شخصية غريبة كانت فى مصر فى عهد الدولة الاخشيدية قبل بناء القاهرة, وكان يدوي اسمها فى الفسطاط والقطائع وما بينهما قبيل مجيء الفاطميين, كانت شخصية ترهب وتحب, ويضحك منها, ويعتبر بها, إن شئت علما فعالم. أو شعرا فشاعر, أو أدبا فأديب, أو وعظا فواعظ, أو فكاهة ففكه, أو نقدا مقذعا فناقد, أو جنونا فمجنون.
ولد بمصر سنة ٢٨٤ هـ وعاش أربعا وسبعين سنة وأتقن النحو حتى لقب بسيبويه
ألطف ما فيه لوثة (لحسة) كانت بعقله, هى سر عظمته فقد جرأ على ما لم يجرؤ عليه أحد فى عصره, كان معتزليا يقف فى المسجد وفي الشارع فيصرح بآرائه فى الاعتزال, ويصيح بأن القرآن مخلوق فيقولون مجنون. ويتركونه يقول ما شاء حيث لا يقول أحد شيئا من ذلك الا همسا أو من وراء حجاب, ويتعرض للناس بالقول اللاذع سواء فى ذلك كافور الإخشيد أو وزيره, أو العلماء أو التجار, فيتضاحكون منه ويتقون لسانه ببره والإهداء اليه, سرا وجهرا.
كانت نوادره كثيرة , تتلقفها الألسن , ويتناقلها الرواة, فتشيع فى الناس و تكون سلوتهم ومثار ضحكهم
وقديما عرف المصريون بالفكاهة الحلوة و النادرة اللطيفة
كما عرفوا بالأعجاب بها والجد فى طلبها والامعان فى الضحك منها
من أجل هذا ألف ابن زولاق المصرى كتابه اللطيف وفى نوادر سيبويه , لم يذكر فيه الا قليلا عن عليه ولم يذكر شيئا عن نحوه ولا عن جده ,وانما ملأه كله بفكاهته ولوثته
حذا ابن زولاق هذا حذو مؤلفى العراق فى تدوين حوادث ظرفاء الممرورين. وابن زولاق نفسه يقول (لو كان سيبويه بالعراق لجمع كلامه, ونقلت ألفاظه, ولو عرف المصريون قدره لجمعوا عنه أكثر مما حفظوه) .
عرف منذ شب بهذه اللوثة, تظهر فى حركاته ورمش عينه, وزادت بترديه فى بئر أمام بيته, وتهيج أحيانا فيطرح ثيابه ويمشي عريان فى الطريق على عورته خرقة, وعلى أكتافه خرقة, وبيده عصا ومصحف ويروح إلى الجامع وهو على هذا الشكل يعظ ويتزهد, وأحيانا تهدأ ثائرته فينادم الأمراء والوزراء ويعجبون بلطفه وظرفه, وتقول زوجه انه انما كان يهيج إذا لم يأكل اللحم والدسم فاذا أكلهما هدأ.
قلت ان لوثته سر عظمته, فاذا هو هدأ سكت ولكنه اذا هاج أتى بالنوادر الطريفة والكلم السيار, ولذلك قالوا فيه أنه (إذا لم يكن له من يهيجه لم يخرج علمه) .
سب مرة خازن الاخشيد أو وزير ماليته فأخذه وعذبه ثم أطلقه وأجرى عليه الرزق فكان الصبيان أحيانا اذا رأوه يتصايحون (يا خازن اخرج عليه) فيهيج ما به وينطق بالقول اللطيف.
كان يقول القول عل سجيته لا يرهب أحدا, قد أدخل مرة مستشفى المجاذيب ثم أخرجه كافور الإخشيد, فلما مثل بين يديه قال له سيبويه (ما مثلك يصطنع بعشرين ألف دينار ولا بثلاثين ألفا إذا كنت عادلا, فأما إذا كنت جائرا فأسود بعشرة دنانير يقوم مقامك)
وكان أكثر قوله سجعا , ومن ثم كان أكثر دورانا على الألسنة وأسهل حفظا
لقى المحتسب وبين يديه أجراسه فقال: (ما هذه الأجراس يا أنجاس, والله ما ثم حق أقمتوه, ولا سعرا أصلحتموه,
ولا جان دبتموه, ولا ذو حسب وقرتموه, وما هى إلا أجراس تسمع, لباطل يوضع, وإقفاء تصفع, وبراطيل تقطع, لا حفظ الله من جعلك محتسبا, ولا رحم لك ولا له أما ولا أبا) .
وكان مخشى اللسان يهرب الوجهاء والأعيان إذا سمعوا صوته من بعيد, حتى لا يقذفهم بقذيفة من لذعاته تسير فى الناس, وكان كافور يعجب كيف يسكت المصريون على سبه ويقول: (سبحان من سلط سيبويه عليكم ينتقم منكم وما تقدرون على الانتصار) .
وما السبب فى هذا الا أنه كان يعمد إلى الرؤساء فيصب عليهم كلماته القارسة تصيب منهم مقتلا, ويسر الشعب من هذا لأنه يعبر عما فى نفوسهم, وينتقم من خصومهم ويجرؤ بجنونه على ما لم يجرؤ عليه عقلاؤهم, وكان يستطيع بلسانه أن يصل إلى ما يتحرج من ذكره المتدينون- لقد كان يوما يؤاكل ابن المادرانى الوزير, وعنده هارون العباسى فقدمت هريسة فقال هارون: أكثر منها ياسيبويه فانها تذهب بالوسواس من رأسك, فكف سيبويه عن الطعام وأخذ يفكر, فقالوا فيم تفكر؟ قال أفكر فى امتناع ابليس من السجود لآدم, والآن ظهر عذره- علم ابليس أن هذا فى صلب آدم فلم يسجد له, ولو عرض على كلاب اليهود أن تسجد لنسمة هذا فى ظهرها ما فعلت. ونحو هذا من أنواع الهجاء القاسى.
وهو مع هذا أديب ظريف له نظرات فى الأدب جميلة يقول: إن أفضل الكلام ما اعتدلت مبانيه, وعذبت معانيه, واستسلس على ألسن ناطقيه, ولم يستأذن على آذان سامعيه.
وقد هجا بعض الناس شيخا من شيوخه فقال سيبويه ما يضر البحر أمسى زاخرا أن رمى فيه صبى بحجر وسمع بيت المتنبى: ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدوا له ما من صداقته بد
فقال هذا كلام فاسد, لان الصداقة ضد العداوة ولو قال:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدوا له ما من مداراته بد لكان أحسن وأجود
وبلغ المتنبى هذا النقد فذهب إلى سيبويه وسمعه منه فتبسم وانصرف, فصاح سيبويه- انبكم! -
ومع هذا فلما سمع قول المتنبى: ما كنت آمل قبل نعشك أن أرى رضوى على أيدي الأنام تسير الخ صاح سيبويه لبيك لبيك! أنا عبد هذه الابيات.
مما يدل على ذوق حسن ونقد صحيح وتقدير للأدب ولقد كان عالى النفس, دقيق الحس, يرى الناس كلهم دونه, فلا يذل لعظيم, ولا يهين لكبير, طلبة أنوجور بن الإخشيد أمير مصر لينادمه, فقال على شرط أن أنزل حيث تنزل, وأركب حيث تركب, وأجلس متكئا, فاجابه الى شرطه.
وكان سيبويه يحدث عظيما فجاء خادم يسر حديثا إلى هذا الجليس فسمع له وقطع الاستماع لسيبويه. فقام سيبويه مغضبا, فسأله إلى أين؟ قال لا تجالس من لا يرى مجالستك رفعة, ولا تحدثن من لا يرى حديثك متعة, ولا تسألن من لا تأمن منعه, ولا تأمرن من لا تأمن طوعه
ولما ماتت أم سيبويه حضر فى جنازتها كل كبير فى مصر الا ابن المادرانى الوزير, وعاد والناس حوله, فأخذ سيبويه يطلق لسانه فى هجاء أبن المادراني, وما نجاه من لسانه إلا أن لقيه فى الطريق يأتى مسرعا ليدرك الجنازة.
على الجملة كان سيبويه طرفة مصر فى عصره, علما وأدبا وفكاهة وجنونا - كان يقوم فيهم مقام العالم والواعظ والأديب, ومقام الجريدة السيارة الناقدة اللإذاعة, وكان منظره بديعا, يدور فى الأسواق على حماره أو حمار غيره, وما أكثر من كان يتقى لسانه بتقديم حماره!
فبحق قال (جوهر الصقلى) لما دخل مصر وذكرت له اخباره (لو أدركته لأهديته إلى مولانا المعز فى جملة الهدية) وبحق لما سمع به (فاتك) ممدوح المتنبى قال: ذكرونى به فلعلى أستدعيه فانه نزهة.

