الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 320الرجوع إلى "الرسالة"

سعد وسعاد

Share

في أول كلمة كتبها شيخنا الجليل عبد المتعال الصعيدي،  كان مثار الاضطراب عنده في القصة أن سعداً ذهب يبث شكواه  إلى الخليفة مروان والخليفة معاوية في وقت واحد. وإنما سبق  ذلك إلى ذهنه لأنه مر بالقصة خفيفاً فجعل   (مروان)  بدلاً  من الخليفة في هذه الجملة   (والى تلك الجهة الأموي المفتون المدل  بمكانه من قريش ومكانه من الخليفة، مروان بن الحكم)  مع أن  سياقه القصة وما تقدم هذه الجملة من كلام لا يجعل مجالاً للشك  في أن المراد بالخليفة: معاوية وبالوالي: مروان. هذا إلى أني  أعتقد أن مكانتي عند العلامة الصديق لا تتدلى إلى قرار أجهل  الفرق معه بين عهد مروان وعهد معاوية وهو لا يسع أن يجهله  تلاميذنا في المدارس الابتدائية

وقد أردت أن أمهد العذر للأستاذ الكبير فيما ذهب إليه،  لأن إغضاب جملة في مرضاة صديق ليس بالشيء الجلل، فقلت  لعل طول الجملة ألقى عليها ظلاً من الغموض، قلت ذلك وأنا أعتقد  أني ظالم لها، فليس فيها غموض ولا إبهام ولا تحتمل غير ما أراده  منها كاتبها وغير ما فهمه القراء

ثم كان أن ظهر الشطر الثاني من القصة ووضح منه   (أن المدل  بمكانه من الخليفة)  ليس إلا الوالي مروان بن الحكم، وكان ذلك  جديراً أن يرفع هذا الاضطراب - إن صح وجوده - لأن  الاضطراب كما يعرف العالم لم يتعد منطقة   (دانزيج)  إلى الآن،  ولكن العلامة الصديق عاد فقرر في كلمته الثانية أن الاضطراب  لم يرتفع بل ازداد، ومعنى ذلك: أنه لا بد من وجود الاضطراب

سواء أكان مروان مشكواً منه أو مشكواً إليه! غير أن شيخنا  وقد ظهرت له براءة الجملة مما رميت به رأى أن ينقل الاضطراب  - بزكانته التي أعرفها له - إلى القصة نفسها، فرماها بالوضع  كأن كل قصة موضوعة يجب أن تكون مضطربة! ولو أخذنا  بهذا المنطق لحق العفاء على كل ثمرات الخيال

أما إن القصة موضوعة فقد أبنت رأيي فيها مع الحذر والحيطة،  ولا يسعني إلا أن أحمد الله على أن فراستي لم تخني كما حمده الأستاذ  الصديق، فقد ألقى في روعي أنه سيتدرج من رمي الجملة بالاضطراب  إلى رمي القصة بالوضع، فبادرت بإعلان رأيي مقدماً لأوفر عليه  العناء، ولكنه كما لم ينتظر الشطر الثاني من القصة ليتثبت من  وجود الاضطراب، لم يتريث حتى يقرأ ردي على كلمته ليعرف  رأيي في القصة

والآن أود أن يتسع صدره للنقاش فيما يلي: ١ -  رجح أن الوالي الظالم ابن أم الحكم، لا مروان  ابن الحكم أخذاً برواية داود الأنطاكي في تزيين الأسواق.  ويظهر أن أستاذنا الفاضل يقيم لهذا الكتاب وزناً كبيراً،  بدليل استقائه منه جل ما كتبه عن   (بني عذرة)  وأن مثله  كثيراً ما أعتمد عليه بل أني أحفظ أغلب أشعاره؛ ولكن  رأيي أن الشيخ داود الأنطاكي كان في تصنيفه لهذا الكتاب  كحاطب ليل، وقد تكون ثقة ثبتاً عند الشيخ الفاضل، ولكنه  ليس أوثق عندي من شهاب الدين النويري ولا من الإمام  ابن الجوزي راوي قصة سعاد كما فصلتها

٢ -  يستبعد شيخنا أن يقع هذا الظلم من مروان بن الحكم  وهو يعرف أنه كان مستشاراً لعثمان   (رضي الله عنه)  ففرق جماعة  المسلمين! وكتب عن لسان الخليفة كتاباً مزوراً إلى والي مصر  لولا انكشاف أمره لأريقت دماء بريئة! ويعرف أنه في موقعة  الجمل تغفل طلحة وهو من أنصاره فرماه بسهم في أكحله أودي  بحياته! فأين يقع اغتصاب سعاد من هذه الأفاعيل؟! ثم أين  هو الاغتصاب؟ ألم يُملق سعد، وعجز أن يَمُون زوجته؟  والفتيا على أن إعسار الزوج سبب من أسباب الفرقة. ثم ألم  يطلقها سعد على كل حال   (وإن كان مكرهاً)  وإذا صح أن الخلافة  تثبت بالتغلب أفلا تثبت الزوجية؟ ثم ألم يتزوجها مروان بعد  انقضاء العدة واستبراء الرحم على سنة الله ورسوله؟ فهذا الزواج  لا ينافي الحِلَّ وإن باين التديَّن والورع ومكارم الأخلاق،  ومروان ليس بمعصوم من النزوات

٣ -  لست أنكر أن     (مروان)   من زعماء بني أمية،  ولكن أيظن شيخنا أن معاوية يغمض عن هفواته رعاية لهذه  القرابة؟ وهو عاهل العرب الذي كان يتألفهم بسياسته الحازمة  الرفيقة الصارمة، وهو خليفة المسلمين المسئول عن أبشارهم  وأعراضهم وأموالهم. أيخشى معاوية أن يحاسب     (مروان)    على ذنب اجترحه وهو الذي بلغ من شكيمته أن ينازع عليًّا  الخلافة. على قرابته وسابقته وفضله - ومن مروان إذا قيس  بمعاوية؟ ألم يَعِده لأن يعهد إليه بالخلافة بعد يزيد فلم يف له  بذلك ولم يقف عند هذا الحد فعزله عن ولاية المدينة؟ ثم ما هي  الذلة التي ضربت على مروان في هذه القضية؟ أيكون ذليلاً لأنه  ثاب إلى رشده واستجاب لداعي الحق ونزل على حكم الخليفة؟  وهل كان ينتظر منه أن يبسط لساناً أو يسل سيفاً والذنوب  تخرس الألسنة وتغمد السيوف؟

٤ -  حكم شخنا بأن القصة ضعيفة في سبكها وشعرها،  وأنا أوافقه في ذلك وأخالفه، أوافقه على أن بعض الشعر ضعيف  بل سخيف، وقد أشرت في الهامش إلى أنه قد يكون وضع على  لسان معاوية. وأخالفه في أن سائره جزل قوي محكم، وهو ما قاله  سعد وسعاد أو قيل على لسانهما

أما سبك القصة فهو عمل خالص لي، وليست القصة إلا هيكلا  عظميا كسوته اللحم وأجريت فيه الدم، فإن كان لا يزال مصرا  على أن هذا السبك ضعيف، فلا يسعني إلا أن أحترم رأيه،  ولكن ذلك لا يمنعني أن أقول: إن أدباء القصة لا يتفقون معه  في ذلك، وهم بحمد الله كثير في هذا البلد الأمين

٥ -  بقي أنه يرى أن هذه القصة موضوعة، وأقول: إن  هذا ظن لا يغني من الحق شيئاً! وأبرأ الذمة، وأبعد من الزلل  أن يتابع صديقه الصغير في عدم الجزم بذلك، فراويها الإمام  ابن الجوزي ومنزلته معروفة، ووقائعها ليس فيها ما يهول  ويستغرب. أليست زبدتها أن والياً - وإن كان مروان - أكره  زوجاً معسراً على طلاق امرأته الجميلة ليتزوج بها، وأن الخليفة  رد الحق إلى نصابه، وأي عجب عاجب في أن يحدث هذا؟ هذا ما عنّ لي فيما كتبه شيخنا الفاضل. . . والسلام عليه  ورحمة الله وبركاته

اشترك في نشرتنا البريدية