فى مدينة كلكتا بالهند ولد شاعر الهند الأكبر رابندرانات طاغور عام ١٨٦١ م ، وفى المدينة عينها مات الرجل فى اليوم السابع من شهر أغسطس عام ١٩٤١ م ، بعد ما عاش ثمانين حولا قضى أكثرها فى خدمة العلم والفن والأدب ، وذاع اسمه فى أرجاء العالم طراء
حتى ظفر بجائزة نوبل للآداب ، وهو شرف عظيم لا يناله إلا من كان له فى خدمة الانسانية باع طويل . وقد نقلت مؤلفات هذا الرجل إلى أكثر اللغات ، وانتفع بها عدد من الناس عديد ؛ فبات من حقه على أمم العالم أجمعين أن تذكره بعد موته ، وأن تورث أدبه أبناءها جيلا بعد جيل . وسنحاول فى هذه العجالة القصيرة أن نقدمه إلى القارئ ، وأن نبسط حياته فى كلمة موجزة ، ولعل فى هذا حافزا للناشئة أن تتزود من أدبه ، وللمتأدبين أن ينهلوا من نبعه وفيضه .
ماتت أم الشاعر وهو ما يزال فى المهد صبيا ، وكان أبوه كثير التغيب عن داره ، فحرم طاغور منذ نعومة أظفاره عطف الوالدين وحنان الأبوين ، وعاش أكثر
أيام طفولته وحيدا منعزلا " لا يجد لنفسه عزاء ولا سلوى إلا فى الطبيعة بتدبرها ، وفى خلق الله بتأمله . كتب مرة إلى صديق له يقول : " إن أهم ما يميز طفولتى هو العزلة ، فلقد كان أبى كثير التغيب ، ولم أره إلا لماما ، ولكنه حين يحضر يملأ الدار بوجوده ، فترك فى حياتى أثرا عميقا لا تقوى الأيام على محوه . وماتت أمى وخلفتنى فى رعاية خدمها ، فكنت كثيرا ما آوى سحابة نهارى ، من مطلع الفجر إلى مغيب الشمس ، إلى نافذتى ، وأرسم فى مخيلتى ما كان يجرى فى العالم الخارجى ، فأغرمت بالطبيعة من عهد لا أكاد أذكره . آه ! لقد كان صوابى يطير جنونا حينما كنت أتأمل كسف السحاب يتلو فى السماء بعضها بعضا . فأحسست - حتى فى تلك الأيام الباكرة من حياتى - أن معى رفيقا يلازمنى وزميلا لا يفارقنى ؛ ولقد كان لى أبدا زميلا عطوفا مخلصا ، وإن كنت لم أعرف ماذا أسميه ، وبماذا أناديه . لقد همت بالطبيعة هياما شديدا لا أستطيع أن أعبر لك عنه فى كلمات ، وكانت الطبيعة لى دائما صديقا محبا ، لا تفتأ كل يوم تكشف لى فى هذه الدنيا عن لون من الجمال جديد " .
ولعل فى العبارة الآتية التى ننقلها عن كتابه " ذكريات " ما يتمم صورة عزلته أيام الطفولة التى رسم جانبا منها فى خطابه إلى صديقه ، قال : " كنت كلما أشرق على يوم جديد من أيام الخريف أخف إلى الحديقة فى اللحظة التى أنهض فيها من سباتى ، فيبدو لى كأن عبق الأوراق والحشائش وقد بللها الندى بقطره ، يعانقنى بشغف شديد ، وكأن الفجر - وقد جللت حواشيه بالذهب النضار أشعة الشمس المتيقظة - يطالعنى بوجهه ويحيينى من خلف أوراق النخيل المرتعشة ، كانت الطبيعة لى كالطفل يقابلنى بيد مقبوضة ، ويسألنى كل يوم بثغر باسم : ما الذى تظننى قد جمعت يدى عليه ؟ . ولم يكن من المستحيل أن تضم
قبضته كل عجيب فى الدنيا وغريب " .
ويحدثنا طاغور أن أباه أرسله إلى المدرسة وهو صبى يافع ، فكرهها أشد الكره ، لأن أحد أساتذته كان شديد القسوة عليه ، كثيرا ما يأمره أن يقف فى الشمس المحرقة ساعات متواصلات إذا هو أهمل فى الدرس أو قصر فى أدائه . وهكذا زهد فى المعرفة غلام هو أشد ما يكون بطبعه هياما بها . فلما نمى إلى أبيه أنه يلقى فى المدرسة عنتا وقسوة ، أخرجه منها ووضعه تحت إشراف أساتذة خاصين به وحده , فمهد الأب بذلك لابنه أن يظهر مواهبه وملكاته ؛ فأقبل الصبى على الدرس يكاد يلتهمه التهاما ،
ونزلت الكلمات والآراء المختلفة والموسيقى والأغانى من قلبه خير منزل ، وتلقاها قبولا حسنا . وشرع وهو ما يزال فى حداثته ينظم الشعر والأناشيد ، ويكتب القصص والروايات ، معبرا بكل ما استطاع من وسائل عن حبه للحياة . وليس عجيبا أن يبدأ حياته الأدبية بمحاكاة شعراء ( بنغال ) ، حتى تم نضجه الأدنى وهو فى الثامنة عشرة من عمره ، فاتسمت كتاباته بالأصالة ، وطبعت بطابع الابتكار . وفى هذه السن استولى حب الطبيعة على قلبه أكثر من ذى قبل ، وأخرج لنا " أناشيد المساء "
و " أناشيد الصباح " ، والمجموعة الأولى تدل من عنوانها على أن الشاعر فيها مكتئب حزين ، فهو ينظم قصيدة عن " اليأس " وأخرى عن " سقوط النجم " وثالثة عن " مناجاة الأحزان " ورابعة عن " امرأة بغير قلب " ،
وهكذا . ولكنك تراه فى المجموعة الثانية أكثر بالحياة ابتهاجا وأشد بها سرورا . فهناك قصيدته عن " حلم العالم " و " الحياة الأبدية " و " عودة الاتحاد بالطبيعة " وهو هنا حتى حين يكتب عن " الموت " يذكرنا أن الحياة لا يدرك معناها إلا بالانتقال منها إلى عالم آخر هو عالم الفناء .
وقد كان طاغور فى هذه الأغانى ثائرا على القديم ،
داعية إلى التجديد فى اللفظ وأوزان الشعر ، وبهاتين المجموعتين وغيرهما من القصائد الخيالية ينتهى الدور الأول من حياة الشاعر ، حياته فى كلكتا . وقد انتقل فى الدور الثانى من المدينة إلى الريف ، وتزوج وهو فى الثالثة والعشرين من عمره . وفى هذه المرحلة من مراحل حياته يواجه الشاعر الحياة الحقيقية ، فقد أراد له أبوه أن يتفرغ للعناية بمزارع العائلة على ضفاف ( الكنج ) ، فصدع طاغور بما أمر ، وهو غير راض عن هذه الطريق التى دفعه أبوه إليها دفعا ، لأنها لا تتفق وما كان يميل إليه من متابعة الدرس والتحصيل . ولكن حياة الريف مهدت له السبيل إلى جمع الكثير من تجارب الحياة ؛ ففى القرية أتيح له أن يتصل بحياة العامة اتصالا مباشرا ، وأن ينقل عن الحياة رأسا الأقاصيص والأمثال التى تعالج ما يضطرب فيه الناس من شئون كل يوم . وفى القرية ، كتب بعضا من خير مسرحياته . وإنك لتلمس أثر هذه الحياة الهادئة التى كان يحيا فى أناشيد " البستانى " وفى غيرها من قصص هذا العهد .
وقد قضى الشاعر فى هذا الدور الثانى من أدوار حياته سبعة عشر عاما ، انتقل بعدها إلى دور جديد ، كان كما يسميه " خريف حياته " لأنه جاء بعد ربيع الحياة الزاهر ؛ وفى هذا الدور هبط الموت داره يحصد بمنجله أحباءه وأعزاءه ، ففقد زوجه الأولى ، وأصيبت كبرى بناته بالدرن الذى أودى بحياتها ، ثم فجع فى أصغر أبنائه ، وكان ذلك والشاعر فى سن الأربعين ، وهى السن التى يكون فيها الرجل فى أشد الحاجة إلى الزوج والبنين ، يجتمعون حوله ، ويسكنون إليه ، ويسكن إليهم .
وبعد هذه الفجيعة الكبرى استولى على طاغور قلق شديد ، فهجر قريته ، واعتزم أن ينكب على العمل ، لعله به ينسى رزءه الفادح ، ولعله يقدم للجيل الجديد خدمة
نافعة ، فنظم من القصائد طوالها وقصارها . وهو يقول : " إن عاصفة الموت التى هبت على دارى ، وعصفت بزهرة أبنائى ، كانت على بركة ورحمة ، فقد أشعرتنى بنقصى ، ودفعتنى إلى أن أنشد الكمال ، وصورت لى فى جلاء كيف أن العالم لا يفقد حقيقة ما يضيع منه ظاهرا ... وعرفت الموت . إنه الكمال ، وليس شئ فى هذه الدنيا بضائع " . ومن آثار هذا العهد كتابه المعروف " جيتانجالى " .
ثم رحل الشاعر بعد هذا إلى الغرب ، وقد أدرك أن رحلته إلى انجلترا وأمريكا سوف يكون لها أثر بالغ فى تغيير نظرته إلى الحياة . وقد جاء فى كتاب له دبجه فى ذلك الحين : " إنى عندما عبرت الأطلانطيق ، وقضيت على ظهر السفينة غرة العام الجديد ، أدركت أن مرحلة جديدة من حياتى قد حلت ، وهى مرحلة الرحالة المسافر " .
وقد أثرت هذه الرحلة بالفعل فى نفس الشاعر ، فمال إلى الاصلاح الاجتماعى ، وأنشأ مدرسته الشهيرة فى ( شانتى نكتان ) التى كان يرمى بها إلى إنشاء عصر ذهبى فى حياة البنغال ، وإلى تحقيق آمال الهند الحديثة .
وإن أكثرنا ليبحث عن الحقيقة حتى الأربعين من عمره ، فاذا ما دخل فى العقد الخامس من حياته انتهى به البحث إلى رأى معين وعقيدة خاصة ، يصوغ عليهما حياته على صورة من الصور تتكرر يوما بعد يوم . إن الرجل بعد هذه السن ليأوى عادة إلى حياة عائلية هادئة ، يقضيها بين أبنائه ، لا يفكر فى جديد حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا . ولكن ما هكذا عظماء الرجال ، فانهم لا يفتأون يجددون شبابهم ، ويطمعون في سلطان جديد . لا يرضون لعقولهم أن تخبو شعلتها ، ولا يقبلون أن يفكر لهم أحد غيرهم . وكذلك كان طاغور ، فقد خرج من محنته بعزيمة جديدة لا تعرف الخور ، وأمل قوى لا يتطرق إليه بأس . وأخذ ينادى بضرورة توحيد العالم فى أمة
واحدة ، وبازالة ما تسببه فوارق الطبقات والأديان واختلاف الأجناس ، من إحن وبغضاء . وكان يسمى هذا الغرض " خلق الانسان " وذلك هو - فى عبارته - " الأمر الوحيد الذى يهم الجيل الحاضر . وعلى أبناء اليوم أن يتحملوا كل مشقة ويقاسوا كل ألم حتى ينتصر جانب الخير فى الانسان على جانب الشر " .
وشغف طاغور فى شيخوخته بفن الرسم ، فعرض كثيرا من لوحاته فى لندن ، وظفر من رجال الفن باعجاب شديد ، وبقى الرجل يخدم الفن والأدب حتى وافاه الأجل المحتوم ، فانتقل إلى جوار ربه بعد ما خلف لنا كنوزا ذهبية لا تفنى ولا تبيد .
كان طاغور إذا أدبيا فنانا متنوع المواهب ، يقرض الشعر ، ويكتب القصة القصيرة والقصة الطويلة ، ويؤلف المسرحية ، ويعزف الموسيقى ، ويصور اللوحات الفنية الرائعة . وهو فى كل ما يخرج من عمل أدبى يستوحى البيئة ، كما يستوحى من سبقه من الشعراء الهنود ، ويشجعه شعب يميل بطبعه إلى الغناء ، ولسان قومى مرن قوى التعبير .
ولعل من خير ما كتبه شعرا تلك الملحمة الطويلة ( البستانى ) . وفى هذه القصيدة الرائعة يدرك طاغور أن الناس كثيرا ما يحسبون الشاعر رجلا نائيا عن الجماعة ، يسبح فى الخيال ، ولا يضطرب فيما يضطرب فيه الناس ، فيجيبهم بضرورة الشاعر ، وفى هذا المعنى يقول :
" أيها الشاعر ! لقد أقبل المساء ، وابيض فوداك ، فهل أنت فى خيالك وعزلتك تستمع إلى رسالة من عالم غير عالمنا ؟ " .
فيجيب الشاعر : " أجل . لقد أقبل المساء . وإنى لأرهف الأذن لعل صوتا ينادينى من القرية ، وإن كان
الظلام قد حل . وإنى لأرقب قلوب العاشقين من الشباب حين تلتقى ، وأعين المحبين حين تتبادل النظر وتتطلع إلى الموسيقى تعبر عن مشاعرهم وتخرجهم من صمت رهيب . من لهؤلاء ينشد لهم أناشيد الحب والعطف ، إذا كان الشاعر - كما تزعمون - يجلس على شاطئ الحياة ، ويتأمل الموت والحياة الآخرة ؟ " .
وفى حلو النغم يتابع الشاعر القصيدة ، ويغنى أناشيد الحب والحياة ، ولا يبرح ذهنه فى كل ما كتب ، أنه لا يخاطب مواطنيه وحدهم ، وإنما يخاطب أبناء العالم أجمعين .
ومن قراء طاغور ونقاده من يرى أن عبقرية هذا الأديب لم تبلغ ذروتها فى أناشيده ومسرحياته ، وإنما فى قصصه القصار . ولا عجب أن يكون طاغور قصاصا ماهرا ، فمقدرة الهنود على اختراع القصة مشهورة معروفة ، وحكاياتهم ذائعة بين الأمم والشعوب من زمان قديم .
يروى طاغور فى إحدى هذه القصص أنه فى يوم من أيام الشتاء الباكر ، وقد هبت نسمات لطيفة رقيقة ، بعثت فى الناس حياة جديدة ، وفى الأشجار خضرة ونضرة ، ومياه النهر فى غمر من الفيض يكاد يطنى على تلول " الغات " ، والصيادون يسبحون فى زوارقهم ، والأمواج ترتطم فوق الصخور ، والشمس مشرقة واضحة الجبين . فى هذا اليوم الجميل يقبل رجل براهمى ليستحم ، ويقبل فى أثره جماعة من النسوة يحملن الجرار يملأنها بالماء . ويشاء خيال الشاعر هنا أن يوقع صخور " الغات " الصماء فى حب ( كوسوم ) إحدى هؤلاء الفتيات . وتتواعد " الغات " على لقاء الفتاة كل صباح عندما تغرد طيور الفجر . ويقول التل العاشق : " رأيت مرة ظل الفتاة منعكسا على صفحة الماء ، فودت صخورى لو تقلقلت
من مكانها وعانقته . فلقد كانت فاتنة حقا فى ذلك الصباح ، وقد أحب الفتاة النهر والعشب . وذات يوم غابت (كوسوم ) ولم تحضر كعادتها ، وعلم " الغات " من صاحباتها أنها خطبت - وهى ما تزال طفلة - إلى فتى من فتيان بلد غريب موحش لا يتدفق فيه " الكنج " ولا يؤنسه ، وأنها انتقلت إلى بيت حميها ، وكأنها زهرة من زهور الماء نقلت من مكان رطيب إلى أرض جافة ، لا قطر فيها ولا ماء ؛ ثم تصرم العام ، وعادت ( كوسوم ) إلى وطنها بعدما مات زوجها وترملت ، ورجعت إلى صخور " الغات " تندب حظها وتبكى أيامها . ثم انقضت السنون تلو السنين ، وتم للفتاة نضجها ، واكتمل شبابها . وأقبل ذات يوم كاهن من كهان الهنود ، ودخل معبده ، وتابعته " كوسوم " وتعلمت منه معنى الحب ومعنى الموت ، واعتادت أن تقصد المعبد كل يوم ، تلمس موطئ قدمى الكاهن ، وتنثر الزهر فى أرجاء المكان ، وتغسل أديمه بماء النهر . وبعد مدة من الزمن تهجر الفتاة هذه الحياة الدينية ثم تختفى ، ولكنها تعود ثانية ، ويعتب عليها الكاهن ، فتضطرب فى جوابها ؛ ولكنك تدرك من وراء الكلمات أنها عشقت الكاهن وهامت به ، وطاردتها صورته فى الحلم واليقظة ؛ فيرد عليها الكاهن قائلا : " إنى مغادر مكانى هذا اليوم ، فأبعدينى عن ذاكرتك ، وعدينى بهذا " فتعده الفتاة ثم ينصرف .
وأخيرا ترنو الفتاة بنظرها إلى نهر ( الكنج ) صديقها الأوحد ، ويقول ( الغات ) : " إذا لم يضمها النهر الآن - وهى فى آلامها وأحزانها - بين أمواجه ، فمن ذا عساه أن يفعل هذا ؟ " ثم يقول : " . . وغرب القمر , وأقبل الظلام ، وسمعت خرير الماء ، ولم أر شيئا غير هذا . ولكن الريح عصفت بشدة كأنها تريد أن تطفئ ضياء النجوم فى السماء ، خشية أن يفضح نورها ما يحدث على الأرض . ثم
اختفت رفيقتى ، التى كثيرا ما لعبت فى جنبات صخرى ، وغابت عن عينى ، ولكنى لم أدر إلى أين سارت " .
وهكذا فان طاغور كثيرا ما يورد ذكر المرأة فى قصصه ، ويصف البيئة التى يعيش فيها . وهو - فوق هذا - يكسب المكان الذى يتعرض له سحرا وفتنة . فللمنازل عند طاغور أرواح ، وللأطلال قوى السحر ، والجبال تنبئ عن عمر الزمان ، والبيت يذكر من مات فيه . ومن الناس من يتلبس بأشباح الخير أو الشر .
وما أقرب خيال طاغور إلى خيال الأطفال وما أشبهه به ! فكما أن الأطفال لا تملك إلا أن تنظر إلى المستقبل بعين الأمل ، فكذلك شاعرنا يعتقد أن " الجنة قريبة من سكان هذه الأرض " وإذا كان هربرت سبنسر يرى فى نهم الاطفال وجوعهم الذى لا يشبع دليلا على توحش الانسان وهمجيته ، فقد كان طاغور - على نقيض ذلك - يرى فيهما العلامة الأولى على حب الانسان للاستطلاع والمعرفة ، ورغبته فى الوصول إلى مملكة السماء .
وقد أظهر طاغور وهو ما يزال فى الرابعة عشرة من عمره استعددا لكتابة المسرحية ، فألف رواية اشترك فى تمثيلها بنفسه . ثم تابع الكتابة فى هذا الفن حتى أربى ما أخرجه من المسرحيات على العشرين ؛ وقد ترجم إلى الانجليزية الكثير منها ، ومثلته مسارح لندن ، ومنها رواية ( شترا ) ورواية ( ملك الغرفة الظلماء ) ورواية ( مكتب البريد ) و ( انتقام الطبيعة ) .
و ( شترا ) مسرحية غنائية ، وموجزها أن أبا الفتاة ( شترا ) لم يرزقه الله ابنا ذكرا ، فنشأ ابنته نشأة البنين وجعلها وريثة له من بعده . وفى الفصل الأول نشاهد الفتاة وهى تتشاور مع إله الحب وإله الشباب ، وتسر إليهما كيف أنها كانت تسير ذات يوم على شاطئ نهر فى إثر غزال ، فوقعت عيناها على رجل قد استلقى تحت شجرة ظليلة وافترش أوراق الأشجار الجافة ، فحدقت فيه وأدركت
أنه ( أرجونا ) بطل قبيلته العظيمة ، الذى طالما حلمت به ، وأعجبت ببطولته . وكانت تعلم أنه قد أقسم أن يعيش عيش النساك اثنى عشر عاما ، ولطالما تمنت أن تلقاه وهى فى زى الذكور متنكرة ، ثم تنازله القتال وجها لوجه . وها هو ذا الآن تحت بصرها ، ولكنها لم تجد فى نفسها الشجاعة على مقاتلته ، بل إن " عاصفة من العواصف الملتهبة " تلعب برأسها ، وتقلب عليها الرأى ، فتقف جامدة لا حراك بها ، ولا تستطيع حتى أن تبدأه بالتحية أو بكلمة طيبة وقد نهض على قدميه وانطلق ؛ وفى صبيحة اليوم التالى تنزع الفتاة عنها زى الرجال ، وترتدى الحلى والحرير ، وبقلب المرأة النابض تنطلق إلى معبد الغابة تبحث عن ( أرجونا ) البطل . وما إن تلقاها حتى ذكرها بقسمه . ولما استشعرت اليأس من ظفرها بقلبه توجهت إلى إله الحب ، فوعدها أن يأتى لها ( بأرجونا ) جاثيا عند قدميها ، مهزوما لديها ، وهو الرجل الذى هزم كل من لاقاه . ثم تتوجه إلى إله الشباب وتتوسل إليه أن يهبها يوما واحدا فى حياتها يتوفر لها فيه جمال الأنوثة ورقتها ، وتفقد فيه خشونة الرجولة وغلظتها . . . وهكذا يمازج طاعور بين الحب والدين ، ويحلل عواطف الرجال والنساء تحليل الخبير الموهوب .
هذه بعض نواحى طاغور الأدبية ، عرضناها فى هذا المقال عرضا سريعا . وسنحاول فى مقال آخر - إن شاء الله - أن نعرض لبعض نواحيه الأخرى .

