الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 138الرجوع إلى "الثقافة"

صور قضائية - من محكمة الأحداث، أغنام ضالة

Share

جاءتنى يوما سيدة تشكو خادمة جيرانها وتقول إن هذه الخادمة اعتادت أن تتسلل إلى مطبخها أثناء غيابها فتأكل ما فيه من الطعام بحيث لا تبقى فيه على شىء . فراجعت أقوالها التى كانت قررتها فى محضر تحقيق البوليس ، فإذا هى كما يأتى - وإنى لأحرص على إثبات أقوالها بنصها ، محافظة على صدق الصورة التى رسمتها هى . . . قالت :

(( أنا سكنت فى شقة بالدور الأول من هذا المنزل منذ سبعة أشهر . ولاحظت من مدة شهرين أنى عند خروجى من سكنى وعودتى إليه أجد الباب مقفلا بالقفل كما هو ، وأجد بعض المأكولات مسروقة من المطبخ . وفى بعض الأحيان أجد نقصا فى السكر أو الخبز أو العسل . وقد تكرر ذلك فى جميع المرات التى كنت أخرج فيها فى بحر الشهرين ، وتبلغ حوالى ثلاثين مرة ، وفى كل مرة من هذه المرات كنت أقفل القفل عند خروجى ، وعند عودتى أجده سليما كما هو . فأنا اعتقدت أن بالمنزل عفريتا ، وصممت على أن أنتقل منه إلى منزل آخر خلافه . وتصادف أن زارتنى إحدى صديقاتى صباح يوم من الأيام ، فأخبرتها بما يحصل فى منزلى ، وكاشفتها برغبتى فى تركه ، وكانت هى سيدة طيبة من المصليات العابدات ، فطمأنتنى واستبعدت فكرة العفريت ، وأشارت على بأن نتعاون فى عمل فخ لكى نمسك الشخص الذى يدخل سكنى أثناء غيابى ويأكل طعامى وطعام زوجى ، إذ أنى فى إحدى المرات تركت قطعة لحم من الرقبة فى الحلة ، وكان وزنها

رطلا ونصف رطل ، وبعد عودتى من الخارج لم أجدها هى ولا عظامها . واتفقت مع صاحبتى على أن تبقى هى فى المنزل عند خروجى لترى ما يجرى فيه أثناء غيابى ، وفعلا تركتها وأقفلت عليها ، وخرجت حوالى الساعة الثالثة مساء اليوم ، ورجعت بعد قليل وفتحت باب الشقة ، فوجدت صاحبتى قد أمسكت الخادمة الموجودة بالشقة المقابلة لشقتى ، وقالت لى صاحبتى إنها بعد خروجى بقليل قامت تصلى العصر ، فشعرت بحركة فى دورة المياه ، فاتجهت نحوها فوجدت البنت المضبوطة واقفة فى المطبخ ، ووجدت أنها دخلت من شباك المرحاض المجاور لدورة مياه الشقة المقابلة ، فذهبت بنفسى إلى المطبخ ، فلم أجد الكوارع التى كانت فى الحلة ، واتضح أن هذه الخادمة أكلتها قبل أن تتنبه لها صاحبتى . وقد سألناها عنها فاعترفت بكل شىء ، فأخذتها وحضرت بها إلى القسم )) .

وقد سألت المتهمة بعد ذلك عن صحة هذه الوقائع ، فاعترفت بها أمامى مرة أخرى ، فقلت لها :

- وكيف كنت تعرفين أن جارتكم خرجت من شقتها ؟

فقالت :      - هى كلما تخرج تمر علينا وتقول : خلى بالكم من الشقة ، فأنا أعرف أنه لا يوجد بها أحد ، وأدخلها من الشباك ، وآكل الشىء الموجود ، لأنى أكون جائعة ، وأنا لم أسرق شيئا ، لأنى كنت آكل فقط ولا آخذ معى شيئا أبدا !

وقد رأيت بعد سماع هذه القصة أن حالة المتهمة تستدعى عناية خاصة ، فأحلتها على (مكتب الخدمة الاجتماعية لمحكمة الأحداث) لفحص حالتها وتقديم تقرير شامل عنها .

ومكتب الخدمة الاجتماعية هذا مكتب تقوم عليه

هيئة من الاخصائيين الاجتماعيين ؛ وإذا ما أحيلت عليهم حالة أحد الأحداث المتهمين تولوا فحصه من ثلاث نواح :

فهناك - أولا - الطبيب الذى يفحص جسمه ويكشف عن كل ما قد يكون فيه من الأمراض ، لعل الجريمة التى ارتكبت لم تكن إلا عرضا لمرض من هذه الأمراض .

وهناك - أيضا - الاخصائى النفسانى الذى يعقد مع الحدث عدة اجتماعات ، يحاول خلالها أن يكشف عما قد يكون عنده من (( العقد النفسية )) التى قد يرجع إليها السبب فى ارتكابه لجريمته .

وهناك - أخيرا - الاخصائى الاجتماعى الذى يتولى دراسة البيئة التى نشأ فيها الحدث ، لعله يصل من وراء ذلك إلى المؤثرات التى انحرفت بالحدث عن الطريق القويم واندفعت به إلى طريق الاجرام .

وقد قام المكتب بدراسة هذه الحالة من نواحيها الثلاث ، وقدم تقريره ، فكانت نتيجة البحث مدهشة ؛ ذلك أن الطبيب الذى تولى فحص هذه الفتاة اهتدى إلى أنها مصابة بديدان (( الأسكارس )) ، وهى المعروفة عند العامة (بثعابين البطن) ، ومن شأن هذه الديدان أنها إن استقرت فى جوف ضحيتها شاركته فى طعامه ، بل إنها فى بعض الأحيان لا تكتفى بمشاركته فيه ، ولكنها تتخطفه منه فتمتصه ولا تترك له منه الا النزر اليسير الذى لا يفى بحقوق جسمه . وذلك لا يكاد المريض بهذه الديدان يأكل وجبته ، ويمتلىء بطنه بالطعام ، حتى يعود فيحس بآلام الحوع تنوشه من جديد ، وتدفع به دفعا إلى طلب المزيد .

وقد تولى الطبيب بعد ذلك علاج الفتاة . وخلصها من هذا الشريك الجائر ؛ فاستقام حالها ، وانتظمت

معيشتها ، وانقبضت يدها . ولم تعد تفكر فى طعام الناس ما دام طعامها الخاص أصبح يكفيها ، ويزيد عن حاجتها . ولم تبق بالمحكمة من حاجة بعد ظهور هذه الحقيقة إلى التفكير فى القوانين وتطبيقها ، لأنها لم تكن بازاء مجرم يريد أن يحرم الناس من أرزاقهم وأقواتهم ، ولكنها بإزاء طفلة جائعة تريد أن تدفع عن نفسها غائلة الجوع ، فلم تفكر إلا فى أقرب الأشياء إلى يدها ، ولم تكن تخامرها فكرة العدوان على الغير بقدر ما كانت تملأها فكرة الدفاع عن النفس .

فهذه حالة مجسمة تبرز لنا أن جريمة السرقة التى اتهمت بها هذه الفتاة لم تكن فى الواقع إلا عرضا من أعراض مرض دفين فيها . فان صح أن يتهم الانسان بأنه مريض بديدان الأسكارس ، ويقدم من أجل ذلك إلى المحاكمة ، فانه يكون من الممكن عندئذ أن ينظر إلى هذه الفتاة على أنها مجرمة !                            * * *

وفى مرة أخرى تقدم إلى غلام تهمته أنه احتال على شخص آخر فاستولى منه على مبلغ من المال . وكانت تتلخص ظروف هذا الحادث فى أن والد هذا الغلام يشتغل ببيع البترول ، فقصد الغلام إلى بعض عملائه الذين يأخذون بترولهم من والده وطلب إليه ثمن صفيحة تعهد باحضارها إليه ، ولكنه استولى على المبلغ لنفسه وهرب .

وبدا لى عند نظر هذه القضية أيضا أنه لابد أن يكون وراء عمل هذا الغلام أسباب يجب الوقوف عليها قبل البت فى أمره ، وبعثت به هو الآخر إلى مكتب الخدمة الاجتماعية . وقام الاخصائيون الثلاثة بفحص حالته ، فاذا العقدة تقع هذه المرة لا فى يد الطبيب ، ولكن فى يد الاخصائى الاجتماعى ، إذ جاء فى تقريره عن أسرة الصبى أن والده كان جنديا فى الجيش المصرى ، فلما انتهت مدة خدمته قبض مكافأته واشتغل ببيع البترول ؛ وكانت

تغلب على الرجل نزعة صوفية تجنح به إلى الزهد فى الدنيا وملاهيها ، وإلى قضاء أوقات فراغه فى العبادة والنسك ؛ فكان إذا انتهى من عمله فى آخر النهار انصرف إلى حلقات الذكر والاتصال بأرباب الطرق ، وأرخى لحيته وحف شاربه على طريقة السنيين . وكان كل همه فى تربية ولده - المتهم - أن يعلمه القرآن ويحمله كلام الله . ولكن الصبى لم يوفق فى ذلك . ونفر من المكتب الذى ألحقه فيه أبوه . وعالجه والده بمختلف الوسائل ، ليروضه على تلقى العلم وحفظ كتاب الله ؛ ولكن جهوده فى ذلك ذهبت كلها مع الريح . فلما يئس منه استصحبه معه فى غدواته وروحاته ، وأشركه معه فى تجارته ، يحمل البترول إلى بيوت العملاء ويحصل منهم أثمانه . وكان الصبى مولعا بالسينما - وهى اليوم ملهاة الصغير والكبير والجاهل والعالم - ولكن أباه كان لا يطيق فكرة تردد ولده على هذا النوع من اللهو . ولعله تأثر فى ذلك ببعض ما رآه معلقا على الجدران من صور (( ماى وست )) أو المأسوف عليها (( جين هارلو )) ، فكان يقتر عليه حتى لا يتيح له فرصة الذهاب إلى دور السينما ، ما دام لا يراها إلا مفسدة مخبثة ، تؤذى الخلق ، وتضعف النفس ؛ وكان كلما علم عن ابنه أنه عصاه وذهب إلى السينما ينهال عليه بالضرب المبرح ، حتى لقد أثبت الكشف الطبى على جسد الغلام وجود آثار مستطيلة فوق ظهره تدل على أنه كان يجلد بقسوة من حين إلى حين . ولكن هذا العنف لم يكن يزيد الصبى إلا شرودا ونشوزا ، حتى لقد ركن أخيرا إلى الفرار من منزل والده . وإلى الحصول على المال اللازم لطعمامه ولهوه بتلك الطريقة التي تقدم من أجلها إلى المحاكمة

وقد أمكن للإخصائى الاجتماعى - بعد زيارة الوالد وعقد عدة جلسات معه - أن يتفاهم وإياه على ضرورة تغيير مسلكه نحو ولده ، وأن يجعله يدرك أن الأبناء

مخلوقون لزمان غير زمان آبائهم ؛ فمن الحكمة مسايرة روح العصر والجرى مع التيار ، إذ ليس فى مقاومته والوقوف فى وجهه إلا الدمار .

وبعد اقتناع الوالد بنصائح الخبير الاجتماعى لم يبق للولد ما يشكو منه ؛ فإنه أحس برغباته المكبوتة وقد نفس عنها ، ونزعاته المحبوسة وقد أخلى الطريق أمامها ؛ فاستقام حاله هو الآخر ورضى عنه أبوه ؛ وهو الآن فخور به إذ يراه إلى جانبه يقوم بمعاونته فى عمله على خير حال .

وما دام الحديث قد استطرد بنا إلى ذكر مثالين كانت الجريمة فى أحدهما عرضا من أعراض علة جسمانية ، وكانت فى الثانى عرضا لعلة اجتماعية ، فلنعوزهما بمثال ثالث نبين فيه كيف تكون الجريمة عرضا من أعراض العلل النفسية - وهى أقسى العلل وأشدها غموضا واستعصاء فى الوقت نفسه . وموعدنا بذكر هذا المثال العدد المقبل إن شاء الله .

العبرة فى كل ما ذكرناه فى هذا الفصل - وما سنذكره فى الفصل التالى أيضا - هى أن أشخاصا كثيرين قد يساقون إلى المحا كم لتوقع العقوبات عليهم ، وهم أجدر الناس بأن يقدموا إلى الطبيب لعلاجهم ، فان حالة الواحد منهم لا تخرج عن أن تكون حالة مريض يحتاج إلى الفحص الدقيق والعلاج الرقيق ، ولم يقل أحد إن المريض يشفى بواسطة رجمه بالحجارة ، أو بالقائه فى غياهب السجون - و (( الأغنام الضالة )) لا تعود إلى قطيعها إذا نحن جرينا خلفها بالعصا ، فان ذلك أدنى أن يجعلها تمعن فى ضلالها ، ولكنها قد تعود إذا نحن ناديناها برفق ومهدنا أمامها الطريق .

اشترك في نشرتنا البريدية