فى الساعة الحادية عشرة من مساء اليوم الخامس عشر من يونيو سنة ١٩٤٠ ، قدم مسيو بول رينو استقالة وزارته إلى الرئيس لوبران ؛ وتقدم الرئيس إلى الماريشال بيتان فى تأليف وزارة جديدة . ومن قد تلك الليلة طلبت الهدنة إلى الألمان ، ووقعت فى الثانى والعشرين من ذلك الشهر . وفى الليلة الواقعة بين الرابع والعشرين والخامس والعشرين وقفت الحرب . وفى يوم الأربعاء العاشر من شهر يوليو وافقت الجمعية الوطنية المنعقدة فى فيشى على قرار يلغى دستور سنة ١٨٧٥ ، ويكل إلى الماريشال بيتان أن يضع لفرنسا دستورا آخر . فسيقول التاريخ - والتاريخ الذى يحصى الحوادث على الأقل - حين يتحدث
عن فرنسا سنة ١٩٤٠ : إن الحكومة الفرنسية رأت بعد الهزيمة أن المضى فى الحرب مستحيل ، فقررت إلقاء السلاح ، ثم رأت أن نظم الحكم كانت من أسباب الهزيمة ، فقررت إلغاء القوانين التى كان يتألف منها نظام الحكم الذى ارتضته الأمة . ونحن حين نحاول عرض الحوادث التاريخية التى تتابعت على فرنسا فى ذلك الوقت لا نريد أن نثير جدالا أو نزاعا ، وبعبارة أخرى : لا نزعم لأنفسنا الحق فى أن نتساءل : أكان من حق حكومة فرنسية أن تمضى عقد الهدنة الذى تم فى الثانى والعشرين من يونيو ؟ . ولا نفصل رأيا من هذه الآراء التى تزعم أنه قد كان من الخير أن تؤلف حكومة فى أفريقيا الشمالية
وأن تمضى فرنسا فى القتال ، وأن ذلك كان أنفع لفرنسا من قبول الهدنة . وحين نعرض للأمر من ناحية الحياة الداخلية لفرنسا ، لا نريد أن ندافع عن دستور سنة ١٨٧٥ ، كما أننا لا نريد أن نقض من هذا النظام الديمقراطى القديم ، ولن نمضى آخر الأمر مع بعض الكتاب الذين يشغفون بدقائق التشريع ، وينكرون أن تكون سلطة الماريشال بيتان قائمة على أساس من القانون ، مهما يكن حظهم من الصواب . فالحكومة الفرنسية القائمة حقيقة واقعة ، ونحن نريد أن ندرسها بهذا الاعتبار . فقد وقعت مأساة ، ومن الممكن أن نحلها دون أن نعرض لنقدها ، فلن يكون النقد الآن بريئا من التحيز ؛ ومن أجل هذا لا نريد أن نصدر حكما ما على واحد من هذين الحادثين العظيمين : وهما وقف الحرب وإلغاء الجمهورية . ونحن نعلم أن عرضا بسيطا للحوادث قد يمكن أن يساق بطريقة لا تخلو من الحكم والنقد . وقد احتطنا لهذا ، ولذلك لانعتمد على مصادر مختلفة ، وإنما تأتى مصادرنا من ينبوع واحد . وقد تحفظنا من كل المعلومات التى تصدر عن بغض منظم للميول الجديدة فى فرنسا . بل على عكس ذلك قد استقينا معلوماتنا من سجل رسمى للحوادث ، ومن مدافع عن النظام الجديد مؤمن به قد كلف بحكم منصبه أن يبين الحقائق للرأى العام . فقد صدرت فى شهر نوفمبر الماضى رسالة خطيرة ، عنوانها (( الحقيقة الكاملة حول شهر خطير من تاريخنا )) . وقد كتبها مسيو جان مونتينى نائب مقاطعة السارت ، الذى كان فى ذلك الوقت سكرتيرا عاما لادارة الاستعلامات . ولسنا نجهل أن مسيو مونتينى قد شارك المسيو لافال فيما أصابه من الاعراض عنه ، ولكنا لم نسمع أن رسالته صودرت ، فنحن نستطيع أن نرى فى هذه الرسالة عرضا رسميا لتطور الحوادث ومواقف الأشخاص .
وأول ما نعرض له من ذلك هاتان السياستان
والشخصان اللذان لعبا أخطر أدوارهما . (( فقد كان مسيو بول رينو ومسيو ماندل قررا أن تترك أرض فرنسا كلها للحقيرين ، الذين لم تكن قوتنا تستطيع أن تصدهم ، وأن تسافر السلطات إلى ما وراء البحار ، حيث تستطيع الحكومة المستقرة فى الجزائر أو فى أفريقيا الغربية أن تمضى فى الجهاد إلى جانب بريطانيا العظمى . ألم يقل مسيو بول رينو فى حديث أذيع فى الراديو : سنجاهد أمام باريس ، سنجاهد وراء باريس ، سنحبس أنفسنا فى أحد أقاليمنا ، فاذا طردنا منه فسنعبر البحر إلى أفريقيا الشمالية ، وإذا اضطررنا فسنذهب إلى مستعمراتنا فى أمريكا )) .
وقبل أن يعتزلا الأمر قدم هذان السياسيان إلى مجلس الوزراء فى السادس عشر من شهر يونيو اقتراحا من المستر تشرشل (( تدعى فيه الحكومة الفرنسية إلى أن تترك أرض الوطن ، على أن يعلن إنشاء اتحاد فرنسى بريطانى يقوم على جنسية مشتركة )) .
ولم يظفر هذا الاقتراح بالأغلبية ، فاضطر مسيو بول رينو فى مساء اليوم نفسه إلى أن يستقيل ، وقامت فى مجلس الوزراء أغلبية جديدة تخالف الرئيس السابق ، وتتبع رجلين قد أزمعا تأييد رأى يناقض رأيه ، وهما الماريشال بيتان والجنرال ويجان . ولم تعرف آراء الماريشال للجمهور إلا فى تصريحاته المتأخرة . فقد تحدث إلى الأمة فى الحادى والعشرين من شهر يونيو فقال : (( إن طلب الهدنة كان شيئا محتوما منذ الثالث عشر من يونيو )) . وقال فى رسالة أصدرها فى الخامس والعشرين من يونيو : (( لقد كانت ألمانيا فى حكم المنتصرة حين أعلنت إيطاليا الحرب )) وكذلك كان رأى الحكومة الجديدة قد استقر على طلب الهدنة ، ومعنى ذلك عند الماريشال العدول عن الذهاب إلى أفريقيا وإقامة سلطة تواصل الحرب . والواقع ان الماريشال أعلن فى الحديث الذى أذاعه حين تولى الحكم ما يأتى :
(( إنما أطلب إليكم وقلبى يتفطر أن تكفوا عن القتال ، فقد اتجهت الليلة إلى العدو أسأله أمستعد هو لنبحث معا كجنديين بعد الصراع ، عن طريق تلائم الشرف وتضع حدا للقتال )) .
ويقول المسيو مونتينى : (( إنه كان يظهر أن مسألة سفر الحكومة من فرنسا قد عدل عنها نهائيا ، مادام الماريشال قد قرر البقاء فى الأرض الفرنسية مهما تكن الظروف )) .
ولكن يؤكد لنا أن رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الشيوخ ورئيس مجلس النواب ، الذين كانوا متفقين على تكليف مسيو بول رينو أمور الحكم وعلى إبقائه رئيسا للحكومة ، كانوا متفقين معه على ترك فرنسا لمحاولة المضى فى الحرب من وراء البحار . ويصف مسيو مونتينى سعى الرؤساء الثلاثة بأنه كان مؤامرة قد دبرت كيدا للماريشال . ونعتقد نحن أن فى هذا غلوا , فما دام دستور سنة ١٨٧٥ قائما ، فمن حق رئيس الدولة ورئيسى البرلمان أن يقدموا إلى رئيس الحكومة ما يريدون تقديمه من الاقتراحات . وإذا كانت هناك مؤامرة بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة ، فقد صدرت عن مسيو لافال ، وقد كان فى ذلك الوقت رجلا من رجال السياسية ليست له صفة رسمية . ولنسجل عرضا ملاحظات صحفى يونانى كان فى فرنسا ، وهو بالطبع يحتمل تبعة ماقال ، وإنما نريد أن نلاحظ أنه يلقى ضوءا على الدور الذى لعبه مسيو لافال فى تلك الظروف ؛ فقد جمع حوله فى غير مشقة مائة من الشيوخ والنواب وأقنعهم برأيه ، فقد كان كثير منهم يرون أنه فى حالة اليأس من الحرب قد تكون الهدنة فرصة سانحة للتخلص من أحزاب الوسط والشمال ، وأخذ السلطة فى غير عناء ولا خوف . ويقول مسيو مونتينى : (( إن مسيو لافال كان يستقبل فى غير انقطاع وفى غير تعب أعضاء البرلمان الذين كانوا يفدون على بوردو ، ويعيد عليهم أدلته وحججه ليقنعهم
بأن الواجب يقضى بالبقاء فى فرنسا ومشاركة الشعب فى محنته )) .
ولم يجتمع البرلمان قط اجتماعا رسميا فى بوردو ، وإنما كان الشيوخ والنواب يلقى بعضهم بعضا فى إحدى الحجرات ، وكذلك تكون بالتدريج شئ يشبه الكومون (١) - كما يقول مسيو مونتينى - وكان له أثر حاسم فى الحوادث . وليس هناك خطر لما اتخذ من المواقف أثناء الطريق ما دمنا نعرف النتائج التى انتهت إليها . على أننا لا نستطيع بحال من الأحوال أن نتحقق من صحة المعلومات الآتية : فقد لوحظ أن أعضاء البرلمان من أحزاب اليمين والشمال - أولئك الذين كانوا يدفعون إلى الحرب - كانوا يرغبون فى ترك فرنسا ، وأن الذين كانوا يقاومون الحرب ويدافعون عن السلم كانوا يؤثرون البقاء . وربما استطعنا أن نأخذ على مسيو مونتينى شيئا من الاسراف حين احتكر لأنصار المسيو لافال خصلة الهدوء ، وأنهم وضعوا قوتهم كاملة تحت تصرف الوطن فى أوقات الخطر .
فنحن مضطرون - مع أننا لم نعتمد إلا على رسالة مسيو مونتينى - إلى أن نسجل أن مسيو لافال كان هو المؤتمر الثائر على أعلى سلطات الدولة . ونحن لا نعنى بهذه الألفاظ أى غض منه أو ازدراء له ، وليست مؤامرته أول مؤامرة أتيح لها النجاح ، وقد اعتمد المؤتمرون فى واقع الأمر على المراوغة ، بل على الكذب ، ليحملوا مسيو لوبران على تأجيل سفره ، فكسبوا بذلك بعض الوقت . ألم يذهب مسيو البير وكيل الوزارة فى رياسة مجلس الوزراء إلى حد أنه أكد لمسيو لوبران فى اليوم الثامن عشر من يونيو أن ألمانيا واحدا لم ينسل إلى الشاطئ الشمالى لنهر اللوار . وهذا هو الذى يسميه مسيو مونتينى فى دعابة طريفة (( غلوا فى التفاؤل )) . وقد علم من حديث صدر فيها بعد عن الماريشال بيتان أن العدو كان قد عبر النهر ، وأخذ
ينتشر فى فرنسا منذ الخامس عشر من هذا الشهر ، أى قبل اليوم المذكور آنفا بثلاثة أيام . وعلى كل حال فقد جعلت الجيوش الألمانية تقرب من بوردو منذ اليوم العشرين من شهر يونيو ؛ وفى هذا اليوم أبلغ مسيو لوبران قراره إلى مسيو البير تليفونيا قائلا : (( ليس من الممكن أن أنتظر أكثر مما انتظرت ، فالألمانيون يقتربون وعربتى تنتظر ، فسأركبها إلى بورفندر ، ومن هناك تحملنى مدمرة إلى الجزائر )) . وواضح أننا لا نضمن دقة الألفاظ التى يرويها مسيو مونتينى ، ولكن إليك نصا رسميا أبلغ إلى النواب بواسطة مسيو بارت أحد المراقبين فى مجلس النواب : (( إن الرؤساء مسافرون إلى الجزائر ، وسيبقى الماريشال بيتان ، ولكنه سيعطى مسيو شوتان التفويض اللازم الذى يمكنه من تدبير أمور الحكم فى الجزائر . وهناك سفينة راسية فى فيردون - وهى ماسيليا - لتحمل إلى مراكش النواب والشيوخ الذين يريدون مرافقة الحكومة ، ولمن شاء منهم أن يبقى فى فرنسا )) ، ولا ينبغى أن ننسى أن مسيو شوتان كان وكيلا لرئيس الوزراء .
ومن هذا النص يظهر أن الماريشال كان يأمر بأن يقال - أو يترك الناس يقولون - إنه لن يترك أرض فرنسا ، ولكنه سيعطى تفويضا للجنة وزارية ضيقة لتحكم فى أفريقيا الشمالية . ونحن مضطرون إلى أن نسجل هذا الموقف المؤقت الذى وقفه الماريشال ، لأننا سنرى الأطوار المختلفة التى مر بها . هذا التصريح الذى ألقاه أحد المراقبين فى مجلس النواب أقلق النواب ، فاجتمعوا فى دار البلدية فى بوردو ، واتخذوا القرار الآتى : (( يجب أن يذهب وفد منهم للقاء الماريشال بيتان لينبئه بأنه على الرغم من الأنباء التى نقلت إليه ستبقى الأغلبية الكبرى لأعضاء البرلمان الموجودين فى بوردو إلى جانبه فى أرض الوطن ، وتعاونه إلى النهاية )) .
وقد استقبل الماريشال هذا الوفد ، وأظهر له رضاه بهذا القرار . وفى مساء اليوم نفسه يوم الخميس ٢٠ يونيو
بينما كان المسيو لوبران يلح فى السفر فورا ، أصدر الماريشال أمره إلى الوزراء ألا يبرحوا بوردو قبل الساعة الثامنة من صباح الغد . وفى الوقت نفسه أبرق إلى هتلر يطلب إليه أن يأمر جنوده باحترام مدينة بوردو إلى الثلاثين من شهر يونيو ، لتستطيع الحكومة أن تناقش فى حرية شروط الهدنة .
فاذا فهمنا الجزء الأخير من هذا النص على وجهه ، فان الأمر الذى صدر إلى الوزراء بألا يسافروا قبل الغد لم يكن إلا مداورة بارعة . كما أن الطلب الذى قدم إلى المانيا إنما قصد به إلى إسقاط الحجة الأساسية التى كان يحتج بها أنصار السفر إلى الجزائر . فقد كانوا يقولون : (( إن قرب الجنود الألمانيين من بوردو لا يسمح للحكومة بالمناقشة الحرة لشروط الهدنة ، فيجب أن تسافر الحكومة إلى ما وراء البحار ، فهناك ليس غير تستطيع أن تجد الأمن الذى يمكنها من أن تعطى إمضاءها مختارة .
وعلى كل حال فقد أبحر بعض أعضاء البرلمان فى الليلة نفسها على الباخرة ماسيليا . فلتلاحظ قبل كل شئ أن هذه المحاولة قد كان مقضيا عليها بالاخفاق إن صحت أخبار مسيو مونتينى ، والظاهر أنها صحيحة أو راجحة على أقل تقدير . وقد ركب الباخرة مع المسيو دلادييه ومندل ثمانية عشر من أعضاء البرلمان ليس غير . وقد عدل مسيو هربو عن السفر فى آخر لحظة ، بعد أن حملت أمتعته إلى السفينة ، كما عاد مسيو جانيني رئيس مجلس الشيوخ إلى بوردو بعد أن كان ماضيا فى طريقه بالسيارة إلى بورفندر . ومن المرجح أن بعض الأعضاء الذين كانوا قد ركبوا السفينة تركوها متأثرين بعدول الرئيسين عن السفر . وربما كانت قصة الباخرة ماسيليا طريفة فى نفسها ، ولكن ركابها لا أثر لهم فى الحوادث التى تتابعت ، فلنتركهم إذا .
منذ ذلك الوقت ، ومنذ هذه الليلة نفسها ، يشغل
مسيو لافال المكان الأول فى المسرح إلى أن يتم تعديل الدستور ، وذلك شئ يجب أن يسجل ؛ ذلك أن مسيو لافال منذ ذلك الوقت هو الشخص الوحيد الذى يسعى إلى غاية محدودة دقيقة ، وهى التعاون مع ألمانيا ، وهذه الغاية قد تكون السبب فيما نأمل لاقصاء الماريشال إياه عن الحكم فمنذ اليوم العشرين من يونيو إلى اليوم الخامس عشر من يوليو لا يكاد الماريشال يظهر فى شئ ما ، وإنما يكتفى بامضاء الأوراق الرسمية .
وقد كان هناك خطر لا يزال باقيا أمام المسيو لافال ، وهو اقتناع الرؤساء الثلاثة بوجوب المضى فى الحرب . وفى ليلة ٢٠ يونيو بدأ وفد برياسته الهجوم على مقاومة المسيو لوبران ، ومن المرجح أن أقوال مسيو لافال لم تسجل بالاختزال ؛ ولكن مسيو مونتينى كان يعمل معه أثناء كتابتة لهذه الرسالة ؛ ونستطيع أن نعتقد أنه أطلعه على تجاربها . وإليك أهم أجزاء الحديث الذى وجهه إلى رئيس الجمهورية : (( ليس مكنك أن تسافر ولا ينبغى أن تسافر ، ولن تقبل محال من الأحوال أن تسلك الحكومة هذه الطريقة الملتوية ، فتذهب إلى أفريقيا لتمضى فى حرب قد ثبت أنها غير مجدية . ألست تفهم أنه إذا سافر رئيس الدولة ورئيسا البرلمان والوزراء فان الذين سيبقون هنا من الوزراء لن يكون لهم من الثقة والسلطة ما يمكنهم من أن يتكلموا باسم البلاد ؟
(( بل هناك أكثر من ذلك ، فان رئيس الجمهورية إذا حمل معه أختام الدولة فهو يحمل معه حكومة فرنسا ، ويصبح وحده صاحب الكلمة فى السياسة . وإذا فهناك سياسة قد رفضتها الحكومة وهى سياسة رينو وتشرشل ، أفتريد أن تستأنف هذه السياسة منتهزا فرصة السفر إلى أفريقيا ؟ . ولست أعرف لك الحق فى هذا مهما تكن التعلات ومهما تكن المحاولات . إن رجلين اثنين هما الجنرال ويجان والماريشال بيتان يملكان وحدهما الحق فى أن يقولا أيمكن أن تستمر الحرب . إنك إذا تركت هذه
الأرض - أرض فرنسا - فلن تضع قدمك فيها آخر الدهر . نعم حين يعرف أنك اخترت هذه الساعة الخطيرة التى تلقى فيها فرنسا أقسى ما عرفت من الآلام لتترك أرض الوطن ، فستنطلق الألسنة بكلمة واحدة وهي كلمة الفرار . . . بل ربما انطلقت بكلمة أقسى من هذه وهى كلمة الخيانة . . . إن واجبك يا سيدى الرئيس هو أن تقفو أثر المريشال . إنى أعلن ذلك إليك - وأقبل كل نتائج هذا الاعلان التى قد تتصل بشخصى - لن أذعن لك إذا . إنما سأحتفظ مع زملائى بحريتنا ، وسنصرفها فى خدمة وطننا ، إذا أردت أن تسافر فهذا حقك ، ولكن لا ينبغى أن تسافر إلا بصفة شخصية ، يجب أن تستقيل )) .
وبعد دقائق أراد مسيو لافال أن يظهر بعض أعضاء البرلمان على مسعاه هذا فقال : (( مهما يكن من شئ فإننا سنعتبر الرحيل عن فرنسا أشد أنواع الفرار خطرا ، فلنجتمع متعاونين حول الماريشال لندافع عن الوطن . )) وكذلك ربح مسيو لافال الموقعة ، واعتقد الماريشال أنه يستطيع أن يختاره وزيرا للدولة ، وقد وقع الذئب فى الغنم . وإذا كان مسيو لوبران قد قبل العدول عن ترك فرنسا فانه فى الوقت نفسه قد استطاع أن يحكم على شخصية لافال . فلنسمع ما يقوله مسيو مونتينى : (( لقد رفض رئيس الجمهورية امضاءه لأول مرة منذ نهض بأعباء الرياسة . ولم يكن بد من أن يجدد الماريشال سعيه ويلح فيه إلحاحا شديدا ليظفر بهذا الامضاء . )) وسنرى مسيو لافال نفسه يتدخل بنشاط شديد أثناء تعديل الدستور بل هو الذى سيفكر فى هذا التعديل ويعده . يقول مسيو مونتينى : إن بين الذين كانوا يظهرون القلق على المستقبل بحق كان مسيو بيير لافال . يرى أنه لإنقاذ ما كان يمكن انقاذه - وهى جملة كان يرددها كثيرا - ولتخرج فرنسا ببعض الخير من كل هذه الكوارث ، يجب عليها أن تغير نظمها السياسية تغييرا أساسيا . ( يتبع )

