2 ها قد وصلنا بعد ثلاثة أيام وبعض اليوم على ظهر مطية القرن العشرين ونحن على أحسن حال، فترجلنا أمام الباب وأرسلنا اذن الدخول الى المطران مع أحد خدمة الدير، وبعد برهة خرج الينا أحد القساوسة فرحب بنا ثم قادنا الى دهليز ضيق كمداخل الطوابى انتهى الى طريق صاعد، ثم الى طرقة تطل على كنيسة، ثم ارتقينا سلما انتهى الى باحة مكشوفة فيها حجرة استقبلنا فيها واقفا رئيس الدير، وبعد أن صافحنا جلس وجلسنا على مقاعد وثيرة، بعد تبادل عبارات التحية والترحيب دخل الخادم يحمل بين يديه صينية من الفضة عليها كؤؤس صغيرة بها شراب الزبيب فطاف بها علينا، ثم خرج وعاد يحمل صينية أخرى عليها أقداح كبيرة فيها قهوة لم أذق ألذ منها، ثم وفد الى الحجرة قساوسة الدير بملابسهم الكهنوتية السوداء، وقبعاتهم العالية، وكان عددهم ثمانية، فحيونا ببشاشة ولطف، وجلسوا على المقاعد القريبة من الرئيس، وبعد حديث قصير وأسئلة شتى وقف الرئيس وانصرف الى مكتبه، وقادنا القسوس الى الأماكن المعدة لنزولنا، وهى صف طويل من الحجرات أمامها ممشى مسقوف ويتوسطها دورة مياه ومطبخ وحجرة للمائدة. والحجر كثيرة الأثاث والرياش، ففيها الأسرة والمقاعد والدواليب والصور وأرضيتها مغطاة بالسجاجيد والأبسطة، وحجرة المائدة كاملة المعدات، وبالجملة قد توافر فى مكان الضيافة جميع وسائل الراحة مع النظافة وحسن الترتيب ونوافذ الحجرة تطل من علو شاهق على مدخل الدير وحديقته
وتشرف على الجبال والوديان والمسالك لمسافة بعيده
وبعد أن استرحنا وتناولنا الغداء تفرقنا فى نواحى الدير للفرجة وخرجت أنا وأربعة من الرفاق نصعد الى قمة جبل المناجاة أو جبل موسى عليه السلام.
وتبدأ الطريق المؤدية الى القمة من قاعدة الدير فى الجهة الجنوبية صاعدة رأسية تقريبا على درج من حجر مرصوص يشبه الدرج العادى، وقد مكثنا نصعد هذه السلالم نحو ساعتين ونحن نلهث لهثا شديدا من فرط ما أصابنا من الاعياء والتعب، وقبل بلوغنا القمة اجتزنا فجوة فى الجبل دخلنا منها الى رحبة فيها كنيسه
وحديقة صغيرة ينمو فيها شجر السرو، تسقى من نبع يفيض ماؤه العذب على جوانب الصخر.
استرحنا قليلا ثم استأنفنا الصعود. وبعد نصف الساعة تقريبا وقفنا على قمة جبل موسى وهى على ارتفاع 2200 متر من سطح البحر (نحو 8000 قدم) وكان الهواء باردا والسماء صافية والشمس تؤذن بالمغيب. فأجلنا النظر فيما حولنا، فكان منظرا ساحرا بديعا لم تر العين أجمل منه، فضوء الشمس ينعكس على القمم بلون أحمر كلون الشفق، وعلى جوانب الجبال بلون أزرق قاتم كالدخان وبلون أحمر مشرب بالزرقة على الربى والتلاع، وفى الجنوب البعيد ماء البحر الأحمر يتلألأ تحت أشعة الشمس، ومن تحتنا تتقابل الوديان وتتقاطع متجهة كل صوب كأسارير الوجه العجوز - فلما عدت إلى نفسى وجدتنى مسند الظهر إلى حائط مسجد صغير، وعلى بعد خطوات منه كنيسة صغيرة كذلك، فلم أتمالك ان دخلت المسجد أنا وصديقى الأستاذ فريد أبو حديد (ألبسه الله ثوب العافية) وركعنا لله ساجدين بقلوب خاشعة ونفوس طافحة بالذكريات التاريخية والدينية. وعند خروجنا من المسجد لمحنا جماعة من البدو رجالا ونساء وأطفالا وقد جلسوا فىي وهدة تحت جدار المسجد من جهته المقابلة، حول نار
أو قدوها للتدفئة فلما رأونا هبوا الينا مهللين مكبرين، فصافحناهم وتبادلنا واياهم التحيات والتمنيات، ثم سألناهم عن سبب وجودهم، هنا فى هذا البرد القارص، فقالوا قد جرت العادة من قديم الزمان أن نجتمع هنا يوم وقفة عيد الأضحى المبارك، ثم نقضى الليلة، وفى الصباح نصلى صلاة العيد فى هذا المسجد العتيق وننحر وبعد تبادل التهنئات والدعوات الصالحات نتفرق عائدين الى ودياننا.
ملأنا العين بهذه المناظر الفريدة ثم عدنا أدراجنا الى الدير وقد غابت الشمس وظهر القمر، فكان الهبوط أسهل من الصعود وأكثر خطرا بسبب الظلام.
فى صباح اليوم الخامس جلنا فى الدير ومشتملاته وملحقاته. فالدير نفسه من حيث هندسته وأسواره وطرقاته ومخابئه وأقبيته وسلالمه الحلزونية الكثيرة وأبراجه وعيون المدافع ومواضعها أكثر شبها بالحصن منه بالدير، والحقيقة أنه بنى ليكون معقلا للرهبان يقيهم غزوات البدو، والمشهور أنه بدئ فى تشييده سنة 527 ميلادية أثناء حكم الامبراطور البيزنطى يوستينيانوس.
يبلغ طول الدير نحو 300 متر وعرضه نحو 200 متر وارتفاعه فى المتوسط نحو 15 مترا وهو مبنى بحجر الجرانيت المنحوت، ويوجد فى فنائه كنيسة كبيرة ينزل اليها بسلالم، وهى عامرة بالتحف الثمينة من شمعدانات وثريات ومصورات وما الى ذلك من الأشياء الكنسية ذات القيمة الغالية، والكنيسة أفخر مبانى الدير وأجملها من حيث المبانى والزخرف، ولها برج عال معلقة فيه الأجراس النحاسية الكبيرة، وتقام فيها الشعائر الدينية فى أوقاتها.
وفى الجهة الشرقية من الدير صوامع الرهبان، وهم لا يخرجون منها الا نادرا، وقد تقابلت مصادقة بواحد منهم أثناء تجوالى فى الدير فرأيته شيخا ضعيفا لا يقوى على السير الا بصعوبة، وبمجرد أن وقع نظره على أسرع الى أقرب صومعة واختفى فيها بحالة عصبية دهشت
لها وعدد رهبان الدير الآن لا يزيد على العشرين مع أن عددهم قبل الحرب كان كبيرا، وهم من شعوب مختلفة، معظمهم من روسيا والأمم السلافية الأخرى، وليس لهؤلاء الرهبان من عمل فى الدير الا النسك والعبادة، أما شئونه الأخرى من ادارة واقامة شعائر وحراسة فهى من وظائف القساوسة. وبالقرب من الكنيسة وفى مستو أعلى منها جامع أثرى صغير مفروشة أرضه بالبسط، وفيه منبر صغير ويلتصق بالجامع مئذنة مرتفعة. وهو يفتح للصلاة فى أوقاتها الخمسة.
وفى أقباء الدير شاهدت طاحونة يديرها بغل، وبجوارها مخبز يصنع فيه الخبز اللازم لرجال الدير وللتوزيع على البدو على حسب العادة التى جرى عليها الرهبان من زمن بعيد.
وفى الجهة الشمالية حجر القساوسة ومكتبة الدير وكانت مغلقة. وأمام الدير حديقة واسعة منسقة تنسيقا حسنا، وبها كثير من أشجار السرو والتين والزيتون والموالح والكروم، ومزروع فيها شتى البقول والخضر والزهور الجميلة، وفى ناحية منها كنيسة الجماجم، وهو بناء حديث جمعت فيه جماجم وعظام الرهبان والقساوسة الذين توفوا بالدير من عصور بعيدة. وقد رصت فيها
صفوفا بعضها فوق بعض ووضع فى صناديق خاصة تكريما لأصحابها، أما لمكانتهم الكهنوتية أو لقيامهم أثناء حياتهم بعمل مجيد للدير
ويسقى الدير والحديقة من عيون عذبة على شكل آبار قليلة الغور وبعد ظهر هذا اليوم تفرقنا نجوس خلال الوديان القريبة، ومن أجمل المشاهد منظر الصوامع المنتشرة بين الربى على الجبال المحيطة بالدير، وترى بجانب كل صومعة شجرة سرو طويلة أو نخلة تسقى من نبع أو ثؤلول يسيل ماؤه على الصخر فيفيض فى المنخفضات والثقوب، وفى الوصول الى هذه الصوامع صعوبة لوعورة الطريق أو انزلاقها أو انحدارها الشديد، وللقساوسة حكايات ونوادر ظريفة طريفة يروونها عن تاريخ كل هذه الصوامع أو المشاهد لا يتسع المجال هنا لسردها.
وفى صباح اليوم السادس قفلنا راجعين إلى القاهرة فوصلناها سالمين مغتبطين فى مساء السابع
