عنى الأستاذ محمد فريد أبو حديد باختيار اللوحات التاريخية يتتبع دقائقها ويتبين معالمها ، ويصوغ منها روايات قيمة تجمع بين لذة القصص وفائدة التاريخ ، فى أسلوب شائق سهل خفيف على النفس ؛ فخطا بذلك خطوة موفقة فى ناحية هامة من نواحى الأدب العربى ، يعد الخطى التى خطاها من قبل جرجى بك زيدان . فبدأ الأستاذ فريد عمله بابنة الملوك ، تصور عصر المماليك في مصر ، واتبعها بقصة حرب البسوس ، ثم الملك الضليل ، ثم هذه الرواية التى نحن بصددها وهى زنوبيا . وقد كان فى كل من هذه القصص يحيا فى أشخاصها ، ويتقمص أرواحها ، ويفيض قلبه بأحداثها ؛ فنبض قلب القراء من نبض قلبه ، وعاشوا فى عالم قصته من جنس عيشته .
وزنوبيا شخصية محيرة حقا ، عجيبه حقا ؛ هى من جنس النساء التى سمح بها التاريخ على ندرة ، فخضع لها الرجال ، وأ كسبت قومها عزة وفخرا لم يكسبهما قومهم كثير من الملوك ؛ وهى أغمض من قريناتها أمثال كليوباتره ، لتوغل بلادها فى الصحراء ، ولأنها من قوم لم يتحضروا تحضر الفرس والرومان والمصريين ، حتى يدون مؤرخوهم أحداثها وأعمالها فى دقة وتفصيل .
لقد روى العرب أحاديث كثيرة عن الزباء ، والاسم قريب الشبه بزنوبيا ، ومؤرخو الفرنج لم يعرفوا غير زنوبيا ملكة تدمر ، ومؤرخو العرب لم يعرفوا غير الزباء ملكة تدمر ؛ والاسمان متقاربان فى النطق ، وعلمان على ملكة تدمر ؛ وما روى العرب عنها من حيث أحداثها
وزمانها غير ما رواه الفرنج ، وتاريخ هذه الملكة وأحداثها حسب الرواية العربية غيرهما حسب الرواية الافرنجية . وبعيد جدا أن يعنى العرب بأحداث الزباء ملكة تدمر المغمورة ، ولا يعنوا بأحداث زنوبيا ملكة تدمر المشهورة .
فمؤرخو الفرنج اعتمدوا على النصوص اليونانية والرومانية والنقوش التى عثروا عليها فى تدمر ، واستطاعوا أن يحلوا رموزها ، ويقرأوا لغتها ، وتتلخص فى أن تدمر كانت مدينة عظيمة التجارة ؛ وقد أزهر تجارتها موقعها وسطا بين مملكتى الفرس والرومان ، وكانت مستقلة ؛ ثم كان من أمر سابور ملك الفرس أن أسر "والار يالوس" ملك الرومان ، فأراد ابنه جالينوس الذى ورث مملكته أن يأخذ من سابور ثأره ، فساعده على ذلك رئيس تدمر ، واسمه أذينة ، وزحف بجيشه على سابور وهزمه ، فقلده جالينوس ملك الروم على تدمر ، وذلك سنة ٢٦٤ ميلادية ، ثم مات أذينة عن ابن صغير اسمه وهب اللات ، أى هبة اللات . ولما كان وهب حديث السن ، تولت أمه زنوبيا الوصاية عليه ، وكانت فريدة عصرها حسنا وعقلا وبأسا ، ومدت سلطانها على الشام وبعض نواحى مصر ، ثم تغيرت العلاقات بينها وبين " أورليان " ملك الرومان ، فجرد لها جيشا حاربها ، وكسر جيوشها مرتين ، ثم حاصرها فى مدينة تدمر إلى أن أسرت ونفيت فى مصيف " تيبور " ، وقال بعض المؤرخين إنها عكفت فى هذا البلد على تهذيب أولادها ، وزوجت بناتها من أعيان الرومان .
وإن الكتابة التدمرية تنص على أن اسمها الأصلى " بنت زباى " وقد حرفها اليونان إلى زنوبيا .
وأما العرب فرووا أنه كان فى أيام جذيمة الأبرش بن مالك اللخمى رجل اسمه عمرو بن الظرب من نسل أذينة ، وكان ملكا على الجزيرة والفرات ومشارف الشام ، وجرى
بينه وبين جذيمة حروب ، فانتصر عليه جذيمة وقتله ، وشتت شمل قومه . ولكنهم لم يلبثوا أن جمعوا جموعهم ، وملكوا عليهم الزباء بنت عمرو ، ولما مات جذيمة خلفه عمرو بن عدى ، فأراد قتل الزباء ، فاستدعى قصيرا وأعمل الحيلة فجدع أنفه وزعم للزباء أن عمرو بن عدى هو الذى جدعه ، فأنست به وقربته إليها ، ودلته على أسرارها ؛ فحمل ذلك إلى عمرو ، فركب عمرو فى ألفى دارع مخبئين فى الغرائر ، وتقدم قصير يسبق الابل ، ودخل المملكة بالغرائر ، فخرج رجال عمرو منها وأعملوا سيوفهم فى أهل تدمر ، فهربت الزباء ، فاستقبلها عمرو ، فمصت خاتمها المسموم ، وقالت : " بيدى لا بيد عمرو " ، وماتت .
هذه هى الرواية العربية على اختلاف قليل فى بعض الروايات فى التفاصيل .
شغلت هذه المفارقات بين الرواية العربية والغربية الباحثين . فهل زنوبيا هى الزباء ؟ قال المستشرق الانجليزى رد هوس : إنها غيرها ، وألف فى ذلك رسالة سماها (? Were Zenubia & Zebba'u Identical). وذهب الأب سنستيان رنزفال إلى أنها هى ، وكتب فى ذلك مقالات متتابعة فى السنة الأولى من مجلة المشرق . وكذلك رأى الأستاذ جويدى . وذهب الأستاذ فريد إلى أن زنوبيا كانت حفيدة للزباء لأن تاريخ الأحداث فى الأدبين العربى والغربى مختلف .
وعندى أن هذا لا يكفى أن يكون سببا ، وأرجح اتحادهما وتحريف الزباء عن زنوبيا . فكم من أعلام غربية صاغها العرب صياغة جديدة طوعا لألسنتها ، والفرق قريب جدا بين زنوبيا والزباء وزينب وبنت زباى ؛ ومما يساعد على هذا الاتحاد فى موقع الحوادث وهو تدمر. والاتحاد فى أن زنوبيا بنت مدينة على الفرات ، وهذا
ما يرويه الفرنج والعرب معا .
أما تلاعب العرب بالحوادث فعذرهم فيه أن الحوادث حدثت قبل الاسلام بنحو ثلاثة قرون . والرواية تنتقل شفويا من غير تقييد ولا كتابة ، وكلما مر الزمان مسخت الأحداث وحورت . ومما يدل على وضع الحادثة ما ورد فيها من أمثال عربية مثل " لأمر ما جدع قصير أنفه " و " بيدى لا بيد عمرو " وشعر " ما للجمال مشيها وئيدا " ونحو ذلك ، كأنهم ظنوا أن أهل هذه البلاد فى ذلك العصر كانوا يتكلمون اللغة العربية القرشية المعروفة عند مجىء الاسلام ، مع أن الثابت تاريخيا وعلميا أن تدمر وما حولها كانت مسكونة بالأنباط من شمالى الحجاز إلى نواحى دمشق ، والانباط كانوا يكتبون بالنبطية ، وهى نوع من اللغة الارامية لا تزال منقوشة على آثار تدمر إلى الآن ، وقد حلها المستشرقون وأمكنهم قراءتها وحل رموزها ، ولم تمكن الحروف العربية المعروفة قد استنبطت بعد . وكذلك كان سكان العراق والجزيرة يكتبون الأرامية الغربية ؛ وكل الكتابات التى عثر عليها فى تلك المناطق تخالف فى قراءتها وكتابتها اللغة العربية المعروفة قبل الاسلام فى جزيرة العرب ؛ فالأمثال والأشعار التى وردت فى هذه القصة مع صبها فى القالب العربى الاسلامى دليل وضعها .
لقد كانت زنوبيا مثقفة ثقافة واسعة ، وفى بلاطها كثير من أدباء الرومان وفلاسفتهم ، وكانت تعرف اللغات المصرية واليونانية واللاتينية ، وانتسبت إلى كليوباتره المصرية ، وكانت بلادها ساحة للديانات الثلاث الوثنية واليهودية والنصرانية ، وكثر الجدل الدينى فى أيامها ، وأخيرا ادعت كل طائفة أن زنوبيا كانت تدين بدينها .
وغريب مع كل هذه العظمة والثقافة والملك أن يهمل العرب شأنها ، فلم يعرفوا عنها إلا هذه القصة الموضوعة ، ولم تستغل شخصيتها ولا بلادها فى الأدب العربى ؛ وكل ما أعرفه مما ذكره العرب أن النابغة الذبيانى زعم أن الجن هم الذين بنوا تدمر لسليمان إذ يقول :
إلا سليمان إذ قال الإله له
قم فى البرية فاحددها عن الفند
وخبر الجن أنى قد أمرتهم
يبنون تدمر بالصفاح والعمد
وبعد ذلك رووا أن أوس بن ثعلبة التيمى فى أيام يزيد بن معاوية زار تدمر ورأى من نقوشها وصورها صورة جاريتين منقوشة على قبرهما فقال :
فتاتى أهل تدمر خبرانى ألما تسأما طول المقام
قيامكما على غير الحشايا على جبل أصم من الرخام
وشبب ابن الحاجب بهما فقال :
أتدمر صورتاك هما لقلبى غرام ليس يشبهه غرام
وجاء المتنبى فذكر أن اسمها تدمر مشتق من الدمار ، إذ يقول :
وليس بغير تدمر مستغاث وتدمر كاسمها لهم دمار
وأما القصص اللطيف حول تدمر والزباء ، فلم نعثر فى الأدب العربى منه على شىء . فإذا جاء اليوم الأستاذ فريد فأحيا ذكرى هذه الملكة العظيمة ، وأثار الكلام حولها وأمتع القراء بها ، فله فضل السبق وشكر المجيد .

