عنوان ارتحت إلى ما يتضمن من ازدواج وما يؤدى إليه من لبس : فلقارئ طموح أن يفهم الموضوع على أنه محاولة لتحليل هذا البطل على ضوء الأحكام القضائية التى أصدرها أو اشترك فى إصدارها ، ولقارئ أقل طماحا أن ينتظر مجرد سرد لبعض هذه الاحكام ؛ فالعنوان خليق أن يكون عند الأول " سعد زغلول : تعيين النسبة بين شخصيته وأقضيته ومحاولة تصويره منها " ، وخليق أن يكون عند الثانى " من أقضية سعد زغلول " .
وإنما كان ارتياحى إلى العنوان بحالته لأنه توفيق بين الأمل الرحب والواقع الضيق ، وإرضاء لغاية طماحة لم تسعفها الظروف .
لقد أردت الأمر الأول ، واستقر فى نفسى أن الموضوع على هذا الوجه طريف وخليق بدرس علمى دقيق ، بل سمت همة آمالى إلى فوق هذا ، فتمنيت لو ينهض بهذا الدرس من يتقدم به رسالة إلى بعض كليات جامعة فؤاد الأول التى لا يجحد خصم ولا صديق فضل سعد عليها فى منشأ أمرها .
ذلك ما أردته ، ولكن أين ما نستطيع مما نريد ؟ إنما كان التفكير قبل يوم الذكرى بنحو شهر ، فقرأت المنشور من الأحكام التى اشترك سعد فى الهيئات المصدرة لها ، ولكن بحثا جديرا بهذا الوصف لا يجوز أن يجتزئ بالمنشور عن غيره ، لاعتبارات : من أهمها أن مجموعات الأحكام إنما تحفل بما يتضمن مبدأ قانونيا ؛ وهكذا تغيب هنا صفحة "القاضى الموضوعى " قاضى
الظروف والوقائع والنفسيات والتقديرات ؛ هذا إلى أن سعدا فى هذه الأحكام لم يكن إلا واحدا من ثلاثة فى دائرة الاستئناف ، أو واحدا من خمسة ( ومن سبعة ذات مرة ) فى هيئة النقض الجنائى . رأس سعد بك زغلول هيئة النقض حين أصدرت هذا الحكم ، ورأس سعد بك زغلول دائرة الاستئناف التى أصدرت ذلك الحكم ، وجلس سعد بك زغلول عضوا ثانيا أو ثالثا أو رابعا أو خامسا أو سابعا فى أحكام أخرى صدرت عن هذه الهيئة وتلك ؛ وجلس سعد أفندى زغلول " نائب القاضى" عضوا أخيرا فى هيئة النقض قبل أن يكون قاضيا وقبل أن يكون مستشارا ؛ ولكنى لم أجد حكما واحدا أو قرارا واحدا أصدره سعد زغلول بوصفه قاضيا فردا ، فبأى حق وبأى دقة تحمل هذه الأحكام المشتركة على سعد ؟ علينا إذا أن نلتمس فى أضابير العدل ومحفوظات المحاكم أصول تلك القضايا لنرى بخط من كتبت تلك الأحكام بالقلم الرصاص ؛ ولن نقنع أن نظفر بذلك ، فان تحرير الحكم قد يقوم به عضو كان قبل المداولة يتجه اتجاها آخر ، أو كان يتجه عين الاتجاه ؛ ولكنه سمع من زملائه فكرة أضافها إلى فكره وسجلها في أسباب حكمه ؛ بل لعله أن يحشر فى الحكم بعد الفراغ من تحريره عبارات جديدة يطلب زملاؤه إضافتها إلى ما أسمعهم ؛ وهكذا يظل الشك قائما لا يخول باحثا محققا أن يقول : هذا من عند صاحبى وهذا من عند غيره . فأين يلتمس مواده الخامة ؟
ولكن سعدا لم يكن مجرد قاض ، بل رجلا عمل قبل ولاية القضاء ، وعمل بعد تركه فى ميادين متعددة المناحى ، وهو قد درس ألوانا من الدرس معروفة لنا ، وهو صاحب دعوات ملأت آذان أجيال ، وهو شخصية جبارة عاتية من عناصرها قوة الحجة ، وبراعة الاقناع ، ومن صفائها الشغف بالانتصار ، والحرص على أن يأخذ
الغير بما ارتأت من رأى ونهجت من طريق ؛ ثم هو فى محاماته وفى زعامته قد كتب مذكرات وبيانات وبحوثا لا شك فى ثبوتها له ، فهى " أوراق رسمية المضاهاة " , نستطيع أن نعرض عليها هذه الأحكام .
أليست هذه أضواء كافية تطوع لنا أن نقول : ترجح ؟ لا أدري . فلنرجئ الحكم ريثما نستعرض هذه الأحكام :
١ - ثورة المصلح وغيرة العادل
للقاضى فى يقينى مهمة اجتماعية سامية يستطيع أن يؤديها فى حدود وظيفته القضائية ، دون اقتيات على سلطة التشريع ، ودون خروج عن دوره الذى نيط به . والقاضى المصرى ليس بمحجور عليه فى أن يطبق قواعد العدل والانصاف حين لا يجد النص أو يجده غامضا أو غير كاف ؛ ولكنه قد يجد ضيفا فى النصوص المفروضة عليه ، ويراها من الوضوح والاستقرار بحيث لا يستطيع أن يجمع بين إرضائها وإرضاء العدالة والمصلحة الاجتماعية ؛ فى مثل هذه الحالة لا تطمع من القاضى إلا فى شيء واحد؛ لا تريده على أن يهمل القانون ليرضى العدل والمصالح المرسلة ، ولكنا نسأله أن يكتب على الورق ما يختلج فى ضميره ، ويلخص فى " حيثياته " هذا الحوار الذى دار ، أو اشتجر فى نفسه ، قبل أن ينتهى إلى قضائه . نسأله - أو قل نستأدبه - أن يفصل الموضوع ويعرضه على حكم النص ؛ ثم يصارحنا بأن هذا النص قد خلق عاجزا - أو أصبح بتغير الظروف عاجزا - عن أن يواجه مشكلات الناس ، فيفصل فيها فصلا ينطوى على العدل ويوفر المصلحة الاجتماعية ؛ ولكن القانون هو القانون ، والقاضى هو القاضى ، فعليه إذا أن يمضى النص ليرضى ذمته القضائية ؛ ثم يصحر برأيه فيه ، ويدعو المشرع إلى تعديله ؛ فيبرئ بهذا ذمته الاجتماعية .
وفى أحوال أخرى لا يكون على القاضى ليؤدى دوره الاجتماعى الارشادى إلا أن يتوجه فى أسبابه بملاحظة أو نصيحة ؛ إن النص معه وفيه غناء العدل ، وفيه رضاء المصلحة الاجتماعية ؛ ولكن الحكم الجاف ، أو البارد ، يذهب غير مسموع كصوت أجش ليس فيه معنى من غلظة مؤدبة ، أو رحمة راشدة موحية ، وليس فيه درس رحيب الأفق لهذا الأمر الذى أثارته قضية سويلم بن سالم ، وهو مع ذلك أمر هذه الأمة أو هذه الطائفة أو هذه الجماعة ، أو هذا الخلق وهذه الظاهرة .
ترى أكمل قاض صالح لأن يفعل هذا ؟ كلا ، من أسف . إذا فهل يفعله كل قاض صالح لفعله ؟ كلا ، مع الأسف الشديد .
فى القضاة جنود مجهولون ، وفى أحكامهم مفاخر معلومة ومجهولة ، وقضائنا فى مجموعهم مفخرة قومية ، ولكن القاضى - فيما يظهر على الأقل - شديد التضييق على نفسه فى هذه الناحية كانما يحسبها متعارضة مع طبيعة عمله ؛ ومن يدرى ؟ لعل وراءه من الرؤساء من يقيد عليه هذه " الأوابد " , ولعل الاحصاآت الحسابية التى تدور حول نسبة الفصل فى القضايا أو" الخلاص " منها واقفة بالمرصاد . فعلينا إذا أن نترك القاضى الجزئى وأن نترك المحاكم الكلية فى " رولاتها " الفضفاضة لنلتمس بعض ما تريد فى أحكام قليلة نادرة كهذه التى أصدرها الأستاذ عبد العزيز باشا فهمى ، فخاطب فيها المشرع حينا ، وخاطب فيها المنفذ حينا ، وفزع فيها حينا ثالثا إلى المعايير الخلقية العامة .
* * * إن تكن هذا شكوانا اليوم ، وقد دببنا فى الثلث الثانى لهذا القرن وأوشكنا أن نودع من ثلثه ثلثه ،
فكيف كانت حالنا فى أواخر القرن الماضى ومطلع هذا القرن الحاضر ، فى الفترة الفضائية من حياة سعد زغلول بين عامى ١٨٩٢ و ١٩٠٦ ؟
ليس لنا أن نزعم أنا فتشنا فى أحكام ذلك العهد فلم نجد رضاءنا ، بل ليس لنا أن نرجح اعتباطا أن الموازنة الدقيقة بين ذلك العهد وعهدنا تخرج هذا الأخير أدنى إلى ما نبغى ؛ ولكنا نستطيع أن نقرر مطمئنين أن طبيعة سعد زغلول ما كانت لتسمح له أن يلتمس السلامة ، فيتجنب فى أحكامه مثل ما تدعو إليه . فإذا صادقنا حكما أو اثنين صدرا عن هيئة يرأسها ، وزامله فيها رجلان لم يعرفا بنزعة ثورية ، ولم يشغلا نفسها بدعوة عامة إلى إصلاح اجتماعى أو تشريعى ، فهل نكون مغالين كثيرا لو قلنا : " هذه إصبع سعد زغلول " ، حتى قبل أن نقرأ خط يمينه بالقلم الرصاص على مسودة الحكم !
لتنظر إلي هذه الحيثية : " من حيث إن الدفع بكون ورثة الناظر على وقف لا يلزمون بتقديم حساب عن مدة نظارته إذا مات مجهلا ، لا يمكن قبوله لأن إجهال المورث تقصير لا يمكن أن يتحمل تبعته غير تركته ، وإذا صح هذا المبدأ يكون حملا للخونة من النظار على الغدر بالأوقاف التى تكون تحت نظارتهم ، وإرشادا لهم للتخلص من عواقب غدرهم بواسطة الاجهال ، ولا يصح لشريعة تحترم الوقف وتحافظ عليه أن تقرر
مبدأ مثل ذلك " . ( محكمة استئناف مصر العليا فى ١٦ مايو ١٩٠٥ - دائرة سعد بك زغلول وأحمد بك زيور وأحمد بك طلعت - مجلة الحقوق س ٢٠ ص ٢٨١ ) .
حيثية قصيرة بدت فيها ثورة عارمة ، بدت فيها شخصية المصلح الاجتماعى الذى لا يخاطب خصمين فى قضية ، وإنما يخاطب كتلة النظار ومجموع القضاة وهيئات التشريع ؛ وهذا المصلح " الشامل " يرعى مصلحة المستحقين ، ولكنه لا ينسى مصلحة النظار أنفسهم حتى
إبان سخطه عليهم ؛ فهو ينبههم إلى أن " الإجهال " تقصير يؤذى ورثتهم أنفسهم ، فيتحملون تبعته ؛ وهكذا يفهمهم إلى أن يضبطوا حساباتهم ، وألا يعرضوا أنفسهم وذريتهم والمستحقين لأن يموتوا مجهلين ، أى غير مبينين ما أنفقوا على الوقف ، وما قبضوا من غلته ، وما أدوا إلى المستحقين وما فضل لهم .
ولكن . . ما القول فى هذه القاعدة الشرعية التى تضمنها " قانون العدل والانصاف " ؟ ما بال الحكم لا يعارضها بقول فقهى آخر ؟ أتراه يئس من أن يجد فى " أرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة " ما يدفعها به ؟ أم تراها كبرياء الرجل وشدة اقتناعه بالرأى ، وغيرته على الحق ، وشعوره باساءة استغلال النظار لقواعد كانت لها مسوغاتها العادلة فى مجتمع أدنى إلى طهر الذمة من هذا المجتمع ؟
لو غير سعد لأخذ القاعدة الشرعية بشئ من الملاينة والتحليل ، ولكن سعدا ثار بها كما يثور بظلم صارخ ، وخاطبها بأسلوب الخطيب المتحمس كما يخاطب ظالما فى قول غليظ ، وكأنه يقرر فى لهجة عصبية : " لن أطبق هذه القاعدة ولو لم أجد عند الفقهاء غيرها ، لأن الشريعة
لا يمكن أن تكون قد أرادتها " ، وإلا فما باله وقف عند هذه الغاية وهو الذى سنرى فى أحكامه نشاط الباحث الدائب ومراجعة الأزهرى المتفقه فى مثل ابن عابدين ( ١ ) .
ولننتقل إلى حكم آخر أصدرته عين الهيئة مشكلة عين التشكيل فى عين الجلسة .
كان الخصم الذى أدانته دائرة سعد زغلول جهة حكومية " تفتيش رى الإسكندرية " لأن أحد مهندسيه هدم " بربخا " لأحد الأفراد بغير أن يسلك إلى ذلك الإجراآت الادارية المعينة فى اللائحة ( لم تتكلم اللائحة عن حالة هدم البربخ وإنما تكلمت عن تضييقه فقط ) . دفعت الحكومة دعوى التعويض بالمادة ٧ من الأمر العالى الصادر فى ٢٢ فبرار سنة ١٨٩٤ التى تقضى بعدم مسئولية الحكومة عن أى ضرر ينشأ بسبب أعمال مصلحة الرى . فماذا قالت المحكمة ؟ لنسمع :
" وحيث أن المادة السابعة منها قضت حقيقة بعدم مسئولية الحكومة عن الضرر الذى ينشأ عن أعمال تفتيش الرى ، غير أنه لا يمكن أن يكون المراد بهذه الأعمال الإجراءات الاستبدادية المخالفة للعدل والقانون ، والمضرة بحقوق الأفراد ، وليست فيها مصلحة عامة للناس ، لأن ذلك لا ينطبق بوجه من الوجوه على مبدأ الحكومات العادلة ،
ولا يصح أن تتضمنه شرائعها " ( المجموعة الرسمية السنة السادسة ص ٢٤٦ ) .
إننا نقابل هنا القاضى الذى يحسن تفسير القانون وتطبيقه ، ويحكم القياس فلا يختل فى يده : يرى قيودا مفروضا اتخاذها إذا شاءت الحكومة " تضييق " برخ ، ويرى الشرع قد أغفل الكلام عما يكون حين لا يراد التضييق فحسب ، وإنما تراد " الإزالة " التامة ، فلا يتردد القاضى فى الأخذ بقياس الأولوية ويقرر - مصيبا بغير شك وفى حدود ولايته - أن ما قرره الشارع ضمانة للناس فى حالة التضييق مطلوب من باب أولى فى حالة الازالة .
ولكنا لا نقابل فى هذا الحكم قاضيا يحسن التطبيق والقياس فقط ، وإما يقابلنا الثائر والمصلح والمفكر التشريعى ذو النظرة الشاملة ، الذى لا ينسى فى ثورته قواعد الضبط والاعتدال ، فيرد بين عباراته هذا التحفظ : " وليست فيها مصلحة عامة للناس "، كأنما يريد أن يقيد المصلحة الفردية بالمصلحة الاجتماعية .
وفى هذا الحكم نرى الأسلوب العصبى الذى رأيناه فى الحكم السابق ؛ فهو ينزه الحكومات العادلة عن أن تتضمن شرائعها مثل هذه المادة مفسرة التفسير الحكومى . ولعله يقول دون أن يفصح : لئن كان هذا التفسير الذى تريده مصلحة الرى خطأ فلا محل له ، ولئن يكن صوابا فان المحكمة لتتحلل من ذلك النص وتأبى إعماله .
من كلمات سعد المأثورة
يجب أن ننقاد للقانون وألا نعتبر الانقياد له مهانة ومذلة بل عزا وشرفا .
أتقبل والسرور يملأ جوانحى أن أكون على رأس أمة لا تساق سوق الأنعام ، ولكنها تسير خلف المبادئ لا الأشخاص .

