الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 130الرجوع إلى "الثقافة"

صور قضائية :، جريمة النصب

Share

من أمتع القضايا التى تعرض على المحاكم الجنائية قضايا النصب . ذلك بما تنطوى عليه هذه القضايا عادة من الحيل التى تبهر العقول وتحير الألباب ، فان (( النصاب˓))˓ الذى يستولى على نقود فريسته لا يتسلل فى جنح الظلام فيختلس من متاع غريمه ما تصل إليه يده ، ولا هو يتحكك به فى الطريق فينشل من جيبه ما عسى أن يكون فيه ، ولا هو يسطو عليه بقوته وبطشه فيكرهه على أداء ما يريد أن يأخذه منه . ولكنه دائما على العكس من كل ذلك ، يحصل من فريسته على ما يبغى من المال جهارا نهارا . ويقدم ((˒المجنى عليه˓))˓نقوده إلى ((˒النصاب˓))˓طائعا مختارا . بل إنه فى الأغلب الأعم يفعل ذلك وهو مقتنع كل الاقتناع بأنه ((˒يستغفل˓))˓صاحبه ، وأنه بأداء هذا المال إليه إنما يلقى ((˒طعما˓))˓حقيرا سيجلب له - فما بعد - غما كبيرا .

خذ المثل الآتى الذى يعطيك صورة نموذجية لما يفعله ((˒النصاب˓))˓إذ يستولى على حس غريمه ، فيوهمه أنه مقبل على صفقة رابحة ، ويهيج فى نفسه عاطفة الطمع ، فيعميه عن حقيقة الفخ الذى أعده له وتنقلب الأوضاع بين الطرفين ، فاذا صاحب المال يلح فى عرض ماله إلحاحا ، وإذا المحتال يتدلل ويتعفف ، ويتظاهر بأنه لا يقبل هذا المال إلا كارها ...

شاب كان يسير مع خطيبته فى جهة ((˒الجزيرة˓)) عصر يوم من الأيام ، فأبصر فى جانب الطريق الآخر

رجلا يلبس ملابس أهل الريف ، وتسير بجواره امرأة عليها ثياب الفلاحات ، وتحمل فوق رأسها مكتلا بركت عليه حمامتان صغيرتان . فما إن حازاه حتى رآه يسير إلى المرأة بكلمات ، ثم يتناول زجاجة مما فى مكتلها ويتقدم بها إليه وهو يمشى على استحياء قائلا : تسمح يا فندى ! ...

ولأترك لهذا الأفندى أن يروى قصته كما سمعتها منه فى الجلسة .     قال : فوفقت وقلت له : نعم ! .     قال ببساطة : حضرتك تعرف أفرنجى ؟     قلت : نعم !     قال : تسمح تخبرنى إن كان هذا الدواء فيه خمر أم لا ؟     وقدم إلى زجاجة ملفوفة فى ورق منقوش مما يستعمل عادة فى الصيدليات ، ففتحت الورقة فاذا فيها زجاجة من ((˒الكينا بسليرى˓))˓التى يصفها الأطباء حقيقة للمرضى فى دور نقاهتهم ، والتى تحتوى فعلا على خليط من النبيذ والكينا والمركبات الحديدية . فقلت له :

- إن هذا الدواء مقو للبنية ، ولكنه يشتمل على مقدار من النبيذ ؟     فقال : هل يعتبر ذلك خمرا ؟     قلت : نعم ! إنه خمر ، ولكن حين يصفه الطبيب للعلاج يصبح دواء !

قال : يعنى إذا تعاطيت منه يكون ذلك حراما !     قلت : هذا يتوقف على سبب تعاطيك له ، فان كنت تشربه بأمر الطبيب لمعالجة جسمك لم يكن فى الأمر حرمة ، أما إن كنت تتعاطاه على أنه خمر ، وأنت فى غير حاجة إلى عقاقيره كان ذلك حراما ! فكيف - أولا - وصلت إليك هذه الزجاجة ؟

فسألنى هو بدوره قائلا :     - وكم تساوى هى فى نظرك ؟     قلت : إنها كانت تباع قبل الحرب بنحو ثلاثين قرشا ، وما أظن ثمنها الآن إلا قد تضاعف !

قال : حقيقة الأمر أنى أنا رجل من الريف ، ولى قريب هنا يعمل فى إحدى الصيدليات ، وكنت كلما حضرت إلى القاهرة لأتداوى أو لأعرض نفسى على الطبيب ، حملت له معى مقدارا من البيض على سبيل الهدية إلى أن بلغ ما قدمته حوالى ستين بيضة . فرأى اليوم أن يكافئنى عليها بأن يقدم لى هذه الزجاجة ؛ وهو ينصح بأن أتعاطى منها كل يوم مقدار ملعقة كبيرة مع كل وجبة من وجبات الطعام لكى تفتح شهيتى وتقوينى . ولكنى سمعت من بعض الناس أن بها خمرا ، وأنا رجل لم أذق الخمر فى حياتى . فقلت أسترشد بمن يعرف الكتابة الأفرنجية لعله يقرأ ما كتب عليها ويهدينى إلى حقيقتها . وما دام الأمر كما ذكرت ، فأنى سوف أنحرج من شربها . وحبذا لو وجدت من يأخذها منى ، لا بثمنها الحالى المضاعف ، ولا بثمنها الذى كانت تباع به قبل الحرب ، ولكن بثمن البيض الذى كنت أقدمه إلى صاحبى .

قال الشاب : فانتحيت بخطيبتى ناحية ، وتشاورت معها فى أمر شرائها منه بواقع قرش لكل ست بيضات . ومادام يقول إنه قدم لصاحبه ستين بيضة فنحن ندفع له عشرة قروش . ونحصل على زجاجة لا يقل ثمنها عن خمسين قرشا . ورفضت خطيبتى فى أول الأمر قائلة : ومالنا ولهذه الزجاجة ما دمنا لا نحتاج إلى ما فيها لا على أنه خمر ولا على أنه دواء ؟ .

فقلت : إنها صفقة رابحة على كل حال . ولسنا نعدم فى المستقبل من يكون فى حاجة إليها من الأهل أو الأصدقاء ، فنعطيها له على أقل تقدير بثمنها المألوف فيكون ربحنا فيها ضعفى ما دفعناه ثمنا لها .

وأحس الرجل بمداولاتنا . فتظاهر بأنه يريد أن يستردها ليبيعها لأية صيدلية أخرى ما دام ثمنها مقدرا ومعروفا . فنظرت إلى خطيبتى نظرة عتاب أريد أن أقول لها : هلا وافقت من أول الأمر قبل أن يفطن هذا الساذج إلى حقيقة الهدية التى بين يديه ؟ فأشارت لى

بيديها إشارة التسليم بما أريد .

فمدت إلى الرجل أقول له إنى سأكفيه مؤنة ما قد تحمل له هذه الزجاجة من إثم بتعاطى ما فيها ، وعرضت عليه قطعة من ذات العشرة القروش فى مقابل البيض الذى قدمه لقريبه . فقال : إن البيض يباع كل أربعة بقرش فيكون الثمن خمسة عشر قرشا . ولكنى ساومته على أساس سعر البيض فى الريف ، فقبل أن يحاسبنى بواقع كل خمس بيضات بقرش ، وعند ذلك نقدته اثنى عشر قرشا ، وانقلبت إلى خطيبتى مسرورا أفرك يدى من الرضا ، وأنا فخور بهذه الصفقة التى أوشكت بوسوستها أن تضيعها منى ، والتى غلب فيها حزمى وعزمى على تلكئها وترددها .

ولكنها عادت تقول لى : وما يدريك ؟ لعل الزجاجة مزيفة أو قديمة أو فاسدة . فكشفت لها من سدادتها المحكمة ، وأطلعتها على توقيع صاحب المصنع يتوج هذه السدادة ليفصح بأجلى بيان أن التعبئة تعبئة أصيلة - وأما عن القدم والفساد فقد أفهمتها أن النبيذ كلما طال عليه العهد تعتق وازدادت قيمته دون أن يطرأ عليه ما قد يطرأ على غيره من الفساد . فلم تشأ أن تنهزم فى هذا الميدان - شأن كل بنات جنسها المكابرات ! - على الرغم من كل هذه الردود المفحمة التى أسعفنى بها خاطرى الحاضر . وقالت : إنك على كل حال لم تزد على أنك اشتريت مالا مسروقا . فان خادم الصيدلية الذى أخذ البيض لنفسه كان يتعين عليه أن يدفع ثمنه من ماله الخاص لا من مال الصيدلى الذى يخدمه ! .

وظللنا على هذا الحال نتساجل الاعتراضات والردود إلى أن انتهت نزهتنا وعدنا - بغير سلام . وكان أول شىء صنعته عقب عودتى إلى منزلى أنى عمدت إلى الزجاجة ففتحتها . فإذا فيها -- ولعنة الله على ذلك الفلاح الخبيث ! ماء ملون لا طعم له ولا رائحة ! وإذا بى قد دفعت اثنى عشر قرشا لأشترى ثمنها نصف قرش! وإذا بهذا الريفى الكاذب محتال بارع ! وإذا بى أنا الرجل

المتعلم - الذى يقرأ الخط الأفرنجى ! - يقع فريسة لمن لا يعرف كيف يقرأ الخط العربى ! وكان أقسى ما أحسست به إزاء هذه النتيجة أن خطيبتى هى التى فازت فى وجهة النظر التى اتخذتها بشأن هذه الصفقة ! وأنى كنت أنا الخاسر فيها من كل النواحى ! .

فهذه الصورة التى قدمتها بين يدى القارىء تريه أن جريمة النصب لاتتم - عادة - إلا إذا توفر لها عنصران : الأول - هو تلك القصة الملفقة المسبوكة التى يصدقها المجنى عليه فيخطو بذلك خطوته الأولى نحو الشرك الذى نصب له ؛ وهذا العنصر من عناصر الجريمة هو أمتعها وأروعها ، لأن لكل (( نصاب )) قصة ، ولكل واقعة ظروفها التى توحى إلى المحتال فكرته . انظر إلى المثل الذى سقناه تر أن هذه الجريمة لم تكن تتم إلا فى مكان مثل (( الجزيرة )) . ولم يكن يمكن أن يكون ضحيتها إلا مثل هذا الشاب الذى وقع عليه اختيار المحتال . فإن الزجاجة التى اتخذها النصاب أداة لنصبه مفروض فيها أنها زجاجة خمر وأصبح ما تكون البيئة لعرض مثل هذه السلعة حين يجتمع رجل وامرأة فى مكان مثل الجزيرة ومغانيها ؛ فهناك الهوى والشباب . . . . . والشيطان أيضا فى بعض الأحايين ! ولم يكتف المحتال بهيأته وبلهجته ليقنع ضحيته بصدق روايته ، ولكنه جاء بالقرائن الخارجية التى تؤيد دعواه وتعزز صفته . فهناك زوجته الريفية أيضا ، وهناك مكتلها الذى يطبعها بطابع أهل الريف ، وفوق هذا المكتل الحمامتان الصغيرتان اللتان تقعان من رأسها ، وقع العنوان من الكتاب ، وتعملان بوجودهما على تداعى المعانى بين بيض الريف وبين الزجاجة التى يحملها الرجل فى يده . ويقف الضحية أمام كل هذه المشاهد كما يقف المتفرج فى قاعة التمثيل حين يرى الممثلين ، ومن خلفهم الستائر التى توائم الحوادث المعروضة ، ليتم بذلك تأثير العرض فى نفسه ،

ويبلغ انفعاله بالتمثيل وبأقوال الممثلين أقصى حدوده !

فهذا هو العنصر الأول الذى لا تتم جريمة النصب إلا به . وهناك العنصر الثانى وهو العمل على شل تفكير المجنى عليه ، وتوجيهه وجهة تصرفه عن التفطن إلى حقيقة ما يراد به . وذلك بلمس نقطة الضعف فيه ، وبأثارة عاطفة الطمع عنده ؛ فيكون العنصر الأول بمثابة (الغماء) الذى يوضع على أعين النور قبل ربطه إلى الساقية . ويكون العنصر الثانى بمثابة (السوط) الذى يفرقع فوق ظهره ؛ ومتى توفر هذان العنصران لم يبق أمام الثور إلا أن يدور ويدور حتى يشبع رغبة سائقه من الماء الذى يلقيه تحت قدميه ؛

ولقد عرضت على مئات من قضايا النصب ، واطلعت فى كل قضية على حبكتها التى ألجمت عقل المجنى عليه ، وسيطرت على تفكيره . وأعجبت بكل قصة من هذه القصص ، وراعنى فى كل قضية مبلغ ما ينطوى عليه عمل المحتال من فطنة وسلامة تدبير ، أكثر مما كان يروعنى مبلغ ما ينطوى عليه عمل المجنى عليه من غفلة وتفريط . ولكنى ما زلت أحتفظ لإحدى هذه القضايا بمنزلتها على أنها الأولى بين أخوانها . ذلك بأن المتهم فيها كان شخصية وقورة لها قيمتها ، واعتبارها فى هذه البلاد . ولأن المجنى عليه كان موظفا كبيرا ، ومن أسرة شهيرة ؛ وأخيرا لأن المبلغ الذى استولى عليه (( المتهم )) كان عدة آلاف من الجنيهات أخذها على عدة دفع ، وفى مدى عدة شهور . ولأن الصدمة التى أصابت (( المجنى عليه )) بعد أن تفتحت عيناه آخر الأمر على حقيقة الواقع ، كانت من الشدة بحيث أصيب على أثرها بذبحة صدرية قضت على حياته !

وأرجو أن أتحدث قريبا عن تفاصيل هذه القضية فى كلمة أخرى إن شاء الله .                                         ح . ج

اشترك في نشرتنا البريدية