نريد في هذا المقال أن نذكر شيئا عن آلهة الايرانيين القدماء ومعتقداتهم . ولعل أول ما يلفت النظر هو أن الإيرانيين منذ كونوا دولتهم الأولى أيام كيرس cyrus عرفوا إلها أعلى يسكن السماء هو أهورا مزدا ، الذي نسميه إله الخير . على أن هذا الإله كان معروفا قبل قيام هذه الدولة .
قالوا : إن زروان اكرانا zuran akruna - الزمان المطلق -ثاق إلى ولد من نسله يسهر عليه ويرعاه ، وإنه بذل في سبيل ذلك كثيرا من التضحيات ، مدة ألف سنة ، ولكنه في وقت ما شك في قيمة ما يسعي إليه ، فكان ان انجب ولدين ، احدهما نتيجة التضحيات الخالصة الصادرة عن القلب السليم ، وهو اهورا مزدا اهورا : القوة . مزدا : الذكاء ، والثاني نتيجة للريبة ، وهو أنرو ما ينش anro maynush اهرمن : أمير الشياطين، وهو المعروف بإله الشر
قالوا : وقد وعد زروان ملك العالم لمن يسبق منهما في المثول امامه ، فلم يكن من اهر من إلا ان يقر بطن أبيه ) أو أمه ( ومثل أمامه ، فسأله زروان : من أنت ؟ قال اهر من : أنا ابنك . قال زوران : إن أبي ذكي الرائحة يشع سنه النور . اما انت فمظلم وفن ! وفي هذه الأثناء مثل أهورا مزدا أمام أبيه فعرفه وقال له : كثيرا ما ضحيت من أجلك ، والآن أستريح وتضحي بابني من أجلي
قالوا : فذكر اهرمن اباه بأنه وعد الملك السابق
منهما في المثول امامه ، فوعده بملك تسعة آلاف سنة على أن ينفرد أخوه بالملك بعد ذلك.
قالوا : ولم يكن في الوجود غير زروان اكرانا الزمان المطلق - فترك لأهورا مزدا خلق السموات والأرض وما بينهما . ثم إنه خلق ستة آلهة : الإرادة الطيبة ، والصدق ، والحكم الصالح ، ومدبر الحكمة ، وميسر التراء ، ومفيض السرور ، ثم اراد ان يخلق اربعة وعشرين إلها آخرين ، فوضع جواهرها في بيضة ، وفي البيضة نفسها وضع اهرمن نواة لآلهة على شاكلته ، فاختلط الخبيث بالطيب ، والشر والخير ، والظلمة والنور . وراي اهورا مزدا ان يشرف على ما خلق ، فكبر نفسه ثلاثة اضعاف ، وابتعد عن الشمس بعدها عن الأرض ، ونثر في السماء مجومها رقيبة علي الكون !
قالوا : وبدأ اهورا مزدا هرمزد في خلق الحيوان والنبات . فخلق الثور ، وخلق الرجل الأول Gayomard الذي هو أصل البشر (جايا مرتان : الحياة الفانية). فنهض اهر من لمعاكسة أخيه ، فخلق الزواحف والحشرات المؤذية . فتحصن أهورا مزدا بثوره ورجله عند السماء حيث هاجمه اهرمن فقتل الثور والرجل ، ومن " جواهر " هذا الأخير التي بقيت في الأرض أربعين سنة ، نبتت شجرة ، ظهر منها الانسان بجنسيه ، الرجل والمراة ، (ماشياغ - وما شياناغ ) . ونبت من مسقط الثور الانعام وسائر الحيوان.
قالوا : بل كان لزروان زوجة اسمها خواشي زاغ ) تصغير خواش بمعنى الطبية ( . وفي نص آخر تسمى " أم الاحياء " زوجة ملك النور " زروان ، " وأم الرجل الاول " أهورا مزدا ، رائمرا نوخ ramratkh ) أى باعثة السرور ( وقد انجب الزوجان توامين هما : أهورا مزدا ، من النور الخالص والخير المحض ، واهر من من الظلمة والشر المطلق .
أما زروان نفسه فتشير النصوص إليه ثارة باسم زروان اكنارغ aknaragh zarwan أي الزمان الأبدي اللا محدود ، وتارة اخري باسم زروان وبرنك خوداي zuran dyrang khaday أي الزمان ذو السيادة الطويلة . أى صاحب الملك الدنيوي في الفترة التي يبقاها العالم ، وهي اثنا عشر ألف سنة أو تسعة آلاف سنة .
ومهما يكن فقد قامت الحرب بين الأخوين ، وظلت تسعة آلاف سنة ، قالوا : وفي الثلاثة الالاف الأولى كانت الغلبة لأهرمن ، وفي الثلاثة الآلاف الثانية تعادلت قوتا الاخوين ، وبدأت الثلاثة الالاف الأخيرة بظهور زرادشت وباندحار اهرمن ، فهزم هزيمة ابدية لا يفوي بعدها أبدا !
قالوا : وقد خير أهورا مزدا الناس وهم أرواح مجردة بين ان يرفعهم عن مواضع أهرمن وبين أن تلبسهم الأجساد ليحاربوا الشر ، فاختاروا التجسد والنضال .
ولكن الناس لم يتحدوا جميعا مع إله الخير ، بل انقسموا شيعتين ، مناصر لأهورا مزدا ، وتابع لأهرمن ، فمن اتبع الهدى وناصر الخير فإنه يسير على صراط مستقيم إلي الجنة ، ومن ضل واتبع أهرمن ، بدق الصراط أثناء
سيره عليه ، بحيث يسقط في جهنم ، وهناك يعذب بقدر ماجني . اما من تعادلات موازينه فإنه يبقى في مكان وسط بين الجنة والنار ) همشتغان hameahtaghin
وبعد ثلاثة آلاف سنة من خلق العالم الدنيوي ظهر زرادشت ليهدي الناس الطريق السوي ، ويبقى العالم بعده ثلاثة آلاف سنة ، وفي نهاية كل الف يظهر مخلص سوشيانس soshyins يولد من " جواهر" زرادشت التي تكون مخبأة في بحيرة .
وفي عهد المخلص الثالث ، يبعث الأبطال والشياطين وتقوم الحرب . ثم يبعث الاموات جميعا ، ويسقط النجم مذنب على الأرض ) جتجهر Gotchihr( فيذيب معادنها التي تلهب التهابا ، والخلق جميعا مجبرون على عبور هذه الأرض المشتملة ؛ فمن امن فإن النار عليه برد وسلام ، كاللبن الساخن ، تطهره وتذكيه ، ويدخل منها إلى الجنة . وبعد المعركة الأخيرة بين الخير والشر يهلك الأخير ويختفي في عالم الظلمات ، ويبقي الناس في أمن وسلام أبديين . وهذا هو البعث الجديد
دكتور يحيي الخشاب

