أتينا فى كلة الأسبوع الماضى التى نشرناها تحت هذا العنوان على مثالين من أمثلة المتهمين الذين يقدمون إلى المحكمة لتوقيع العقوبات عليهم ، فى حين أنهم أحوج ما يكونون إلى الطبيب الذى يكشف عن علتهم ليضع بعلاجه حدا لمتاعبهم وانحرافاتهم .
وكنا قد وعدنا فى نهاية الحديث السابق أننا سنعود إلى إيراد مثال ثالث يوضح كيف تكون الجريمة ثمرة لعلة من العلل النفسية بعد أن أوردنا فى المثالين السابقين ما يبين كيف أن الجرعة فى بعض الآحيان تأتى بسبب علة من علل الجسد . وفى أحيان أخرى تكون نتيجة لعلة من العلل الاجتماعية ؛ وقلنا إن أمثال هؤلاء المتهمين ليسوا إلا ( أغناما ضالة ) قد يعود بهم إلى القطيع نداء رفيق ، ولكن لا يعود بهم إليه أبدا رفع العصا فالآن نسوق حديث (( العنزة الثالثة )) . . .
كانت التهمة هذه المرة أن فتاة اعتادت أن تسرق كل ما تصل إليه يدها من متاع زميلائها فى المدرسة . فهى لا تكاد تحس أنها انفردت وحدها بمتاع زميلة لها حتى تعنى فيه مفسدة وتختار لنفسها منه ما يحلو لها . . . تارة تسرق منديلا جميلا ، وتارة تسرق شريطا من الحرير . وطورا تسرق كتابا مصورا ، وطورا تسرق كيسا من أكياس النقود .
وقد كشف البحث فى أمر هذه الفتاة عن أن أمها كانت تفضل عليها إخوتها فى المنزل قبل أن تبعث بها إلى
المدرسة ، وإلى أنها كانت تحرمها مما تعطى منه إخوتها وإلى أن هذا السلوك كان يؤلمها ويحز فى نفسها ، ويثيرها على إخوتها ، ويجعلها تود لو انتقمت منهم على استئثارهم بعطف أمها . . .
وعلى قدر نفور والدتها منها كان حنو والدها عليها . وعلى قدر اشمئزازها هى من كل ما كان يحيط بها فى المنزل كان حبها لأبيها وتعلقها به وطاعتها إياه .
وحدث بعد ذلك أن توفى هذا الوالد الحنون ، لأنه كان مريضا بالسل ، فضافت الدنيا فى وجه الفتاة ، وكانت تعتريها بعد هذه النكبة نوبات عصبية تشبه الصرع ، ثم توفيت أمها بنفس المرض ، فتولى هم لها كفالتها هى وإخوتها ، وبعث بها إلى المدرسة . وهناك ظهرت عليها أعراض هذا الداء الوبيل .
وليسمح لى القارئ هنا أن استطرد إلى بحث قصير لابد منه قبل متابعة هذه الحالة . . .
يقول بعض علماء النفس إن الجريمة ترجع فى أصلها إلى عجز المجرم عن تنسيق غرائره ؛ ويوضحون ذلك بقولهم : إن هناك ثلاث غرائز تقع فى المرتبة الأولى بين غرائز الانسان وهى :
(( غريزة البقاء )) - التى تدفعه إلى طلب الطعام . و (( غريزة التناسل )) - التى تبعثه فى طلب الجنس الآخر .
ثم (( غريزة الاجتماع )) - التى جعلت الأوائل يقولون إن الانسان مدنى بالطبع ، لأن هذه الغريزة هى التى تجعل الانسان يسعى فى طلب الناس ليندمج فيهم ويعيش بينهم ، ويتخذ عاداتهم ويتخلق بأخلاقهم .
فإذا اصطدمت (( غريزة البقاء )) مثلا (( بالغريزة الاجتماعية )) وعجز الانسان عن التوفيق بينهما ، فانه عادة
لا يبالى هذه الغريزة الأخيرة . وبندفع وراء تحقيق غريزته الأولى - وهى (( غريزة البقاء )) ، فيتعدى على مال الغير إيثارا لنفسه . . .
وهذه هى الجريمة فالجريمة - كما يقولون - لا تعنى شيئا آخر سوى عجز الفرد عن التوفيق بين (( غريزنه الاجتماعية )) وبين غريزتى (( البقاء )) و (( التناسل )) .
ومن شاء أن يعالج الجريمة من أساسها فعليه أن يحول دون وقوع التصادم بين (( الغريزة الاجتماعية )) وغريزتى (( البقاء )) و (( التناسل )) .
ولا يكون ذلك إلا بتنظيم المجتمع بحيث تتاح لكل أفراده فرص مناسبة للحصول على العيش ، وللزواج فى سن ملائمة ، ويبقى بعد ذلك أن ينشأ الناس على التعاون لكى يعيشوا فى انسجام ووفاق .
وما دام الجنون هو اختلاط العقل وسوء التفكير وضياع الاتزان بين الغرائز المختلفة ، فهو ولا شك أصل من أصول الجريمة . وليس الجنون المقصود هنا هو الجنون الذى يذهب بعقل الانسان جملة واحدة ، ولكن المقصود هو أنواع الجنون الخفيفة - والجنون أنواع أو فنون - كما لا بد أن يعرف العقلاء أيها القارئ الحكيم . وأخف أنواع الجنون هو (( النيوروز )) أى ((جنون العواطف )) ، وقل أن يخلو إنسان من أن تصيبه لوثة من هذا (( النيوروز )) فى وقت ما . . .
والإنسان فى هذه الحالة يعرف أنه مريض وأنه فى حاجة إلى علاج ، ويشعر أنه غير راض عن أعماله التى بأتيها ، وهو تحت تأثير هذه النوبة . ويود لو استطاع أن يكبح جماح نفسه ، ويردها من المضى فى هذا الطريق الذى يعلم هو أنة غير مستقيم ؛ كما يعلم أن الناس يحتقرون من يسلكه ويعاقبونه ، ولكنه مع ذلك تراه فى معظم
الحالات لا يطيق أن يقلع عن مزاولة هذه الأعمال المرذولة
ولعل أوضح أمثلة هذه الحالة الخفيفة من حالات الجنون ما يسمونه (( كليتومانيا )) - أى جنون السرقة - وليس بعيدا عن أذهان القراء ذلك الحادث الذى اتهمت فيه فتاتان تنتميان إلى أسرة محترمة بأنهما دخلتا محلا لبيع الجواهر ، وسرقتا منه حلية ثمينة ، وقيل يومئذ إن تلك الحادثة لم تكن أولى حوادثها ؛ وليست الجواهر وحدها هى التى تثير هذا الجنون فى نفس مرضاه ، فان أرقى السيدات وأغناهن قد يصيبهن مس من هذا الجنون ، فتراهن يسرقن من المحلات التجارية أتفه السلع مما قد لا يكون لهن به حاجة ، منديل أو جورب أو مشط أو نحوها . ونوادر هذه السرقات لا يمكن أن تقع تحت حصر ، وهى تقع كل يوم بين أيدي رجال البوليس ، ولكن يمنع من وصول هذه القضايا إلى المحاكم عادة أن مشاكلها تسوى قبل أن ينتهى تحقيقها ، وأن الظروف تقتضى حفظها والتستر على أصحابها !
ولنعد الآن إلى تلك الفتاة المسكينة التى فقدت أبويها وبيئتها الأولى ، ولكنها بقيت محتفظة بميراث معيشتها فيها ، ذلك الميل الذى لا يقاوم إلى سلب زميلاتها أشياءهن ونقودهن ، كأنما تثأر لنفسها فى أشخاصهن من ذلك الحرمان الذى كانت تلقاه من والدتها ، وإيثارها لإخوتها عليها . وقد عولجت هذه الفتاة أول الأمر بإخراجها من مدرستها ، وإيداعها فى مدرسة أخرى بعد أن وضعت عليها رقابة خاصة ، لا تتيح لها هذا الانفراد الذى كان بغريها بالسرقة . ولكنها مع ذلك لم تكن تعدم الفرص التى تهيئ لها ممارسة سرقاتها . وفشل أولياء أمرها فى إصلاح حالتها ، على الرغم مما كان يبدو عليها فى كل مرة من أعراض الندم والظهور بمظهر التائب الذى لا ينوى أن
ينهزم مرة أخرى . فنقلت إلى مؤسسة أعدت لايواء أمثالها ممن استعصت حالاتهن . وهناك أعلنت توبتها وأقسمت بروح والدها أنها سوف لا تمد يدها إلى مال غيرها . واستقام لها الحال على ذلك فعلا بضعة أشهر كانت فى خلالها هى التى تقوم بعملية استلام بريد المؤسسة وتوزيعه على أصحابه ؛ ولكن لوحظ أخيرا أن بعض الخطابات التى كانت تحتوى على نقود مما يرسله الآباء إلى أبنائهم فى تلك المؤسسة لم تكن تصل إلى أصحابها . فسئلت الفتاة فى هذا الشأن فأنكرت إنكارا باتا . وقالت إنها لا علم لها بشىء مما يسألونها فيه ؛ ولكن أحد الملاحظين وفق بعد ذلك إلى ضبطها متلبسة بجريمتها ، إذ كانت تفحص الخطابات فى مكان منعزل عقب استلامها لها ، وتخفى منها ما كانت توحى إليها به مواهبها أنه يحتوى على نقود . فسلمها إلى الاخصائى النفسانى الذى جعل يحادثها ويناقشها حتى عرف منها أن الذى جعلها تمسك عن السرقة طيلة تلك الشهور الأولى التى قضتها فى المؤسسة ، أنها كانت رأت ذات ليلة فى منامها كأن روح أبيها تنهاها عن هذه السرقات ، وتقول لها إنها غاضبة عليها غير راضية عنها ، إلا أن تكف عن هذا المسلك الشائن الذى جعلها مضغة فى أفواه زميلاتها فى كل مكان تحل فيه . . .
وهنا لمح الأخصائى فرصته السانحة ، واعتزم فى نفسه أمرا . . . . وصرف الفتاة بعد أن تعاهد معها على أن تبذل ما فى وسعها من جهد مرة أخرى لتتخلص من هذه العادة الذميمة .
وفى الليلة التالية تلفح الخبير بملاءة بيضاء غطى بها نفسه من قمة رأسه إلى أخمص قدمه - وهى الصورة التى كانت الفتاة قد ذكرت له أن روح والدها قد ظهرت لها فيها - ثم دخل عليها فى غرفة نومها . وافتعل صوتا نبهها من غفوتها ؛ فإذا هى وجها لوجه أمام هذا الشبح
الذى بدأ يكلمها بصوت أبيها محتجا عندها على ما فرطت فى نصحه ، وعدم إطاعتها لأمره ، ثم أعلنها بأنه سينسحب على أن يتخلى عنها ولا يعود أبدا إلى التفكير فيها ، إلا أن تقسم بين يديه بأنها هذه المرة سوف لا تعود إلى مقارفة هذه الصغائر الىي ترتكبها . . .
وكان فيما ألهم الله به هذا الخبير فصل الخطاب . . . فان الفتاة آمنت برؤياها وصدقتها . وبرئت بعد ذلك من تلك اللوثة التى كادت تفسد عليها حياتها ؛ كأنما غسلت عنها تلك المسة العصبية التى أصابتها وهى بين يدى الشبخ كل ما كان عالقا بنفسها من آثار الماضى وآثامه . وتقرر المؤسسة فى سجلاتها أن هذه الفتاة أصبحت الآن قدوة حسنة تقتدى بها زميلاتها فى كل الشئون ، وأنه يوكل إليها بالذات إصلاح شأن من تكون قد ألحقت بالمؤسسة لاختلال غرائزها ، إذ كانت هى أبصر الناس بأمثال هذه الحالات .
ويرى القارئ فى هذه الحالة مثالا للجريمة فى صورة علة من علل النفس التى أمكن أن يثمر فيها التحليل النفسى ، والعلاج الروحانى ، والتى لم تكن تجدى فيها العقوبة قطعا ولا الصرامة . ولعل هذا يفسر لنا ما لوحظ أخيرا على حالة المجرمين فى مصر من أن معظم الصبية الذين يبدأون عهدهم (( بأصلاحية الأحداث )) ينتهون فى شيخوختهم عادة إلى (( اصلاحية الرجال )) ، ويقضون حياتهم فيها بين ذلك متنقلين من سجن إلى سجن ، ولو أنهم كانوا عولجوا فى مستهل حياتهم على النحو الذى بسطناه فى هذين الفصلين ، لكان أغلب الظن أن ينصلح حالهم ، ويستقيم أمرهم ، ويهتدوا بعد ضلال ، ويعودوا إلى قطيعهم بعد شرود .

