الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 697 الرجوع إلى "الثقافة"

شاهد عيان، من مذكراتى فى يوم الثلاثاء ١٤ ينابر سنة ١٩٤١

Share

ذهبت اليوم إلى منزل صديقى العجوز مصطفى بك ، بشارع نور الظلام ، لزيارته ، فوجدته قد سبقنى إلى مسجد سيدى الخضيرى بالصليبة ، فلحقت به هناك ، فرأيته جالساً خلف نافذة المسجد ، منفرداً مفكراً كعادته ، يطل بنظره على الشارع .

فقلت له : كيف حالك اليوم ؟ فقال : بخير والحمد لله . ولكن خاطراً قديماً شغل تفكيرى منذ أن جلست هنا من ساعتين . قلت : خيرا إن شاء الله . قال : هل ترى هذا البيت القديم الذى تعمل معاول الهدم فى دكة وإزالته ؟ قلت : نعم .

قال : لهذا البيت قصة مثيرة . كاد قدم الزمن يمحوها من ذاكرتى . فمنذ أن جلست وراء هذه النافذة ، ورأيت العمال ينقضون بناء هذا البيت حجراً حجراً ، ويهيلون ترابه من أعلاء إلى أسفله ، وأنا استعرض فى نفسى هذه القصة . التى كان لها فى يوم من الأيام شأن كبير ، شغل أحاديث القوم فى هذا الحى فترة طويلة . فكانوا يتناقلونها من حلقة لحلقة ، ومن منزل لمنزل ، وهم فى حيرة ودهشة . قلت : عجباً ! وما هذه القصة ؟ .

قال : من ستين عاماً كنت أنا والعنتبلى بك الكبير وخطيب المسجد ، وبعض الأحباب من أعيان هذا الحى . نجلس هنا فى نفس هذا المكان ، وفى نفس هذا الوقت ، وكان هذا البيت قد تم بناؤه . فتساءل بعض الحاضرين عن كيف حصل الشيخ (إمام )على كل هذه " الأملة " . وهو الفقيه الغلبان ، الذى يتلو القرآن فى البيوت " بالراتب " ومن أين جاءته كل هذه النقود لبناء هذا المنزل الكبير ، الذى يضارع فى اتساعه وارتفاع بنائه منازل الأمراء وكبار الأعيان ؟

فتبسم العنتبلى بك ، وقال ساخراً : إنها نقود خزانة المرحوم صديقنا ( فلان )١(1 )باشا . فقلنا : كيف ذلك ؟

فقال : لما رجع المرحوم ( فلان )باشا من السودان مغضوباً عليه من الخديو إسماعيل . كان يحمل معه صندوقين مغلقين . عهد بحراستهما إلى خادمه الأمين (تحيف )أغا ، وقد اختلف الناس وقتها فى كنه محتويات هذين الصندوقين ، فقال بعضهم إنها سبائك ذهبية ، وقال البعض الآخر إنها مجوهرات ، وأودع الباشا محتويات الصندوقين خزانة حديدية كان يحتفظ بها فى حجرة نومه . ومات الباشا بعد عمر طويل ، تاركا زوجتين وولداً وحيداً لم يكن عند وفاة أبيه قد بلغ سن الحلم ، وكان الشيخ إمام فقيهاً لسراى الباشا ، محبوبا عنده ؛ وفى ليلة وفاة الباشا أرادت الزوجتان وتحيف أغا فتح الخزانة وإخفاء ما فيها قبل أن يصل موظفو بيت المال فى الصباح لحصر التركة وقيدها ، ولكنهم لم يجدوا المفتاح . فعلقوا فوق الخزانة (سترة ) الباشا وأخفوها ، وبعد انقضاء " الأربعين " على وفاة الباشا أسر تحيف أغا للشيخ إمام بقصة ضياع المفتاح ، فقال له إنه يعرف شيخاً مغربياً يستخدم الجن فى فتح ما استغلق من الأبواب بالسحر والتنجيم ، وجاء الشيخ ، وانفرد بحجرة الباشا وأطلق البخور ، وعلا صوته " بالتعزيم " ولزم الشيخ إمام وتحيف أغا الحجرة المجاورة لتلبية أوامر الشيخ ، وبعد ليلتين ، والليل داج والسراى نائمة حدثت فرقعة فى حجرة الباشا اهتزت لها جوانب السراى . فجرى الشيخ إمام وتحيف أغا والزوجتان إلى الحجرة ، فوجدوها مملوءة بالدخان ، ووجدوا الخزانة مفتوحة خالية ، ولم يجدوا الشيخ المغربى . فأخذ الشيخ إمام يدور فى أركان الحجرة

يدق كفاً يكف ، وهو يصرخ ويبكى ، ويقول : إن الجن قد استولت على الشيخ وعلى ما فى الخزانة . ثم ثار غاضباً مطالباً الزوجتين بتعويض عن فقده " فانطلت "الحيلة على السيدتين والأغا . فنقداه خمسين جنبهاً ذهباً هى كل ما كان معهما . فانصرف بعد أن شدد عليهم النصح بكتمان الخبر .

وبعد مدة طويلة عرف بالخبر أحد أصدقاء الأسرة ؛ وادرك الحيلة ، فجاء للبحث عن الشيخ إمام ، ولكنه كان قد اختفى .

ومرت الأيام ، وماتت الزوجتان ونسى الناس الموضوع ، فظهر الشيخ إمام من مخبئه . وشيد هذا البيت ، وسكن فيه واقتنى (عربية )حنطور بزوج خيل" مسكوفى" كان يركبها عصر كل يوم ، ويمر بها من هنا فى طريقه إلى مسجد السلطان الحنفى ، حيث كان" مرتباً" لقراءة القرآن .

ثم مكت مصطفى بك ، ورفع وجهه إلى السماء وقال : هل تظن يا صديقى أن الله غافل عن القوم الخائنين . قلت : حاش لله .

قال : اسمع ياسيدى ، لم يعش الشيخ إمام بعد أن سكن هذا المنزل سوى عام واحد رزىء فيه بوفاة زوجته واعتلال صحته . واختفاء ابنه الوحيد (حامد ) .إن حامداً هذا كان شاباً لطيف الوجه . طويل القامة ، وبادى الصحة . لقد رثيت لحال الشيخ إمام ، وعاونته كثيراً فى البحث عنه ولكن من غير جدوى .

ثم سكت مصطفى بك ثانية ، وتحول بصره إلى سقف المسجد كأنه يستجمع شتات ذاكرته . ثم استطرد يقول :

ومرت السنون سراعا ، وتغيرت الأحوال . ونسيت الشيخ إمام وابنه حامداً وقصة الخزانة . ثم جاءت سنة ١٨١٧ فصاحبت الغازى مختار باشا فى رحلة صيد إلى شبة جزيرة سيناء ورافق الغازى فى هذه الرحلة بعض " البرنسات" وعلية القوم ، فركبنا الجياد الى كانت تنتظرنا بالسويس . وعبرنا القناة . واتجهنا نحو الجنوب صوب (عيون موسى ). وبعد راحة قصيرة تقدمنا قاصدين أعالى وادى (فرتدل )وصرفنا بقية اليوم فى الصيد . وفى المساء نصبنا مخيمنا فى بطن الوادى بالقرب من العين وقضينا ليلتنا . وفى صباح اليوم التالى

انتقلنا إلى وادى (وسيط )وصرفنا اليوم فى الصيد كذلك . وفى المساء نصبنا مخيمنا على شاطئ الخليج بالقرب من حمام فرعون .

فى تلك الليلة تجمع حول المخيم حشد كبير من الأعراب الذين جاءوا خصيصا لتحية الغازى ومرافقية عندما علموا بقدومهم ، فامرنى الباشا بالترحيب بهم ، والتوسيع عليهم بالشام والحبات . وبينما أنا مشغول بعمل ترتيبات الضيافة ودعوة الضيوف ، لفت نظرى رجل طويل القامة ، هزيل الجسم . مكفوف البصر ، يقف منفردا متكئا على عكاز ، ينصت لما يدور فى مخيمنا باهتمام ، فأشفقت عليه ، وتقدمت إليه لدعوته . ومددت يدى إليه لسحبه إلى حلقة الطعام ، وحاول أن يشكرنى فانحبس صوته فى حلقه ، فانحنى على يدى يقبلها . وأحست بدموعه تتساقط عليها غزيرة ساخنة ، فاثر منظره فى نفسى ، ورثيت لحاله ؛ فاستبقيته للمبيت معنا بالمخيم .

فلما انفض الجمع . وتفرق القوم ، جلست بجانبه على الشاطئ استطلع بعض أمره . فوجدته كتوماً ، غير راغب فى الإفضاء بشىء . وزادنى إصراره على السكوت شوقاً إلى معرفة شأنه . فتبسطت معه فى الكلام . وقدمت له السجاير وأكواب الشاى ، فانتعش وانتشى ، وانحلت عقدة لسانه ، فانساب فى الكلام ، وحدثنى عن معيشة الصحراء بعبارة جزلة ولهجة مصرية ، فتجبت من أمره . وسالته وأجاب ، ولشد ما كانت دهشتى عندما عرفت منه أنه حامد ابن الشيخ إمام .

فقلت له : كيف صرت إلى هذا الحال يا حامد ؟ فقال يحدثنى عن قصته : " بعد أن ضقت ذرعا من معاملة زوجة أبى وانصراف

والدى عنى . التجأت إلى خالى السيد صالح ، طاهى السيد البكرى الكبير . وشكوت إليه ما آل إليه حالى . وألححت عليه أن يجد لى عملا أتعيش منه ، فاستبقانى عنده بالسراى بالحرنفش حتى انقضت صلاة المغرب . ثم اصطحبنى معه إلى منزل صغير بدرب (البرابرة )بالموسكى . يسكنه الخواجة (بخور حسون )الطاهى بفندق (خمارة النيل )( ١ ) وبعد حديث قصير اتفقنا على أن أكون مرافقاً للخواجة حسون فى رحلته إلى سيناء مقابل أجر حسن أتقاضاه من (البعثة ). وفى اليوم التالى أردت التخلف بعض الوقت لتوديع أسرتى . فأفهمنى الخواجة حسون بأنها غيبة قصيرة لن تطول اكثر من أسبوع . ثم إننا سافرنا إلى السويس فى نفس اليوم .

وفى الطريق سألت حسون عن مهمة البعثة . فقال إنها بعثة علمية لاستطلاع أحوال سيناء . وإنه سيشتغل فيها كطاه لها . وأوصانى مشدداً بالسكوت والكتمان . ونزلنا فى السويس بمنزل الحواجة أنطون . ولزم الخواجة حسون المنزل منذ وصولنا فلم يكن يغادره إلا نادراً . وكان يأتى لزيارته أحيانا بعض الأجانب كما كان يتردد على المنزل شيخان من الأعراب .

طالت إقامتنا بالسويس . وكنت كلما سألت الخواجة حسون عن موعد قيام البعثة إلى سيناء أجابنى : " قريباً إن شاء الله " . وفى ذات يوم وجدت الناس بالمدينة فى اضطراب ووجل . يقولون إن الإنجليز نزلوا بالإسكندرية بعد أن دمروها بقنابل الأسطول ، وإن ثورة شبت بالمدينة . وإن الجيش بقيادة عرابى باشا يزحف نحوها لمدافعة الإنجليز . ووجدت الخواجة حسون على علم سابق بهذه الأخبار . فلم يدهش لسماعها منى . وأردت الرجوع إلى القاهرة فطيب خاطريى. وزاد فى ماهيتى . وكثرت النقود فى يدى . واتسع أمامى مجال اللهو والعبث . فطابت لى الإقامة بالسويس ونسيت القاهرة .

وفى ذات يوم ، وعلى خلاف العادة . اصطحبنى الخواجة حسون وذهبنا إلى الميناء فى الصباح الباكر ، ونقلنا " لنش " إلى شاطئ سيناء ثم ركبنا الجمال . وأوغلنا فى الصحراء ، فى حراسة أربعة من البدو . وبعد سير طويل

مجهد فى يوم قائظ . وصلنا إلى خط تلغرافى يعبر الصحراء . فأمر حسون البدو بتحطيم الأعمدة ، وتقطيع الأسلاك ، ففعلوا ذلك لمسافة كبيرة . وتكرر خروجنا فى الآيام التالية لمثل هذه المهمة .

كثرت بعد ذلك مشاغل الخواجة حسون ومقابلاته . ولم يمض على ذلك إلا بعض أيام ، حتى علمت منه أننا ذاهبون فى الغد لمقابلة رئيس البعثة . وأمرنى أن أتهيأ للرحيل إلى سيناء . وفى صباح اليوم التالى قدمنى لرجل ممتلئ الجسم كبير الوجه ، تحيط بوجهه لحية كبيرة . قال لى عنه إنه الشيخ عبد الله (١ )رئيس البعثة . ولما لحظت أنه لا يتكلم العربية ، قال لى إنه من علماء استانبول .

وبعد يومين آخرين صرفناهما فى تجهيز الرحلة وإعدادها سافرنا إلى سيناء على ظهر الجمال . يتقدمنا الشيخ مطير دليل القافلة . وقبل أن نصل عيون موسى لحق بنا الشيخ عبد الله وبرفقته اثنان من الضباط الإنجليز وترجمان سورى يدعى (عتيق ) فاستطردنا السير ونزلنا للمبيت فى وادى (الأحثا )وحضر مشايخ العربان إلى الوادى . وأكرم الشيخ عبد الله وفادتهم ، وأقام لهم وليمة كبيرة ، عقدوا بعدها اجتماعا صاخباً ، دار فيه الحديث حول شراء الجمال ، واكتراء الجمالة ، وحراسة القناة ، والاشتراك فى حرب عرابى . وقبل انصرافهم جاء إلى خيمة  الشيخ عبد الواحد الضابطين وكلفنى عمل كيسين من جنيهات الذهب فطرحتهما على الأرض أمام الشيخ عبد الله . وما إن سمع الأعراب " شخشخة " الذهب حتى اضطربوا فى أماكنهم ، واشرأبت أعناقهم وسال لعابهم . فناول الشيخ عبد الله كل واحد من المشايخ قبضتين من الذهب . ثم تفرقوا على أثر ذلك عائدين إلى نجوعهم لتنفيذ ما اتفقوا عليه فى اجتماعهم . وبعودتهم انتشر خبر البعثة وأغراضها وما تحمله من الذهب فى طول سيناء وعرضها .

كان شرر الثورة العرابية فى مصر قد تطاير إلى سيناء وتحفز الأعراب للفتك بالكفار . فلم نكد نتقدم فى وادى

( البقية على الصفحة التالية )

صدر ونبلغ العين حتى وجدنا الأعراب (١ )متربصين لنا . فلما أحسوا بنا شرعوا فى إطلاق النار علينا . فوقفنا وبركنا الهجن ، وانتهز أحد الجمالة فرصة الاضطراب فوضع أكياس الذهب على هجينه وفر ، وتفرق باقي الجمالة وتركونا وحدنا ، فقبض علينا الأعراب . وجردونا من ثيابنا ، وقالوا هاتوا " فلوسكم " وإلا قتلناكم فقلنا فرت بها الجمالة . وتقدم منا أحد الأعراب ، وقال : أيها الكفار . لقد جئتم هنا تنثرون الذهب لتبذروا الفساد والخراب فى هذه البلاد - وبيت الكعبة ! - لن تفلتوا من قبضتنا ، وسنقتلكم شر قتلة جزاء وفاقا لما اقترفتموه من قتل ونهب فى بر مصر ، وبكينا وتوسلنا واستعطفنا وتوعدنا فلم يفدنا ذلك . وسنحت فرصة فاقتربت من كبيرهم ، وتوسلت إليه ، وقلت له : إنى لست منهم . إنى مسلم وموحد بالله . أحفظ القرآن وأؤدى الصلاة ، وقتلى من غير جريرة حرام . فقال : تباً لك ، ومن أتى بك إلى هنا ؟ فقلت جئت سعياً وراء لقمة العيش . ثم قاد الأعراب الشيخ عبد الله والضابطين

والخواجه عتيق والخواجه حسون إلى شاهق . وأوثقوهم وقذفوا بهم إلى بطن الوادى . ثم أجهزوا عليهم رمياً بالرصاص ، وجروا جثثهم إلى حفرة ، وهالوا عليها التراب ، وانصرفوا وتركونى وحيداً . فهمت على وجهى انتقل من نجع إلى نجع ، حتى وصلت الطور . فالتجأت إلى محافظها لينقلنى إلى مصر ، ولكنه عندما علم بما وقع لأعضاء البعثة أمر بإيداعى السجن ، فبقيت فيه زمناً طويلاً ، اعتلت فيه صحتى وفقدت بصرى . ثم أفرج عنى . فخرجت من السجن شريداً بائساً لا أمل لى ، ولا رجاء ، ومنذ ذلك الوقت ، وأنا أجوب سيناء متسوولا مستجدياً كما ترى .

قال مصطفى بك : لقد حاولت طويلا أن أحمل حامداً على ترك الصحراء ، والرجوع معنا إلى القاهرة . فلم يستمع لقولى ، وجاءت ساعة الرحيل فرفعنا مخيمنا وتركنا حامداً واقفاً على الشاطئ ، معتمداً على عكازه وهو مطرق جامد صامت ، ساكن ! يا ترى فيم كان يفكر ! ليته كان قد هلك مع الشيخ عبد الله عند عين سدر واستراح .

اشترك في نشرتنا البريدية