يحب مصر وفيد  مصر ، ويفضل نيلها وماءه على الفرات ومائه ، إذ يقول :

شربت من الفرات ونيل مصر

                        أحب إلى من ماء الفرات

ولى فى مصر من أصبو إليه       ومن فى قربه أبدأ حياتى

فقلت وقد ذكرت زمان وصل   تمادى بعده روح الحياة

أرى ما أشتهيه يفر منى          وما لا أشتهيه إلى يأتى (١)

وأكثر ما يقول بورى فى الغزل ، فمن قوله :

يا هذه وأمانى النفس قربكم    يا ليتها بلغت منكم أمانيها

إن كانت العين مذ فارقتكم نظرت

                         إلى سواكم فخانتها أمانيها (٢)

وينقل عنه صاحب الشفاء هذين البيتين ، ويعلق عليهما بقوله : (( وإثمه عليه سامحه الله )) ؛

ياغزالا يميت طورا ويحيى     وهو برؤ السقام سقم الصحيح

هذه المعجزات ليست لظبى  إنما هذه فعال عيسى المسيح (٣)

وقريب من هذا المعنى ويزيد عليه وصفه للحبيب قوله :

يا حيائى حين يرضى    ومماتى حين يسخط

آه من ورد على خد    يبك بالمسك منقط

بين أجفانك سلطا      ن على ضعفى مسلط

قد تصبرت وإن بر      ح بى الشوق وأفرط

فلعل الدهر يوما        بالتلاقى منك يغلط (٤)

وقد كان لحياة الجندية التى عاشها بورى أثر بالغ فى شعره ، فهو يكثر من استعمال ألفاظ الحرب كالسيف والعضب والرمح والطعن والضرب ، ومن ذلك قوله :

أيا حامل الرمح الشبيه بقده

                    ويا شاهرا سيفا حكى لحظه عضبا

ضع الرمح واغمد ما سللت فربما

                 قتلت وما حاولت طعنا ولا ضربا (٥)

وقوله :

بليت بمن لا يعرف العطف قلبه

                   ولا يسمع الشكوى لمن كان شاكيا

من الترك مياس القوام كأنه

                    يجرد لى لحظا من السيف ماضيا

يعاندنى فيه الزمان تعمدا

                     فيا عجبا ما للزمان وما ليا

يخالفنى فى كل شئ أريده

                    فلا القلب مسرورا ولا العيش صافيا

فلولا شقائى ما بليت بخائن

                    عهودى ولا صافيت من لا صفا ليا

وإنى لأستشفى من الموت بالردى

                   وحسبك داء أن ترى الموت شافيا (١)

ويبدو أنه قال هذه الأبيات قبيل موته ، فإن صاحب الشفاء يعقب عليها بقوله : (( وكان فألا عليه ))

كذلك ملك ركوب الخيل على تاج الملوك لبه وقلبه فى  ميدانى الحرب والحب . رأى أحد مماليكه مقبلا من ناحية المغرب وهو يركب فرسا أشهب فقال :

أقبل من أعشقه راكبا    من جانب الغرب على أشهب

فقلت : سبحانك يا ذا العلا !

                     أشرقت الشمس من المغرب (٢)

ومات بورى كما ذكرنا ثالث عشرى صفر سنة ٥٧٩ ه عن اثنتين وعشرين سنة وأيام . وبكاه صلاح الدين بعد انتهاء الحفل وهو يقول : (( ما وفت حلب بشعرة من أخى تاج الملوك بورى )) وكان يقول أيضا : (( ما أخذنا حلب رخيصة )) (٣) ، وأمر به فغسل ودفن بمقام إبراهيم بظاهر حلب . ثم حمله بعد ذلك إلى دمشق ودفنه بها .

اشترك في نشرتنا البريدية