الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد التاسع عشرالرجوع إلى "الرسالة"

شخصية ...

Share

"لقد سئمت أن أكون على الدوام رجلا عاقلا"                                     "أوليفر جولد سميث"

يتكلف الصدق فى ابريل ليصدقه الناس حين يكذبون  العالم بأجمعه، ثم يطلق نفسه على سجيتها باقي شهور السنة،  فيكذبه الناس حين يصدقون العالم بأجمعه.

وهو يحاول قدر طاقته أن يصوغ حقائقه المكذوبة  صياغة صادقة، ولكن مقدرته الفنية على ذلك ليست كبيرة  وإن كانت فى نظره، ومن غير تصريح، عظيمة بالغة!!

وأؤكد أنه لو شك يوماً فى مقدرته على سبك الأكاذيب،  لخجل، وكف، واتزن.

ولكنه لأمر ما، غريزى ولا شك، يكذبك دون أن  يشعر أنه يكذب حقا، أو هو يتصور من فرط عنايته  بالصياغة أنه يصدقك حين يتكلم إليك. أستطيع أن أفهم هذا  من أنه يتألم إذا اتهمته بالكذب، ويغضب لكرامته غضب  من يروى لك خبراً صادقاً وأنت تشك فى روايته.

وهو يواجه الناس بمقدرة عظيمة على دفع اتهامهم إياه،  وينبرى لهم ليرد عن نفسه سيل الانتقاد الجارف. وهو بارع  فى مواجهته لأكثر من شخص فى الوقت الواحد.

وهو إذ يروى لك رواية، يهذبها قبل أن يلقيها إليك بقدر  ما تسمح مقدرته على التهذيب، ثم هو يعود فيتدارك ما قد  يكون فيها من تنافر وتضارب مع بعض الحقائق التى قد تسارع  إلى رأس سامعه، فينتظر ريثما يفهم نوع استقبالك لحديثه  واستساغتك له، فإذا لم يكن بد من الاستدراك، سارع إلى  الاعتذار بقوله: "إننى لم أحسن التعبير" ثم يروح يفكر،  ويفكر، ويزيد على الاعتذار السابق قوله: "إننى اقصد  بالضبط أن أقول كذا وكذا"

وأنت مضطر إلى أن تقبل الاعتذار عن ضعف التعبير  أولا، ثم عن ترقيع الرواية ثانياً، لأنه صديقك، وللصداقة  حقها. ثم لسبب آخر غير الصداقة إذا كنت ممن يرون الحياة  ثقيلة إذا ظلت دائبة على الصدق، وتحرى الحقيقة..ففى  الكذب متسع عظيم للخيال الشارد والخيال المتزن، وفى  الصدق تحقيق وتدقيق، وأخذ بأسباب الحقيقة، والحقيقة  لا تتعدد، وصاحبنا من أنصار التنويع والتعدد، فهو بما  يخترع من الروايات، وما يلفق من الأحاديث، ينتقل بك  من الجد الثقيل على النفس إلى جد آخر، من صنعته هو!  بلغ فيه عنده حد الإبداع فى السبك وحسن الأداء، فإذا ضيقت  عليه المسالك، وأخذته من كل ناحية، وأعلمت المنطق فى  قضاياه، وسلطت الحقيقة المرة على خياله الحلو، انحسرت  عن صاحبنا كل مسعفة من حسن الأداة وبراعة الحبك،  وتخلت عنه فجأة شياطين الأكاذيب التى اعتادت أن تواتيه  بالهام كلما استلهمها، وفزع إليها.

والحق أن تلك الشياطين كانت أطوع له من بنانه، فلم  تكن تشعر أن هناك فترة تمضى بين ضراعته إليها فى أحرج  مواقفه وبين استجابتها لضراعته، حتى لتكاد تعتقد أنها كانت  تلازمه أينما أرتحل، متحفزة لكل نداء، متأهبة لكل تلبية.

وإن أعجب من شئ، فليس ببالغ عجبى من هؤلاء العباقر،  ومن اجتماعها على خدمة هذا الرأس الصغير المستدير، ومن

مقدرتها على تأليف الصور من الشتات المتنافر، وتركيب  الأخيلة من الحطام المتناكر، ثم من عجزها وتخليها فجأة عن  النهوض بأعباء المهمة التى أرسلت إليها، حين تهبط ملائكة  الحق لتنقذ الموقف...فيتعذر إذن أن يجتمع ملاك وشيطان.

فإذا انجابت عن صاحبنا شياطين أكاذيبه، دق موقفه،  وتحرج، فمال على محدثه يلتمس عنده المعذرة عن هذا  الموقف المتجرد، لا بالقول بعبارة الأسف المألوفة - بل  بالانضمام إلى محدثه دفعة واحدة، ومشايعته فى رأيه، وفى  منطقه، وفى حملته على هذه الأكاذيب الصريحة! حتى لكأنهما  يحملان معا على شخص ثالث!!

فإذا التفت إليه التفاتة ذات معنى، تقلص وقطب، ثم  هش بغتة، واحمر، ثم غاض الدم من وجهه، وتهدلت شفته  السفلى وغمغم، فإذا دققت، فهمت أنه يريد أن يقول ما مؤداه:  "وماذا على؟ إني ألفت الكذب ينجى فى كثير من المآزق"

وهذه هى خلاصة فلسفته التى يصارحك بها فى الوقت  المناسب.

تردد يوماً ما فى قضاء أجازة قصيرة بين بلدته وبين  القاهرة.

اعتزم أن يزور بلدته لأن فترة طويلة مضت دون أن  يرى أهله وذويه.

واعتزم أن يزور القاهرة لأنه مل حياة الريف الرتيبة  المملة، وتاق إلى حياة القاهرة الصاخبة بما تستحدث كل يوم  من صنوف المسليات، وأراد أن "يشعر بالحياة" على  حد تعبيره.

فلما أعتزم السفر إلى بلدته، كلف بأمر من الأمور التى  تمت إلى حياة القرى بصلة.

فلما اعتزم السفر إلى القاهرة كلف من صديق له بأمر  من الأمور التى لا يسهل قضاؤها من غير العاصمة. وحمل  النقد الكافى لذلك.

ومضت الإجازة كأن لم تكن. وعاد صاحبنا إلى  مقر عمله.

والتقى بمن كلفه مهمة البلدة فابتدره بقوله: "أنا آسف  جد الأسف، لأنى قد مضيت الاجازة كلها فى القاهرة!"

فلما التقى بالآخر كان لزاماً عليه أن يعتذر عن تقصيره،  فقال : "أرجو المعذرة إذ قد مضيت أجازتى كلها فى البلدة،  إذ وردتنى رسالة برقية فى آخر لحظة تستدعينى إليها على عجل  لأمر عائلى".

وكان يلذ لى شخصيا اصطناعه لهذه الأحاديث - أحياناً -  فأكون فى نظره الصديق الذى ما بعده صديق! وأكون  أقرب شخص إلى قلبه، وأقرب فكر إلى فكره، ويكون  منطقى طبق الأصل من منطقه ! (كذا)

وأنا حين أكون هذا الشخص أجرى على حكمة أوليفر جولد سميث "لقد سئمت أن أكون رجلا عاقلا" ولكني كنت أضيق بصاحبي ذرعاً، حين كانت نزعة  الحقيقة والعقل تغلب عندى على كل خيال حلو تنتجه قريحة  صاحبى، فأقف منه فجأة موقفاً يصفه هو بالعداء، وأصفه  أنا بتحرى الحقيقة والتزامها ليس غير.

فإذا بلغت الحال بنا هذا الحد من التحرج، بحثت لصديقى  عن هنة من هناته التى تمتُّ إلى الكذب الصريح بصلة قريبة. وحضرنى فى آخر موقف أن أعنفه على إهماله إرسال  بطاقة (المعايدة) التى اعتاد الناس تبادلها فى العيد، فابتدرنى  بهذا السؤال:

- أليس عنوان بيتكم رقم 19 شارع .... ؟ - قلت نعم (متخابثاً) - قال لقد أرسلت لك المعايدة على هذا العنوان. - قلت وما رأيك إذا كان رقم منزلنا 16 لا 19؟ - فسكت صاحبى سكوتاً أشفقت عليه منه، ومع ذلك  لم يمنعنى إشفاقي عليه من أن أذكره بفلسفته الخالدة : " إنى  ألفت الكذب ينجى من المآزق" !!!  - وسألته: إلى أى حد تنطبق فلسفتك على هذا  المأزق؟. . وكيف خلاصك منه؟ ..

اشترك في نشرتنا البريدية