الرجوع الى الباطل خير من التمادى فى الحق ...!
(بنفيتو تشليني Benenut Cellini من كبار رجال الفن الإيطالى فى عهد النهضة، ولد فى مدينة فلورنسا عام ١٥٠٠ وتوفى بها عام ١٥٧١ وقد نبغ أولا فى صياغة الذهب والفضة صورا وتماثيلا غاية فى الدقة والجمال. وبعد ذلك استطاع النبوغ فى صناعة التماثيل من الحجر والبرونز، وقد عاش فى روما وباريس حيث دعاه فرانسوا الأول ليعمل عنده، وقضى الشطر الأخير من حياته فى وطنه فلورنسا، وله مؤلفات فى الفنون التى مارسها، وله كتاب ضمنه مذكرات عن حياته الحافلة بالحوادث وعلى إحدى هذه الحوادث قد بنيت القصة التالية)
الرجوع إلى الباطل، خير من التمادى فى الحق ... ذلك هو الدرس القاسى الذى ألقاه القضاء الساخر والقدر الجائر على فنان فلورنسا العظيم بنفنيتو، تشلينى، فى يوم بدأ ضاحكا وانتهى عابسا متجهما ...
ذهب الفنان إلى الحجرات الخاصة فى قصر دوق فلورنسا، ليشرف على الأعمال الفنية التى كلف القيام بها: من تزويق وتنميق فى الجدران والاثاث، وتحلية بالذهب والفضة، ومن نقوش بديعة وتماثيل بارزة ... ولم يكن فى فلورنسا كلها فكر ابرع، ولا يد اقدر من فكر بنفنيتو تشلينى ويده، ذلك الرجل الذى لم يكفه أن نبغ فى صياغة الذهب والفضة والأحجار الكريمة، فآتى فى هذا الضرب من الفنون بالرائع الساحر، بل أراد أن ينافس المثالين والنحاتين فى صناعة التماثيل الضخام، ينحتها من الصخر أو يصبها من البرونز. فكان له ما أراد، وبات نابغة زمانه فى الصناعتين الدقيقة والجليلة.
وكان يحلو لدوق فلورنسا أن يمر به وهو يتشغل وعماله فى الجناح الخاص بقصر الأمير، فيتحدث إليه عن الفن وعن رجاله وأنصاره. ويناقشه فى رأى ارتآه الفنان أو خطة أراد رسمها.
وكان بنفنيتو حلو النادرة، سريع البادرة، فى شئ من غرور النوابغ وغطرسة الواثق بنفسه.
وفى اليوم الذى نحن فى صدده، جاء الدوق فتحدث إليه قليلا، ثم عاد لينظر فى بعض أمور الدولة ... وسألت الدوقة عن تشلينى، فقيل لها انه جالس وحده يشرف على الأعمال التى يقوم بها فى جناح الأمير الخاص، فلم تمض لحظات حتى كانت الدوقة جالسة تتحدث إلى تشلينى وتطرى ما قام به من أعمال الزينة فى قصر الأمير، ثم أرته عقدا من اللؤلؤ يشتمل على ثمانين لؤلؤة وقالت: أيعجبك هذا العقد؟ قال: انه لعقد جميل يا مولاتى! قالت فأنى أريد أن يشتريه الدوق لى. فلابد لك أن تقول له ما شئت فى مدحه والإشادة بذكره، وان تبالغ فى إطرائه ما استطعت إلى ذلك سبيلا.
كان تشليني يظن أن الدوقة قد اشترت العقد وقضى الأمر. ولهذا بادر إلى مدحه وإطرائه، أما الآن - واللآلئ لم تشتر بعد - فقد رأى واجبا عليه أن يطلعها على ما يراه فيها من عيوب، ولم يكن فى فلورنسا كلها اقدر منه على نقد الجواهر واللآلئ، ولا ابصر بمواضع العيوب منها.
فقال مولاتى! حسبت العقد ملكا لك فبادرت إلى مدحه فإما وأنت تهمين بشرائه، فإنى أرى لزاما علي أن أطلعك على ما به من عيوب بينة تحط من قدر هذه اللآلئ. ومن اجلها لا أستطيع أن أنصحك بالشراء..
قالت: لقد رضى التاجر صاحب هذه البضاعة أن يبيعنا إياها بستة آلاف دينار. ولو لم تكن تلك العيوب الطفيفة التى تذكرها لما رضى بأقل من اثنى عشر ألفا.
فجعل تشلينى يبذل النصح الثمين. ويقول للسيدة الكريمة أن هذه اللآلئ لو كانت خالية من كل عيب، وبالغة أقصى غاية الكمال، لما جاز لأحد أن يدفع فيها اكثر من خمسة آلاف. فأما وقد اشتملت على هذه النقائص فأنها لن تساوى نصف هذه القيمة. وفوق هذا كله، فأن اللآلئ ليست كالأحجار الكريمة نفاسة وقيمة. إنما القيم النفيس هو الماس، والياقوت، والزبرجد، والعقيق، والفيروز، هذه هى الأحجار الكريمة التي تزداد على مدى السنين رونقا وبهاء. أما اللآلئ فليست سوى قطع من محار البحر، وعظام السمك، لا تلبث أن تفقد بهجتها ورونقها بعد سنين قلائل!
لكن الأميرة كانت صلبة كصلابة الماس، وقد وطنت النفس على حيازة هذا العقد. وفى رأسها عينا امرأة قد بهرهما لمعان اللؤلؤ. فأوحتا إلى قلب المرأة الذى بين جوانحها، فإذا القلب قد اشتهى ذلك العقد، واتخذ لحيازته إرادة لا تثنى، ورغبة لا تقبل الجدل، ورأى تشلينى انه غدا بين نارين، فاما أن يغضب الأميرة أو يخدع الدوق ...
فقالت له: هون عليك الامر، فانا الضمينة بأن الدوق لن يمسك بسوء، بل وستنال أجرك منى يوم تغدو هذه اللآلئ لى. وقد وطنت النفس على إحرازها. فاذهب بها الآن إلى الدوق. وأطنب فى مدحها ما استطعت.
كان من اكبر ما يفخر به تشلينى الصراحة والأمانة، ولقد طالما جنيت عليه الأولى، وأفقدته الثانية شيئا كثيرا من المكسب والمغنم؛ ومن قبل ما جنت عليه صراحته يوم كان فى بلاط فرنسوا الأول ملك فرنسا. فرأى نفسه فجأة وقد غضبت عليه مادام (ديتامب) معشوقة الملك، أصبحت له عدوا عنيدا، لا تجدى مع عدواتها صداقة أحد، حتى ولا صداقة الملك نفسه ... فلم يلبث أن اضطر إلى مغادرة اكبر ملوك العالم أغناهم وأسخاهم. والآن أيغضب الدوقة العظيمة، دوقة فلورنسا! من اجل كلمة تريد أن يقولها، فيرتكب فى فلورنسا - وطنه العزيز - ما ارتكبه فى فرنسا من قبل؟ ويفقد ما ناله فى قصر الدوق من حظوة ومن مقام رفيع؟
تناول العقد، ومشى به إلى الدوق - وقد عزم على أن يقول كلمات قلائل يمدح بها العقد، ولعل الدوق أن يغفر له هذه الخطيئة من اجل الأميرة. . فلما رآه الدوق قال - ما الذى جاء بك يا بنفنيتو؟
قال - عقد جميل من اللؤلؤ أردت أن انصح مولاى بشرائه فأنى ما رأيت غمرى ثمانين لؤلؤة كريمة قد نظمت فى عقد بمثل هذا الحسن الباهر، وهذا التنسيق البديع.
قال الدوق - ما أنا بالذى يشترى لآلئ مثل هذه، فلقد رأيتها من قبل، فلم يرقنى منظرها ولا حسنها. وما هى بالنادرة كما تزعم ولا النفيسة!
قال - عفوا يا مولاى! أنها وايم الحق درر غوال، ولا أعرف أن عينا رأت عقدا منظوما كهذا العقد، حوى دررا كهذه الدرر! قال الدوق - والله يا بنفنيتو! لو إن هذه الدرر من النفاسة بحيث
تذكر لما ترددت فى شرائها؛ فإنني فى حاجة أبدا لإحراز هذه الجواهر الثمينة، حبا فى إحرازها، وإرضاء للأميرة زوجى، ولكى تكون هذه الكنوز ذخرا لأبنائنا وبناتنا، وأنا اعلم انك ابصر الناس بهذه الأمور، وأن عينك لن تخطئ فى نقدها وتقديرها. كذلك اعلم انك رزقت الصراحة فى القول، والأمانة فى النصح، فاصدقنى الخبر، ولا تخشى بأسا! هل تنصح لى حقا بشرائها؟
أصغى تشلينى إلى كلمات مولاه، فكأنما سقط عن كاهله عبء ثقيل. لقد كان يمدح تلك اللآلئ بلسانه ويلعنها بقلبه. وكان يعلم وهو يطريها أن هذا المدح يذرى به كفنان له رأيه السديد فى تقدير الجواهر، ويذرى به كرجل أتخذ الأمانة والصدق شعارا. لهذا انكشفت عنه الغمة حين سمع الدوق يناشده الصدق والصراحة، وقال: أنى لأخشى يا مولاى - إن صدقتك الخب ر عن هذه اللآلئ - أن يشتد علي غضب مولاتى الدوقة، وتصبح لى من ألد الخصوم، فاضطر إلى مغادرة فلورنسا - وطنى المحبوب - مرة أخرى. واليوم قد تقدمت بى السن فأن مغادرة الوطن على شئ عسير. فاستحلف مولاي أن يحمينى سخطها؛ إذا لم يضمن لى رضاها! ولقد وعدتنى مائتى دينار إن أنا استطعت إقناع مولاى بشراء تلك اللآلئ. وقد كان خوفى من غضبها اكبر من طمعى فى جائزتها. أما الآن وقد ناشدنى مولاى الصدق، فإنى لا يسعنى إلا أن اخلص فى النصح: إن شراء هذه اللآلئ بذلك الثمن صفقة خاسرة. فإنها لا تساوى اكثر من ألفى دينار؛ فإذا كان لا بد من شرائها فلا يدفع الأمير فوق هذا القدر درهما واحدا.
قال الدوق - كن مطمئنا! إن الدوقة لن تعلم شيئا مما قلته لى الان، ولن يمسك منها آذى. وسأذكر لك أبدا هذا الإخلاص فى النصيحة!
عند ذلك دخلت الأميرة؛ وقد ظنت أن قد مضى من الزمن ما يكفى لإقناع زوجها بشراء العقد. وأن قد آن لها أن تضم صوتها إلى صوت الفنان فقالت:
- عسى أن يكون مولاى قد راقه هذا العقد النفيس فأنه قلما وقعت عين على عقد يضاهيه حسنا ورونقا، وما اشد رغبتى فى اقتنائه وادخاره!
- لست ارغب فى شرائه. - لماذا يضن على أميرى الكريم بهذا العقد الثمين؟
- لأنى لا أريد أن تذهب أموالى هباء.
- أيظن مولاى ان أمواله تذهب هباء، حين يقتنى بها دررا غالية كهذه الدرر التى قل ان يكون لها فى العالم نظير؟ كيف وان بنفينتو نفسه - الذى يضع فيه مولاى بحق كلثقته - قد رآها فبهرته وسحرته، وقال إن الأمير لو دفع فى هذه اللآلئ ستة آلاف دينار لكانت صفقة رابحة.
قال الدوق: إن بنفينتو لم يقل شيئا من هذا. بل لقد ذكر لى الساعة إنها لآلئ خسيسة؟ وان شراءها مضيعة للمال. انظرى أنت إليها! إنها ليست مستديرة، وليست متساوية فى أحجامها. وكثير منها قديم فقد الرونق الحسن. تأملى فى هذه ... وهذه كلا ... أنى لن ارمى بأموالى من اجل هذه السفاسف.
دهش تشلينى حين سمع الدوق يخاطب زوجه بهذه الصراحة ويفشى لها سره، ولم تمض لحظات على ائتمانه عليه.
ونظرت إليه الدوقة نظرات تلتهب فيها نار الغيظ. ثم خرجت من الحجرة وهى تهز رأسها هزة الثائر المتوعد. فاستولى الرعب على الفنان وجعلت الحجرة تدور أمام عينيه. وكاد ان يغشى عليه.
وعاد فى ذلك المساء إلى داره مهموما منكس الرأس ... وقد هم ان يعد العدة لمغادرة فلورنسا ليلتمس الرزق فى غيرها من المدائن ... ولكنه رأى أعماله التى اخذ ينشئها، وعز عليه أن يتركها لتهمل وتنسى. أو ليتناولها أعداؤه بالمسخ والتشويه. وعز عليه خاصة ذلك التمثال الضخم الذى أوشك أن يتمه، والذى يمثل فرساوس قابضا على رأس الميدوزا - وهو يعد اليوم من أبدع مخلفات عهد النهضة - اجل، عز عليه أن يترك أعماله هذه التى يوشك أن يتمها. ويوشك أن يزداد بها صرح الفن علوا وشموخا.
لو إن هذا الحادث جرى له فى شبابه لبادر إلى مغادرة المدينة فى ساعته تلك، أما اليوم وقد نيف على الخمسين فقد رأى ان يتريث قليلا، لعل الدوق أن يستطيع حمايته ونصره، وان يصلح ما بينه وبين الأميرة.
وفى اليوم التالى غدا تشلينى إلى قصر الدوق لعله يلقاه كسابق عادته. ولكنه لم يكد يبلغ القصر، حتى لقيه اعوان الدوقة، واضطروه لان يعود أدراجه بعد أن نال منهم شئ كثير من الإهانة والعنت. واضطر الفنان ان يلزم داره أياما لا يكاد يجرؤ
على مغادرتها. ومن قبل كان الدوق يأمر حجابه بأن يفتحوا له أبواب القصر فى أى وقت شاء، وألا يحولوا بينه وبين الأمير. أما اليوم فان الدوقة قد أمرت بعكس هذا. وأمرها النافذ ..!
وزار تشلينى أحد الأصدقاء، فأنبأه بأن الدوق قد اشترى ذلك العقد! اجل، ولقد دفع فيه ستة آلاف من الدنانير الذهبية راضيا طائعا ... ذلك أن الدوقة حين أعيتها الحيل. أمسكت العقد بيدها، وجثت بين يدى زوجها، وتناثرت من جفونها درر غوال كانت اكثر بهاء واشد وقعا فى نفس الأمير من درر ذلك العقد! وقالت له وهى تنتحب، إنها إذا حرمت ذلك العقد فقد حرمت كل سعادة، وقد كتب عليها الشقاء والذل مدى الحياة. وسيعلم الناس جميعا أن الأمير زوجها العزيز، وسيد أمراء إيطاليا، الذى تفتديه بروحها، قد بخل عليها بعقد من اللؤلؤ. وإنها لن تطيق الحياة متى علم الناس بما هى فيه من هوان وبلاء! ... عند ذلك أمر الدوق - لساعته - بشراء تلك اللآلئ ... ولم يكد يفعل حتى رقأ دمع الأميرة وأبرقت أساريرها، وابتسمت عن لؤلؤ آخر، كان فيه للملك خير عوض عن اللؤلؤ الذى اشتراه.
ومضى تشلينى إلى القصر، وهو لا يكاد يصدق ما سمعته أذناه. فراه الدوق مقبلا، فأمر بان يؤتى به إلى حجرته. فلما مثل بين يديه، قال من غير تلطف ولا مجاملة:
ويحك يا بنفنيتو أيها الشقى! كيف بلغت بك الجرأة أن تغضب الدوقة مولاتك، التى طالما أيدتك ونصرتك؛ فجعلتنى اعرض عن شراء تلك اللآلئ النفيسة! يالك من شقى لا يعرف معنى للوفاء والإخلاص! اذهب أيها التعس الآن إلى حجرة الأميرة، واجث على قدميك بين يديها. واسألها الصفح والمغفرة عن جريرتك. وارجع إلى الحق أيها الجاهل. فان الرجوع إلى الحق فضيلة ... وعساها تصفح عنك وتعفو عن خطيئتك!
وفتح تشلينى عينين ملؤهما الدهشة والحيرة - مولاى أى حق ... ! - لا تنبس أيها الشقى بكلمة. واذهب الساعة فافعل ما أمرتك به.
ومضى تشلينى مطرقا برأسه يمشي فى بطء شديد ليلتمس من مولاته الصفح. لان الرجوع إلى الحق فضيلة ...!؟
