] ننظر ابتداء من هذا العدد ، القصة التى فازت بالجائزة الأولى للمباراة التى نظمتها الهيئة لنيل جائزة صاحبة البصمة السيدة قوت القلوب الدمرداشية ، وهى قصة عربية اختار موضوعها من التاريخ الاسلامى ، واستوحى فكرتها مما جاء بكتابى الأغانى لأبى الفرج وحديث الأربعاء للدكتور طه حسين بك ، هى قصة سلامة جارية ابن سهيل ، وعبد الرحمن ابن عبد الله بن أبي عمار - وسيرى القارئ من طرافة موضوع القصة وبراعة أسلوب الكاتب وحسن توفيقه - فضلا عن الناحية التاريخية _ ما يدفعه إلى الإعجاب بالقصة وإلى الاعتراف بما قالت من تقدير [
الفصل الأول
استيقظ عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى عمار فى الهزيع الأخير من الليل على صوت الأذان الأول لصلاة الصبح فنهض عن فراشه ، وفتح كوة من كوى غرفته فأطل منها على الفضاء المنبسط أمامه ، وقد اشتملت أفاضيه بالظلام السابغ ، وبقيت تختلج فى أدانيه ، وعلى رءوس التلال البعيدة من الجانب الآخر ، وعلى أعالى قصور مكة البيضاء عن يمينه وشماله ، أطياف من ضياء القمر الغارب فى الأفق .
وشعر عبد الرحمن بتيار من ريح الشتاء البليلة يتسرب إلى الغرفة ، فأصلح جيب قميصه وتناول رداءه فلفه حول عنقه وأرخى طرفيه على صدره ، فأحس بدفء لذيذ أغراه بالعودة إلى فراشه ربما يطلع الفجر الاول ؛ ولكنه لم يكد يفعل ذلك حتى أحس بالنعاس يداعب جفنيه ، وأيقن أنه سينتهى به إلى سبات عميق قد يفوت عليه صلاة الجماعة فى المسجد ، وتذكر أيضا انه لم يكمل تلك الليلة حزبه من القرآن ، فاستعاذ بالله من الشيطان ورمى لحافه عنه بقوة ، وقام إلى الميضأة فتطهر وتوضأ ، ورجع إلى الغرفة ينتقض من البرد ، فأماط فراشه عن الحصير فوقف عليه وصلى ركعتى الوضوء ، فلما أتم صلاته كان أول خاطر هجم عليه أن تذكر أمه العجوز البرة التى
كانت تعنى بأمر صلاته وقيامه ، فكان ينام كما يشاء مطمئنا إلى إيقاظها إياه فى الوقت المطلوب .
وكانت أم عبد الرحمن إمرأة صالحة ، ربته منذ صغره على التقوى والعبادة ، وزرعت فى قلبه حب الفقه فى الدين ؛ وكانت تكفيه هموم عيشه ، وتقوم بتدبير المال الذى تركه أبوه لهما ، إذ مات ولما يبلغ عبد الرحمن الثانية من عمره ، فتولت تربيته ، وسلمته لأحد أقاربها فحفظ عنه القرآن قبل العاشرة ، وحببت إليه المسجد الحرام ، فكان يعتكف فيه أغلب الأيام يروى من علماء الحديث ، ويتلقى منهم الفقه ، ولا يرجع إلى بيته فى أطراف مكة إلا آخر النهار ، فيجلس إلى أمه يدارسها القرآن , ويذاكرها الحديث
كان همها منذ توفى زوجها أن ينشأ ابنها الوحيد عالما فقيها كسميد بن المسبب ، أو كعطاء بن أبى رباح ؛ وكانت تدعو الله فى صلاتها أن يحقق لها هذا الأمل ، فاستجاب الله دعوتها ، فلم تمت حتى رأت ابنها الشاب مضرب المثل بمكة فى فقهه وعبادته ، حتى لقبه أهل مكة القس ، وغلب عليه هذا اللقب حتى كاد لا يعرف إلا به . وكان اسم عبد الرحمن القس عنوانا للشاب الظطهر العفيف النائى فى عبادة الله ، الملازم للمسجد ، الفقيه فى الدين ، وكان الشيوخ والكهول يروون عنه الحديث ولا يجدون حرجا
فى استفتائه ، وتلقى العلم عنه . واشتهر أمره ، فلم يكن من بيت بمكة لم يسمع به ، حتى كانت المرأة من نسائها تعلل ابنها الرضيع بأن ينشأ نشأة القس ، وكان الرجل يتمنى على الله لو رزقه ولدا مثله .
تذكر عبد الرحمن أمه الصالحة ، وتذكر حسن تربيتها له وقيامها عليه ، وكفايتها إياه هموم العيش ليتفرغ للعبادة والعلم ؛ فعاوده الحنين إليها واشتد به الحزن عليها ، وكان قد خف عنه ذلك بعد ما انصرم على وفاتها عام قضاه عبد الرحمن فى أشد الحزن وأمض الذكرى ، حتى اعتلت صحته وساء حاله ، ولكنه كان يأخذ نفسه بالصبر والرضا بقضاء الله ، ويلجأ إلى الصلاة والعبادة كلما طاف طائف من اللوعة والبث ، مكتفيا بالدعاء لها والترحم عليها . وكان فى ذلك يعمل جهده بوصيتها له ، وهى تحتضر إذ قالت له فى سكرات الموت :
- أستودعك الله يا عبد الرحمن . لا أراك تجزع لموتى ، وتنسى الأنس بالله .
ولكن عبد الرحمن كان رقيق القلب دقيق الحس ، فلم يفلح فى اجتاث الاسى واقتلاع الحزن على أمه من قلبه ، فظل يعاوده الفينة بعد الأخرى ؛ على أنه كان لا يفتأ يجاهد نفسه على العمل بوصية أمه ، وكان يجد فى العبادة أكبر عون له على تناسى آلامه ، لولا أن هذه العبادة كانت كثيرا ما تثير شجونه لاقتران أسبابها بذكريات امه التى كانت توقظه فى الساعة المطلوبة من الليل ، وتقرب له الوضوء وتتهجد معه ، حتى إذا دنا وقت الصلاة نبهته للخروج إلى المسجد ، وشيمته إلى الباب بعد ما زودته بشئ من التمر والقديد ، يتبلغ به فى المسجد إذا هو نوى الاعتكاف فيه ، أو يفطر عليه إذا كان صائما .
استرسل عبد الرحمن كذلك فى ذكريات أمه ، ولكنه ذكر مرة أخرى ما لم يكمله تلك الليلة من حزبه القرآنى ،
وكان عليه أن يكمله قبل خروجه إلى المسجد ، فاقتلع نفسه من تلك الذكريات العارضة ، بعد ان دعا لأمه وترحم عليها ، ومسح بردائه عبرة كانت تترقرق فى عينيه ؛ ثم طفق يقرأ القرآن بصوته الحنون الحزين . وكان إذا قرأ القرآن استغرق فيه ونسى ما حوله ، حتى إنه كان لا ينتبه لمرور الوقت إلا بما يأتى عليه من أجزاء القرآن ، أو يتمه من سوره ، فيعرف الوقت بذلك . ولكن استرساله فى ذكرياته تلك الليلة قد أخذ جزءا غير قليل من وقته ، فأخطأ فى تقديره ، فما نبهه إلى ذلك إلا خفق النعال فى الشارع ، فعرف من ذلك أن جيرانه فى تلك الحلة قد أخذوا يتوجهون إلى المسجد لشهود صلاة الصبح .
وكان من عادته أن يخرج قبل هؤلاء ، فنهض قبل أن يتم حزبه من القرآن ، وفتح الكوة مرة أخرى ، فرأى نور الفجر قد انتشر فى الأفق ، فارتدى ثيابه ولبس خفيه وألقى على كتفيه عباءته البيضاء ، وتناول رداءه من الكتان الأبيض فأداره ثم كوره على رأسه ، وخرج مسرعا يقرع الدرج بخفيه ، حتى انتهى إلى الباب ففتحه فخرج ، ثم أغلقه وانتزع إقليده من الفتحة الصغيرة التى على جانب الباب فغرزه في وسطه ، ومضى منطلقا فى طريقه إلى المسجد وهو يقرأ ما بقى عليه من حزبه .
سار عبد الرحمن يهب الأرض بخطواته الواسعة السريعة لا يلوى علي شئ ، فسبق كثيرا من الرجال الذاهبين إلى الصلاة من شباب وكهول يمشون بقوة ، وشيوخ كبار يخطون الأرض خطا ، فخلفهم جميعا وراءه ، فقد كان - على ما ألم به من الحزن لوفاة أمه واعتلال صحته لذلك - قوى البنية ، شديد الأمر ، نشيط الحركة ، فلما دنا من المسجد رأى الناس يدخلون إليه افواجا من أبوابه المختلفة ، فدخل هو من أحدها ؛ وبينا هو فى طريقه قاصدا جهة الكعبة ، إذ لمح على مقربة منه شيخا
هرما قد قارب الثمانين من عمره ، يدب دبيبا إلى جهة الكعبة . وقد تقوس ظهره وتهدل جفناه على عينه ، فدنا منه عبد الرحمن وحياه قائلا : - السلام عليك يا أبا الوفاء .
فرد الشيخ السلام ، ورفع رأسه فى شئ من الجهد ، فظهر واضحا وجهه ذو التجاعيد وحاجباه الأبيضان ولحيته البيضاء الضارية فى صدره وجنته المرسلة إلى شحمتى أذنيه تطل أطرافها من تحت عمامته الخضراء كأنها القافية ؛ فلما رأى عبد الرحمن لمعت عيناه ببريق الفرح ، حتى كأن شبابه الماضى كله قد عاد إليه متجمعا فى عينيه ، وقال :
- مرحبا بابن أبى عمار . . . أهلا بك يا بنى . . . أين كنت أمس فقد بحثت عنك فلم أجدك ؟ . . إنى أريدك فى أمر جلل !
فأجابه عبد الرحمن قائلا : - خبرا يا عم . قال الشيخ : - سأحدثك به بعد الصلاة ، فلا تنصرف حتى أراك : فقال عبد الرحمن : - سمعا . يا أبا الوفاء .
ونظر إلى وجه الشيخ كمن يحاول أن يعرف ما ذلك الأمر الجلل الذى يريد الشيخ أن يتحدث إليه فيه ، ولكن الشيخ لم يمهله أن قال له : - انتطرنى عند حلقة الدرس .
ومضى فى سبيله إلى حيث يأخذ مكانه فى الصلاة ، وكذلك فعل عبد الرحمن .

