الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 139الرجوع إلى "الثقافة"

سعد المصرى الصميم

Share

ليس من المبالغة فى شئ أن نقول إن الحركة التى بعثها سعد فى الأمة المصرية كانت أعظم حادث فى تاريخ مصر الحديث منذ أيام السيد عمر مكرم فى مطلع القرن التاسع عشر . فقد تحرك فيها الشعب المصرى بجميع طبقاته أعلاها وأسفلها ، وبجميع أطرافه ، أقصاها من الشمال ، وأقصاها من الجنوب ؛ وكانت حركته طبيعية ، تبعثها حماسة فياضة تهز القلوب هزا ، وتفعم النفوس إيمانا وقوة وثباتا .

لم تكن حركة الشعب حول سعد من تلك الحركات التى يسوق فيها الفائد جنوده ، ويحاول تحريكهم ، أو يبهرهم بنصره أو يستميلهم بما يغدق عليهم من ثمار مجده ، بل كانت حركة قائمة على التضحية القصوى ، لا يقدم فيها سعد لأمته إلا المثل الكريم الذى يضربه لها فى إقدامه وتضحيته ، وثباته فى عقيدته ؛ ولم يكن سعد يتكلف شيئا ، بل كان يمضى على سجيته غير ناظر إلى ذلك الشعب الذى يموج حوله ؛ ولكنه كان دائما موفقا فى خططه ، معززا فى وسائله فأينما اتجه وجد الشعب وراءه وحوله مندفعا ، كأنما ليس فى الفضاء كله إلا ذلك الاتجاه الذى اتخذه له فى تقرير مصيره .

لم يكن ذلك النجاح الذى لقيه سعد نجاحا وفق إليه عفوا ، أو تعمل فى تدبيره وإحكام خططه ، بل كان له سر آخر يمكن أن نتبينه على ضوء الاستقراء ، إذا ما درسنا شخصيته العظيمة ذات الجوانب المختلفة .

حقا أن الشخص العظيم يستطيع أن يتجه بأمته حيث شاء فى الأحداث الجليلة ؛ وذلك بأن يحملها بجبروت عقله على المضى وراءه حيث شاء . ولكن السر الذى يكمن وراء شخصيات العظماء دائما هو نفس السر الذى كان يكمن وراء شخصية سعد العظيم .

ذلك السر هو تناسق الطبع ، وتجانس العواطف بين الزعيم وبين شعبه . فلا بد للقائد العظيم أن يكون بفطرته من صميم طباع شعبه يتحرك بما يتحرك له شعبه ، وإذا أحس شيئا كان مترجما عن كل عواطف قومه فى الطرف الذى بعث إليه ذلك الاحساس . غير أن العظيم بطبيعة سمو ذكائه وصفاء طبعه يكون أ كثر إرهافا فى إحساسه ، وأدق تحليلا فى نظره ، وأشد ثباتا فى قلبه ، وأجلى تصويرا لخطته فى سبيله . وسنكتفى فى هذه الكلمة بأن نبين كيف أثر ذلك التناسق وذلك التجانس بين سعد والشعب المصرى فى توجيه الحوادث التى أدت إلى حركة مصر العظمى فى سنة ١٩١٩ .

أعلنت الحماية البريطانية على مصر فى أوائل الحرب الماضية والمصريون لا يزالون فى دهشتهم الأولى عقب اندلاع نيران الحرب العالمية الهائلة ؛ وأمسك القوم فى مصر أنفاسهم وهم يتساءلون همسا فيما بينهم عن معنى تلك الحماية وعن غاياتها وعما دعا الانجليز لاعلانها ، وكانت نفوسهم ملأى بالخوف والأسف عند ذلك ؛ فأما الخوف فلأنهم كانوا يشعرون فى قرارة نفوسهم بأن مصر لم تخلق لكى تكون تحت حماية أمة من أمم الغرب ، وأن الحماية التى أعلنتها عليهم بريطانيا وإن كانت تؤول على أنها ضرورة حربية مؤقتة ، قد تؤدى بهم إلى مواقف معقدة أو تسير بهم فى طريق غير التى كانوا يأملونها فى مستقبلهم . وأما الأسف فلأنهم كانوا يرون حركتهم الوطنية قد أوشكت قبل تلك الحرب أن تنتهى بهم إلى تقرير الحكم الديمقراطى الداخلى وإلى تقوية حركة الجهاد القومى نحو الاستقلال التام تحت راية الحزب الوطنى الذى كان ينضوى تحته كل أهل مصر أو الكثرة السائدة منهم . فإذا بهذه الحماية المفروضة تدك كل آمالهم من أساسها .

ولكن هذا الشعور بالخوف والأسف لم يجد فى الخارج تعبيرا إذ كانت أداة التعبير كلها عند ذلك تحت سيطرة الأحكام العرفية ، فلم يكن من المباح أن يسمح لأحد بأن

ينطق بكلمة تخالف الخطة الحربية أو تؤدى بأى وسيلة إلى تحويل الانتباه عن القصد الأول فى الحرب وهو انتصار بريطانيا .

ولكن شعب مصر كان فى صمته ذاك يطيع طبيعة أصيلة فى نفسه ؛ فهو شعب قديم له لقانة عميقة فيما تقتضيه ظروف الحياة ! وكان يدرك بتلك اللقانة أن وقت تلك الحرب لم يكن الوقت المناسب لمحاسبة بريطانيا ومطالبتها بالحقوق التى يعتقد أنها مقدسة لا يستطيع أن يحيد عنها أو ينساها . فساد السكون أرجاء مصر مدة الحرب كلها ، بل لقد انصرف الشعب إلى أعماله مرحا كعادته طيبا كعادته مسالما كعادته ، حتى كان يخيل إلى من لا يعرفه أنه قد نسى جهاده القديم أو غفل عنه ، أو نزل عن تلك الحقوق التى كان يجهر بالمطالبة بها فى قوة وعزم فى أيام السلم . ولكن صمته ومرحه وطيبته كانت فى الحقيقة مظاهر تخفى تحتها روحا مضطربا ، وإن كانت الحكمة تكبح جماحها ، وتكبت خلجاتها ، وكانت لذلك الشعب همسات متواصلة يتبادلها الأصدقاء إذا ما تلاقوا فى مجالسهم ، والأهل إذا اجتمعوا فى ظلال جدران منازلهم ، وعامة الشعب من الفلاحين إذا انتشروا فى فضاء الحقول البعيدة عن الرقباء .

وكان سعد كسائر أبناء مصر يحس بلقانته ما يحسه الشعب ، ويكتم فى نفسه من المعانى مثل ما يكتمه قومه ، ويتحدث مع صحبه الأخصاء فيما بينهم عن سير الحوادث ، ناظرا إلى وجهاتها ، مفكرا فى المآل الذى تخبئه الاقدار لمصر من وراء سير الحوادث الجليلة التى كانت تهزهز أنحاء العالم .

وكان شعب مصر كلما امتدت مدة الحرب أحس قلقا عظيما على مصير البلاد ، وتمنى خروج بريطانيا من الحرب ظافرة حتى يستطيع أن يواجهها رافعا صوته بالمطالبة بحقوقه المقدسة التى لم يغفل عنها ولم ينس شيئا منها ، رغم ما كان يبدو عليه من هدوء وانصراف إلى

عمله ، وطرب إلى السرور فى مرح وفكاهة .

وكان سعد العظيم كذلك يحس أعمق الاحساس يمثل ما كان يشعر به شعب مصر ، ويصير كما يصير قومه فى هدوء وطيبة قلب ومرح وفكاهة . ولكنه كان يحس قلقا شديدا كلما تطاول عليه الصبر ؛ فقد كان صريحا مستقيما لا يحب ان يظهر بغير ما فى نفسه ، ولا أن يخادعها بالأوهام أو الأغراض الملتوية ، وإذا كان قد سكن مدة الحرب ؛ فما ذلك إلا انتظارا لليوم الذى تضع فيه الحرب أوزارها ، لكى يجهر برأيه ويطالب بآمال أمته وحقوقها .

فما كادت الهدنة تعلن فى ١١ نوفمبر من عام ١٩١٨ حتى بادر سعد إلى النطق ، فتقدم إلى دار الحماية بعد يومين اثنين من إعلان الهدنة لينطق بما كان يجول فى قلبه مدة سنوات أربع طوال ، وليطالب بالحقوق المقدسة التى لم ينسها هو ولا شعبه ، وإن تطاول الأمد على السكون ، وأخفت مظاهر المرح ما يجيش فى النفوس من العواطف .

فما كاد سعد ينطق بكلمته حتى تحركت وراءه القلوب مرددة أصداء كلمته فى توافق طبيعى نشأ من ذلك التجانس بين طبع الزعم وطبع شعبه . إذ كان سعد بغير شك مصريا صميما فى قلبه وفى غرائزه ، وفى اللقانة التى أكسبته إياها القرون ، مع فارق واحد ، وهو أن إحساسه كان يستند إلى إرادة صلبة ، وإلى شجاعة لا مثيل لها ، وإلى ذكاء عبقرى جعل الاحساس واضحا فى نفسه فى صور ناطقة مبينة ، يترجم عنها لسان فصيح من ورائه جنان ثابت لا يتزعزع .

فإذا أراد مؤرخ أن يصف نفسية شعب مصر فى مطلع القرن العشرين لم يجد خيرا من أن يدرس نفسية سعد العظيم ، وإذا أراد كاتب أن يترجم لسعد العظيم ، ويحلل شخصيته ، فلن يجد خيرا من أن يصوره المثل الأسمى لما فى الطبع المصرى من صفات .

اشترك في نشرتنا البريدية