كان في تلك المعاهد المذكورة زهاء عشرين ألف طالب وطالبة ، لايكادون يجتمعون إلا على صوت الاساتذة المحاضرين ، فإذا انتهى هؤلاء من بسط أبحاثهم ، تفرق القوم ، وانصرفوا جماعات جماعات ، يقصدون المنازل والمكاتب والمقاهي ، وما إلى ذلك من أمكنة الجد والتلهي .
ولا شك في أنه كان من الصعب على (طريف ) وهو غريب الأهل والديار ، ان يجد بين هذا الجمع المنتثر من يعينه على الدرس والمطالعة
إلا أن صاحبنا الجرئ المقدام لم يضطرب أمام هذه الصعوبة السهلة ، ولم يحفل بها ؛ ذلك انه اعتاد منذ الحداثة أن لا ينال من دهره شيئا إلا بالكفاح وتذليل ما يصطدم به من صعاب وعقبات لا تنقطع
فلم يمض على نزوله الحي اللاتيني واستقراره فيه وقت بعيد إلا وكانت تحوطه هالة من الطلاب والطالبات يختلفون إليه ، ويقرأون له ما شاء ، بالمال حينا ، وفي أكثر الأحيان من غير مال .
وكان ( طريف ) في بحر السنة المدرسية يختار من هؤلاء الطلبة من تعجبه قراءتهم وترضيه مخالطتهم ، فيدرس معهم منشرح الصدر مغتبط النفس ، جامعا بين لذة العقل والفؤاد .
أما في أيام الامتحانات فقد كانت الضرورة تفرض عليه من القراء من يستهجن معاشرتهم والتعاون معهم ، ويجد في فهم ما يقرأوان له واستيعابه عناء كبيرا ومشقة زائدة .
ولعل أسمج من عرفهم في تلك الأزمنة العصيبة ،
واستعان بهم على قضاء الامتحانات هي فتاة زنجية جاءت من جزيرة ( غواديلوب ) لتدرس الفلسفة في باريس ، فاتصل بها ( طريف ) واستقرأها لقاء دراهم معينة خلال شهري مايو ويونيه سنة ١٩٣٤
لقد كانت هذه الفتاة قصيرة القامة ، ضخمة الهيكل مخشوشنة الراحتين ، جشاء الصوت ، جافة النبرات ، مفتتنة بالراء الباريسية افتتانا غريبا حقا ؛ فهي إن قرأت أو تحدثت كان أول ما تهتم به وتسعي إليه ان تبحث عن الراء ، وان تتصيدها من بين الحروف رغبة في (تغنينها ) وطلبا لما بالتغنين من متعة التقليد ، واستمالة الأسماع أو تنفيرها بالأحري .
ولعل الأكرب من هذا أنها علائية المذهب فيما يتعلق بالرجل ؛ فكما أن أبا العلاء احتقر المرأة واتهمها بكل سوء ، كذلك زنجيتنا العانس ، فإنها تحتقر الرجال ، ولا تشق بهم ، فكانها والحالة هذه رد النساء واحتجاجهن الأليم على " شيخ المعرة " وكان طريفا هو المسؤول عن شريكه بالمصبية ، وإن لم يشاركه في الرأي ، فقد كانت صاحبتنا الزنجية لا تصافحه إلا مرسلة الأنامل متثاقلة . ولا تتحدث إليه ، مع ميلها إلي الثرثرة ، إلا بتقزز ، كما أنها لا تقرأ له إلا بعد أن تتقاضى أجرتها سلفا اربعة
فرنكات وربع فرنك عن كل ساعة ، زد على ذلك أنها لا تأتي إليه في المواعيد التي تضربها له وتسعى هي نفسها آجالها ، إلا متأخرة ساعة أو ساعات . فاذا عاتبها في ذلك وأبان قيمة الوقت واضطراره إلى الدرس والمطالعة ابتسمت قائلة : " من حق الجميلات أن ينتظرن " .
وقد تستبدل هذه العبارة المألوفة عند الفرنسيات بعبارة أخرى ، فتزعم أن الذي أمسكها عن المجيء في الوقت المعين هو ( أفلاطون أو ارسطو)او غيرهما من فلاسفة اليونان ، وأن التبعة لا تقع عليها ، بل علي هؤلاء
المفكرين الذين كانت غارقة في قراءة بعض مؤلفائهم . فنسيت ( طريفا ) كما نسيت نفسها ، وطارت كالغراب إلي جبل(البرناس ) والأولب ، مقر الفلاسفة والحكماء عند قدماء اليونان .
عندئذ تهبط فيلسوفتنا السوداء من علياء الفلسفة لتقعد على الكرسي ، وتضع رجلا على رجل ، مشعلة سيكارة تدخنها بتلذذ عظيم ، وتتحدث بلذة اعظم عن ( إفلاطون ) و ( ارسطو )، وعن العادة والروح والفناء والخلود
وبعد أن تفني ثلثي عمر الساعة وأياما ( استغفر الله بل أعواما ) من عمر طريف يخطر في بالها أنها جاءت لتقرأ لا لتلقي محاضرة في الفلسفة ، فتأخذ الكتاب وتشرع في القراءة ماصة حب (الباستيل ) ومرسلة السعلة تلو السعلة ، والقحة اثر القحة ، حتى إذا ما أدركها الملل أطبقت الكتاب قائلة : أنا لا أحب الحقوق ، وإني لاعجب كل العجب كيف استطعت أيها السيد البائس أن تقبل على هذا النوع من الدرس ، وان تهمل الفلسفة منار العقول والأذهان " ، ثم لا يلبث الوجدان الفلسفي ان يلهمها الذوق ، فتعود إلي الكتاب ، ثم إلى الحديث ، ثم إلى الكتاب قائلة بحديثها وقراءتها وتصرفاتها صاحبنا طريفا الذي يحتمل إذاها ويصبر على بلواه ، كاظما غيظه واساه ، مخافة ان يجرح قارئته الحساسة ، فتغضب عليه وتتخلى عن مساعدته في وقت هو أحوج ما يكون إليها .
إن موعد الامتحانات كان يقترب يوما بعد يوم ، وساعة بعد ساعة ، وإن طريفا يهيء في كل دورة من دورات الفحص اكثر من شهادة . فاذا تركته الزنجية كان من الصعب عليه ان يجد زمن الاختبار من يخلفها ، ويمكنه كما كانت تفعل بالتعاون مع أصحابه من متابعة الدرس آناء الليل وأطراف النهار .
فلما انقضى عهد الامتحانات ، ونال طريف شهادتي الاقتصاد السياسي والحقوق العامة ، لم يركن خلال العطلة المدرسية إلى الهدوء إراحة لجسمه وعقله من التعب الذي ألم بهما ، بل أقبل يلتهم الأسفار الحقوقية والفلسفية التهاما ، ويستعد لنيل أربع شهادات في دورة تشرين .
ولا جدال في أن برنامجا كهذا واسع المعلومات مختلف المواد ضرب من المستحيل ونوع من الجنون ، لما يستلزم من جهد ونشاط يفوقان طاقتنا البشرية .
إن الإنسان مهما يكن فطنا سريع الفهم قوي الحافظة فانه كغيره من المخلوقات الحية وغير الحية خاضع جسما وعقلا لقانون مقاومة الأجسام فاذا خالف هذا القانون وحمل نفسه أكبر مما تطبق أدركه الوهن ودب إليه الفناء
وقد كانت نتيجة الدرس المتواصل والنشاط العنيف اللذين أبداهما طريف في مستهل العطلة الصيفية ان تعرض إلي هذا الخطر ، وأوشك ان يقع فيه . فخفف من جشعه العلمي ، واكتفى بتحضير شهادة واحدة لم تكن تكلفه غير عام من الحمية والحمي وأنواع منوعة من الأدوية والمقويات ، ولولا أن تدارك الأمر بعض خلانه ، وحذروه سوء العاقبة ، لأصاب طريفا ما أصاب قيسا ، ولكان الآن من سكان مقبرة العقول .
وإذا قيل إن الليبب من اتعظ بغيره ، فان طريفا أبي إلا أن يتعظ بنفسه . وإلا أن يفني صحته وشبابه في سبيل المعرفة عامة ، والحقوق خاصة ، إلا أنه لما أحس فداحة الخطر ، وأوشك أن يكون (كالمنبت ، لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ) أدركه الجزع وتملكه الذعر ، فكبح جماح نفسه ، وأوقفها عند حدها ، ذاكرا ان الله عز وجل لم يخلق الانسان من جسم وعقل وقلب إلا ليستثمر كيانه كله ، وليعطي الأجزاء التي يتكون منها هذا الكيان
حقوقها الطبيعية ومطالبها الشرعية من غير ما إسراف أو تقتير .
وعلى هذا الأساس البسيط المتين الذي يستمد بساطته ومتانته من طبيعة الانسان وضع طريف أركان حياته الجديدة ، فوقف قسما من وقته ونشاطه على مطاردة اللهو والمسرات ، متنزها مع بعض اصحابه واحبابه في الحدائق العامة والغابات ، ومتنقلا بين مسارح التمثيل ومحافل الموسيقي ، وما إلي ذلك من أماكن التسلية
إن هذه الأشياء وإن سرته واستهوت فؤاده فانها لم تلهه عن دروسه ، ولم تملأ فراغ نفسه ، ذلك أن طريفا جدي الطبع ، مجاهد أكثر مما هو عابث لاه .
وقد استطاع بجده هذا ونشاطه المنظم المعقول أن يبلغ الغاية التي من أجلها ام باريس ، وان ينقلب بعد ذلك إلي أهله وبلاده فرحا جذلان ، تغمره البهجة ، وتبدو عليه مظاهر الثقة بالنفس والاعتماد عليها ، كما انه تخلص أخيرا من قارئته الزنجية ، تلك القارئة المظلمة التي لازمته أزمنة الامتحانات كلها ، وأبت أن تسقيه العلم إلا كل جرعة بقصة ، قائلة له بلسان نفسها الناقمة عليه ، وعلى الجنس الخشن كافة :
تريدين إدراك المعالي رخيصة
ولا بد دون الشهد من إبر النحل
( بيروت )

