الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 308الرجوع إلى "الرسالة"

صورة

Share

اقتصرت في مقالي السابق على إلقاء نظرة إجمالية على رواية (المال والبنون)  لمصنفها الأديب فهيم حبشي، لأنها لا تستحق  أكثر من ذلك، وما عدت إلى ذكرها ثانية إلا لأقول كلمة إجمالية  في جميع الروايات الموضوعة وذلك بمناسبة رواية     (الموءودة)    التي بعث بها إليّ مؤلفها الفاضل يسألني رأيي فيها وقد وأدتها لجنة  التحكيم في مباراة التأليف المسرحي.

يحسن بي قبل الإجابة أن أسأل:   (ما هي الرواية؟)

يقول أعلام النقد أن الرواية تبسيط حادث خيالي؛ وأن حاجتنا  إلى تبسيط الحادث الخيالي المفرغ في قالب رواية ضرورة لازمة،  لأن حياتنا الاجتماعية تمضي في عالم فوضى لا ارتباط فيه  ولا تناسب ولا انسجام، وأن الروائي البارع هو الذي يتخيل  ويتمنى ويعمل على إخضاع عالمنا لشرائع العقل ويجعله منظماً نفهمه  بحسِّنا لا بقوته الخفية المظلمة ولا بكائناته المشوشة المختلطة.

فالرواية كما ترى نجدة نستنجد بها لتمكننا من مقاسمة  الانفعالات الاجتماعية دون أن تجعلنا نتعرض لعواقب هذه  الانفعالات، وخيال الروائي الذي استنبط حادثة ما   (سواء  كانت ذاتية أو موضوعية)  إنما هي تصور حالة في نفسي أنا،  أو في نفسك أنت واقعة فعلاً، أو هي محتملة الوقوع، استعان  بها على إبراز خياله بخلق أشخاص مدركين يقدرون تقديراً قياسياً  ويَعوْن وعياً نفسياً اضطرابات الإنسان وقلقه وخلجات عواطفه  وضوابط نفسه وأحكام عقله.

ولأجل أن يكون الحادث الخيالي الذي ابتكره ذهن الروائي  البارع كاملاً، وتكون الرواية تامة لابد لها من عنصرين عنصر  الحياة ببساطتها، وعنصر القدرة على تبسيط البسيط من صور  الحياة. ولا محيص لها أيضاً من الاعتماد على عنصر ثالث يقوم عليه  البناء العقلي وفق النظام وفي حيز الطبيعة البسيطة وصورها وألوانها.

هذه الرواية هي التي تعيدنا إلى ذواتنا فتجعلنا نسمع ونرى  فيها هواتف الضمير، وهمهمات الانفعالات، والصور الكامنة  في النفس مجلوة واضحة مسوقة على ألسنة ممثلين وممثلات خلقهم  الروائي ودربهم على تحويل صور الخيال إلى حقائق بسيطة سهلة  ترتسم في الذهن وتنطبع فيه وتقسره على إطالة النظر وإعمال الروية.

في وسعي أن أقول عقب ذلك بدون تردد إن جميع الروايات  الموضوعة التي مثلتها الفرقة القومية منذ تكونها إلى يومنا هذا  تنقصها العناصر الأساسية للحياة، والفن، والأدب، وأن  حضرات مؤلفيها الأفاضل يشبهون في محاولاتهم   (نبيّن زين)   يطرحون ودعاتهم في الأرض ويرتجلون، وفق وضعية كل  ودعة، كلاماً هو عصارة الذهن الكليل بله الهرف والتخريف.  أجل كلهم عرّاف أعطاك ما جاد به خاطره من كلام مفكك  الأوصال أسماه   (الحوار)  ومن جمل خطابية رنانة في الدين  أو الأخلاق وأمثال ذلك مما تسميه العامة   (لبن سمك تمر هندي) .  في حين أن الرواية هي كقطعة موسيقية تعزفها جوقة من  النافخين في الأبواق ومن الناقرين على الأوتار والضاربين الطبول  والصنوج، وأنت إن أرهفت سمعك وكنت من أصحاب الوعي  والذوق والشعور، تحس بنغمة هادئة ناعمة تبدو كالهمسة  الرفيقة تربط الأصوات النابرة في هذه الآلات وتوحد فيما بينها

توحيداً بارعاً يجعلها كالروح الشائعة في الجسد. فهذه الوحدة  في القطعة الموسيقية هي التي تغمرك بفيض من النشوة تجعلك  ترتفع إلى مقام الغبطة بغيبوبة الفرح، وهكذا الرواية لابد لمصنفها  من خلق وحدة فكرية تدور حولها الوقائع والأشخاص.

وأنت يا صاحبي مؤلف رواية     (الموءودة)   التي افتتحتها  بآية من الكتاب الكريم:   (وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب  قتلت)  أنت واحد من هؤلاء الذين طرحوا ودَعاتهم أمام لجنة  التحكيم، فكان من دواعي الصدف العمياء أن حكمت بردها،  فأبيت إلا التمرد على هذا الحكم فطبعت الرواية أي أنك سجلت  على نفسك واقعة أدبية غير موفقة.

أزعم أن الذي شجعك على اتهام لجنة التحكيم وأغراك بطبع  الرواية هو أن الفرقة القومية قبلَت ومثلت روايات من نوع أردأ  من (الموءودة) نذكر منها على سبيل المثال رواية (اليتيمة)   غير أن سبيل النجاح يا صاحبي ليس في الانحدار إلى الوضاعة  ومحاكاتها بل في التطلع إلى الكمال.

حدثني أديب كان قد توفر لكتابة القصة والرواية وانقطع لهما  قال: أتمنى لو يكلف مدير الفرقة كبار الأدباء بتأليف روايات

للمسرح وأن يغريهم بالأجر المناسب، فمبلغ ثلاثمائة جنيه  للرواية الموضوعة يرضي الأديب ويجعله ينقطع طول السنة  إلى كتابة روايته. والرواية التي يكتبها الكاتب الكبير تحمل  على كل حال الشيء الغزير من أدبه الخاص واطلاعه العام،  والمران على كتابة الرواية يبعثه مرة بعد مرة على الإجادة  والإبداع. وقد ذكر لي حادثة أدبية من هذا النوع حدثت  في فرنسا قام بها مدير   (الكوميدي فرانسيز)  مع الكاتب  المعروف أندريه مورياك وقال مستدركاً: صحيح أن الخصائص  الفنية الأساسية لم تتوفر كلها في رواية مورياك التجريبية  ولكنها ستتوفر كلها في الرواية التالية ولا شك. وقال  أيضاً: يجب ألا يحول مثل هذا التكليف دون إغراء  الشباب الناشئ على محاولة كتابة الرواية واشترط لذلك  إيجاد العزيمة عند مدير الفرقة وأن يكون حسن الظن  بالكاتب المصري وبالشباب المصري أيضاً. الرأي وجيه سديد، ولكن لابد أولاً من تطهير الفرقة

من النكبات المحيقة بها، وغسل السخائم المتأكسدة في أذهان  القائمين على إدارتها، وتفهيمها أن المؤلف هو روح الفرقة، وأن  البلد بأدبه وأدبائه في ألف خير، وأن إنفاق ثلاثمائة جنيه أو أربعمائة  على المؤلف المصري من ميزانية قدرها خمسة عشر ألفاً ليس كثيراً  على من صدقت نيته في إنهاض المسرح المصري على قواعد قوية  من التأليف والتمثيل.

اشترك في نشرتنا البريدية