جعلت دأبى فى كل ما يعرض على من نزاع مدنى أن أبدأ بمحاولة التوفيق بين الطرفين ، لعلى أوفق فى إبرام صلح يسوى ما بينهما من منازعات . وكنت مهما بذلت فى هذا السبيل من وقت أعتقد أنى أنا الرابح يحسم النزاع على هذه الصورة . لأن القضية التى تنتهى صلحا لا تعود فى الغالب إلى المحكمة مرة أخرى ، ولأن الصلح ليست له عقابيل مثل تلك التى تتركها الأحكام القضائية عادة . إذ أن من يصدر عليه حكم قضائى يخرج من المحكمة وفى نفسه مرارة الهزيمة ، فتدعوه غريزة
العتاد إلى أن يطعن فى هذا الحكم . وما أكثر ما رسمته القوانين من طرق الطعن فى الأحكام . . .
فان الحكم إن صدر (( غيابيا )) كان لمن صدر عليه حق (( المعارضة )) فيه . .
وإن صدر (( حضوريا )) قابلا للاستئناف كان له حق (( استئنافه )) . . .
وإن كان فى الحكم الاستئنافى أو غيره وجه ((لالتماس إعادة النظر)) فيه رفع عنه (( التماسا )) . . .
ثم هو من بعد كل ذلك قد يعاود طرح النزاع أمام
القضاء فى صورة ثانية وثالثة ورابعة ، حتى يستنفد كل ما للنزاع القائم من وجوه .
فإذا ما أصبح الحكم نهائيا ، وجاء أوان تنفيذه ، انفتحت أمام الطاعن آفاق جديدة المماطلة والمماحكة ؛ وذلك بأن ((يستشكل)) فى تنفيذ الحكم ، ويكون هذا ((الاشكال)) بدعوى جديدة ترفع إلى القاضى ليفصل فيها . . .
وقد جرى بعض هواة هذا النوع من النضال على أن يسخروا ((أجنبيا)) ليعترض طريق المحضر الذى يقوم بتنفيذ الحكم . وبذلك ينتقل النزاع من ساحة القضاء الأهلى إلى ساحة القضاء المختلط - كل ذلك لأن من صدر عليه الحكم لم يقبله ولم يسلم بآثاره .
وهنا بتجلى الفرق واضحا بين إنهاء الخصومة ((صلحا)) وبين إنهائها ((قضاء)) .
ولقد لاحظت أنه مهما يكن النزاع فى أوله مستعصيا . ومهما تكن نبات الخصوم فى بدء الأمر صلبة متوترة ، فان اصطناع شئ من الصبر ، والدخول بين الطرفين بشئ من الكلام اللين ، وعرض بعض الحلول التى يراعى فيها التوفيق بين المصلحتين ، كثيرا ما كان يؤدى إلى عقد الصلح المنشود ، ويخرج كل فريق راضيا عن خصمه وعن نفسه ؛ اللهم إلا إذا كان هذا النزاع بين أفراد أسرة واحدة ، فهنا كنت أجد أكثر المشقة فى التوفيق . وكانت معظم محاولاتى تصاب بالفشل الذريع ، حتى كاد يستقر بى الرأى يوما من الأيام أن لا أحاول التوفيق قط فى منازعات الأقارب والأصهار ، لكثرة ما بذلت فيها من وقت مضاع ، وما لاقيت فيها من عنت مرهق ، وفشل مطبق .
وإن أنس لا أنس يوما عرضت فيه على قضية أسرة تركية ، توفى عائلها عن مال موقوف ، وعن أطفال صغار. فتعينت أمهم وصية عليهم ، وبقيت تشرف على شئونهم حتى بلغ أحد أولادها سن الرشد ؛ فبدأ يطعن على تصرفاتها فى مال الوقف ، ويشكو منها كوصية على باقى إخوته وظل ينازعها فى هذه الوصاية حتى توصل إلى استصدار قرار من المجلس الحسبى باقامته هو وصيا على إخوته القصر بدلا منها .
وعند ذلك دخل معها فى نزاع طويل على حساب الوقف وغلته ، وما استولت عليه منها لنفسها ، وما أدته إلى المستحقين . فلما عرضت على الدعوى ، شق على نفسى أن أرى هذه الخصومة تقوم بين أم وولدها .
ونازعتنى نفسى إلى فكرة التوفيق بينهما ، فحجزت القضية لآخر الجلسة لأسعى فيها بالصلح بين الطرفين فى غرفتى الخاصة . . .
وأذكر مع الحسرة والندم الشديد أنى على الرغم من طول جلسة ذلك اليوم ، وشدة ما عانيت من الجهد فى نظر قضاياها ، قد طوعت لى نفسى أن أقضى بين هؤلاء القوم ساعة أخرى من الزمن فى عرض الحلول ، وبذل الاقتراحات دون أن أجد عند أى الطرفين أدنى استعداد لقبول شىء من كل هذا الذى كنت أعصر ذهنى فى تقديمه لهما .
وما راعنى آخر الأمر إلا الوالدة وهى تضرب بقبضة يدها على مكتبى قائلة فى لهجة حازمة :
- أفندم ! الخشب خشب ، والرخام رخام ! فسألتها : ماذا تعنى ؟ . . .
قالت : أنت تستطيع أن تدق مسمارا فى قطعة من الخشب ، ولكنك لا تستطيع أن تفعل ذلك فى قطعة من الرخام ، فلا تحاول أن تدخل فى رأس واحد منا
فكرة قبول شىء من هذا الصلح الذى تعرضه
قلت : لا فض فوك يا سيدتى ! فأنى لم أكن أعلم حتى هذه اللحظة أن رأس حضرتك الكريم ، ورأس نجلك العزيز قد جهلا من الرخام !
وأصدرت حكمى فى نزاعهما - ولم يستغرق منى ذلك أكثر من خمس دقائق هى التى حررت فيها أسبابى ، فان الحق كان واضحا فى جانب ابنها ، ولكنى كنت أستحى أن أخذلها أمامه بحكم يجمل يده فوق يدها ، وهى أمه التى حملته ووضعته ونشأته .
على أن كل هذا الحديث الذى سقنه بين يدى القارئ ، ليس إلا مقدمة للحالة الغريبة التى أردت أن أعرضها عليه اليوم ، والتى أثارت فى ذهنى كل هذه الخواطر :
فقد تقدم إلى منذ أمد قريب فى جلسة الجنح اثنان ، كلاهما يتهم الآخر بأنه بصق فى وجهه ، وصفعه فى الطريق العام . . .
وأخذت فى مناقشتهما ، فتجلى لى من أمرهما ما يدعو إلى أشد العجب ، حتى لقد عدت إلى منزلى ظهرا فطرحت أمرهما على صغارى باعتبار أنه ( أحجية ) أريد منهم حلها . قلت :
١ - إذا قيل لكم إن اثنين تباصقا وتصافعا فى الطريق ، فكم تقدرون أن تكون سن الواحد منهما ؟
قالوا : هذان طفلان - ولا شك - يعبثان ! قلت : صفر من عشرة ! فان هذين الاثنين كانا رجلين فى الحلقة الخامسة من عمرهما ، ولعل واحدا منهما كان فى الحلقة السادسة أيضا .
٢ - ثم قلت : وماذا تقدرون أن يكون مركزهما الاجتماعى ؟
قالوا : صعلوكان أمرهما هين ولا شك على نفسيهما وعلى الناس !
قلت : صفر آخر من عشرة ! فانهما كانا مهندسا وجيها ومعلما أنيقا !
٣ - ثم قلت : وماذا تقدرون أن تكون صلة بعضهما ببعض ؟
قالوا : عدوان لدودان ، تأصلت العداوة فى صدور أجدادهما ، فورثها عنهم الحفيدة !
قلت : أصبح الصفر مكعبا ، فهما أخوان نشآ فى بيت واحد وبيئة واحدة !
قالوا : إن كانا أخوبن فلابد أن يكونا غير شقيقين ! قلت : وهذا صفر رابع تطوعتم به . فوالله لقد كانا شقيقين أبوهما واحد وأمهما واحدة !
قالوا : فنبئنا إذا بسبب شجارهما ، فقد أعيانا الحدس فى شأنهما !
قلت : إن لهما أبا شيخا كبيرا يمتلك حوالى ثلاثين فدانا ، فضعفت حواسه ، وتطلع أولاده - وهو ما زال حيا يرزق - إلى ( تركته ) . فطلبت إحدى بناته توقع الحجر عليه ، ورفعت طلبها إلى المجلس الحسبى ، فعين المهندس قيما على والده ، لأنه كان أكبر أبنائه . وعادت البنت فطلبت إلى المجلس أن يقرر لها من مال أبيها نفقة تعيش منها ، فقرر المجاس نفقة لها ولأمها ولبعض إخوتها ممن تجب على الأب نفقتهم ، وكان ذلك بموافقة القيم ، فلم يرض صاحبنا ((المعلم)) عن هذا القرار ، لأنه رأى مال أبيه يتسرب عن طريقه إلى بعض أفراد الأسرة دون بعض ، ففكر فى طريقة يوقف بها تنفيذه ، وهداه تفكيره - سامحه الله - إلى أن ينكر قيام الزوجية بين أمه وأبيه . ومن شأن هذا الطعن أن يعطل تنفيذ القرار السابق ربما يتم التحقيق فيه . وقد تقدم الأخ ((المعلم)) فعلا بهذا الطعن للمجلس ، وتحددت جلسة للنظر فيه ،
وصال فيها الأخوان وجالا ، وأدلى كل واحد منهما بما عنده من الأسانيد . وكان المعلم هو الفائز فى هذه الحلبة ، لأنه حصل على قرار من المجلس بالتأجيل للتحقق من صحة هذا الطعن . فأسرها له اخوه ((المهندس)) ، وغادر الطرفان قاعة الجلسة ، وانتهيا إلى الطريق ، وفى صدر المهندس من الحقد على أخيه ما فيه . فلما خلا به رأى أن يرد عليه تحيته التى وجهها إلى والدته أمام المجلس ، إذ أنكر زوجيتها لوالده بأن بصق فى وجهه ، ومد يده إليه فصفعه على خده .
فما كان من المعلم إلا أن كال لأخيه الأكبر بصقة ببصقة وصفعة بصفعة ، وتكاثر الناس حولهما ، ودخلوا بينهما ، فحالوا دون استرسالهما فى هذا التمدى الشائن ولكنهما أصرا على الذهاب إلى القسم ، حيث شكا كل واحد منهما أخاه بأنه بصق فى وجهه وصفعه . وهكذا
انتهت إلى محكمتى تلك المعركة التى بدأت مناوشتها فى قاعة المجلس الحسى ، ودارت رحاها فى الطريق العام . قال الولد الأكبر عقب هذا الايضاح :
- قبح الله المال ؛ إنه ما دخل بين اثنين إلا أفسد عليهما صلاتهما ، حتى ولو كانا أخوين !
وقال الخبيث الصغير : - الذى أراه أنا أنه لو كانت الوالدة أحسنت تربية هذا ((المعلم)) أيام كان بين يديها صغيرا ، لما سولت له نفسه أن يجحد أمومتها وهو كبير !
أما أنا فلم أعلق بشىء ، ولكن سائحة مرت بخاطرى : وهى أن أول نزاع وقع على ظهر الأرض كان ذلك الذى حدث بين قابيل وهابيل . .
غفر الله لأولهما . . . وعلى ثانيهما السلام !

