جاءتنى يوما سيدة تشكو خادمة جيرانها وتقول إن هذه الخادمة اعتادت أن تتسلل إلى مطبخها أثناء غيابها فتأكل ما فيه من الطعام بحيث لا تبقى فيه على شىء . فراجعت أقوالها التى كانت قررتها فى محضر تحقيق البوليس ، فإذا هى كما يأتى - وإنى لأحرص على إثبات أقوالها بنصها ، محافظة على صدق الصورة التى رسمتها هى . . . قالت :
(( أنا سكنت فى شقة بالدور الأول من هذا المنزل منذ سبعة أشهر . ولاحظت من مدة شهرين أنى عند خروجى من سكنى وعودتى إليه أجد الباب مقفلا بالقفل كما هو ، وأجد بعض المأكولات مسروقة من المطبخ . وفى بعض الأحيان أجد نقصا فى السكر أو الخبز أو العسل . وقد تكرر ذلك فى جميع المرات التى كنت أخرج فيها فى بحر الشهرين ، وتبلغ حوالى ثلاثين مرة ، وفى كل مرة من هذه المرات كنت أقفل القفل عند خروجى ، وعند عودتى أجده سليما كما هو . فأنا اعتقدت أن بالمنزل عفريتا ، وصممت على أن أنتقل منه إلى منزل آخر خلافه . وتصادف أن زارتنى إحدى صديقاتى صباح يوم من الأيام ، فأخبرتها بما يحصل فى منزلى ، وكاشفتها برغبتى فى تركه ، وكانت هى سيدة طيبة من المصليات العابدات ، فطمأنتنى واستبعدت فكرة العفريت ، وأشارت على بأن نتعاون فى عمل فخ لكى نمسك الشخص الذى يدخل سكنى أثناء غيابى ويأكل طعامى وطعام زوجى ، إذ أنى فى إحدى المرات تركت قطعة لحم من الرقبة فى الحلة ، وكان وزنها
رطلا ونصف رطل ، وبعد عودتى من الخارج لم أجدها هى ولا عظامها . واتفقت مع صاحبتى على أن تبقى هى فى المنزل عند خروجى لترى ما يجرى فيه أثناء غيابى ، وفعلا تركتها وأقفلت عليها ، وخرجت حوالى الساعة الثالثة مساء اليوم ، ورجعت بعد قليل وفتحت باب الشقة ، فوجدت صاحبتى قد أمسكت الخادمة الموجودة بالشقة المقابلة لشقتى ، وقالت لى صاحبتى إنها بعد خروجى بقليل قامت تصلى العصر ، فشعرت بحركة فى دورة المياه ، فاتجهت نحوها فوجدت البنت المضبوطة واقفة فى المطبخ ، ووجدت أنها دخلت من شباك المرحاض المجاور لدورة مياه الشقة المقابلة ، فذهبت بنفسى إلى المطبخ ، فلم أجد الكوارع التى كانت فى الحلة ، واتضح أن هذه الخادمة أكلتها قبل أن تتنبه لها صاحبتى . وقد سألناها عنها فاعترفت بكل شىء ، فأخذتها وحضرت بها إلى القسم )) .
وقد سألت المتهمة بعد ذلك عن صحة هذه الوقائع ، فاعترفت بها أمامى مرة أخرى ، فقلت لها :
- وكيف كنت تعرفين أن جارتكم خرجت من شقتها ؟
فقالت : - هى كلما تخرج تمر علينا وتقول : خلى بالكم من الشقة ، فأنا أعرف أنه لا يوجد بها أحد ، وأدخلها من الشباك ، وآكل الشىء الموجود ، لأنى أكون جائعة ، وأنا لم أسرق شيئا ، لأنى كنت آكل فقط ولا آخذ معى شيئا أبدا !
وقد رأيت بعد سماع هذه القصة أن حالة المتهمة تستدعى عناية خاصة ، فأحلتها على (مكتب الخدمة الاجتماعية لمحكمة الأحداث) لفحص حالتها وتقديم تقرير شامل عنها .
ومكتب الخدمة الاجتماعية هذا مكتب تقوم عليه
هيئة من الاخصائيين الاجتماعيين ؛ وإذا ما أحيلت عليهم حالة أحد الأحداث المتهمين تولوا فحصه من ثلاث نواح :
فهناك - أولا - الطبيب الذى يفحص جسمه ويكشف عن كل ما قد يكون فيه من الأمراض ، لعل الجريمة التى ارتكبت لم تكن إلا عرضا لمرض من هذه الأمراض .
وهناك - أيضا - الاخصائى النفسانى الذى يعقد مع الحدث عدة اجتماعات ، يحاول خلالها أن يكشف عما قد يكون عنده من (( العقد النفسية )) التى قد يرجع إليها السبب فى ارتكابه لجريمته .
وهناك - أخيرا - الاخصائى الاجتماعى الذى يتولى دراسة البيئة التى نشأ فيها الحدث ، لعله يصل من وراء ذلك إلى المؤثرات التى انحرفت بالحدث عن الطريق القويم واندفعت به إلى طريق الاجرام .
وقد قام المكتب بدراسة هذه الحالة من نواحيها الثلاث ، وقدم تقريره ، فكانت نتيجة البحث مدهشة ؛ ذلك أن الطبيب الذى تولى فحص هذه الفتاة اهتدى إلى أنها مصابة بديدان (( الأسكارس )) ، وهى المعروفة عند العامة (بثعابين البطن) ، ومن شأن هذه الديدان أنها إن استقرت فى جوف ضحيتها شاركته فى طعامه ، بل إنها فى بعض الأحيان لا تكتفى بمشاركته فيه ، ولكنها تتخطفه منه فتمتصه ولا تترك له منه الا النزر اليسير الذى لا يفى بحقوق جسمه . وذلك لا يكاد المريض بهذه الديدان يأكل وجبته ، ويمتلىء بطنه بالطعام ، حتى يعود فيحس بآلام الحوع تنوشه من جديد ، وتدفع به دفعا إلى طلب المزيد .
وقد تولى الطبيب بعد ذلك علاج الفتاة . وخلصها من هذا الشريك الجائر ؛ فاستقام حالها ، وانتظمت
معيشتها ، وانقبضت يدها . ولم تعد تفكر فى طعام الناس ما دام طعامها الخاص أصبح يكفيها ، ويزيد عن حاجتها . ولم تبق بالمحكمة من حاجة بعد ظهور هذه الحقيقة إلى التفكير فى القوانين وتطبيقها ، لأنها لم تكن بازاء مجرم يريد أن يحرم الناس من أرزاقهم وأقواتهم ، ولكنها بإزاء طفلة جائعة تريد أن تدفع عن نفسها غائلة الجوع ، فلم تفكر إلا فى أقرب الأشياء إلى يدها ، ولم تكن تخامرها فكرة العدوان على الغير بقدر ما كانت تملأها فكرة الدفاع عن النفس .
فهذه حالة مجسمة تبرز لنا أن جريمة السرقة التى اتهمت بها هذه الفتاة لم تكن فى الواقع إلا عرضا من أعراض مرض دفين فيها . فان صح أن يتهم الانسان بأنه مريض بديدان الأسكارس ، ويقدم من أجل ذلك إلى المحاكمة ، فانه يكون من الممكن عندئذ أن ينظر إلى هذه الفتاة على أنها مجرمة ! * * *
وفى مرة أخرى تقدم إلى غلام تهمته أنه احتال على شخص آخر فاستولى منه على مبلغ من المال . وكانت تتلخص ظروف هذا الحادث فى أن والد هذا الغلام يشتغل ببيع البترول ، فقصد الغلام إلى بعض عملائه الذين يأخذون بترولهم من والده وطلب إليه ثمن صفيحة تعهد باحضارها إليه ، ولكنه استولى على المبلغ لنفسه وهرب .
وبدا لى عند نظر هذه القضية أيضا أنه لابد أن يكون وراء عمل هذا الغلام أسباب يجب الوقوف عليها قبل البت فى أمره ، وبعثت به هو الآخر إلى مكتب الخدمة الاجتماعية . وقام الاخصائيون الثلاثة بفحص حالته ، فاذا العقدة تقع هذه المرة لا فى يد الطبيب ، ولكن فى يد الاخصائى الاجتماعى ، إذ جاء فى تقريره عن أسرة الصبى أن والده كان جنديا فى الجيش المصرى ، فلما انتهت مدة خدمته قبض مكافأته واشتغل ببيع البترول ؛ وكانت
تغلب على الرجل نزعة صوفية تجنح به إلى الزهد فى الدنيا وملاهيها ، وإلى قضاء أوقات فراغه فى العبادة والنسك ؛ فكان إذا انتهى من عمله فى آخر النهار انصرف إلى حلقات الذكر والاتصال بأرباب الطرق ، وأرخى لحيته وحف شاربه على طريقة السنيين . وكان كل همه فى تربية ولده - المتهم - أن يعلمه القرآن ويحمله كلام الله . ولكن الصبى لم يوفق فى ذلك . ونفر من المكتب الذى ألحقه فيه أبوه . وعالجه والده بمختلف الوسائل ، ليروضه على تلقى العلم وحفظ كتاب الله ؛ ولكن جهوده فى ذلك ذهبت كلها مع الريح . فلما يئس منه استصحبه معه فى غدواته وروحاته ، وأشركه معه فى تجارته ، يحمل البترول إلى بيوت العملاء ويحصل منهم أثمانه . وكان الصبى مولعا بالسينما - وهى اليوم ملهاة الصغير والكبير والجاهل والعالم - ولكن أباه كان لا يطيق فكرة تردد ولده على هذا النوع من اللهو . ولعله تأثر فى ذلك ببعض ما رآه معلقا على الجدران من صور (( ماى وست )) أو المأسوف عليها (( جين هارلو )) ، فكان يقتر عليه حتى لا يتيح له فرصة الذهاب إلى دور السينما ، ما دام لا يراها إلا مفسدة مخبثة ، تؤذى الخلق ، وتضعف النفس ؛ وكان كلما علم عن ابنه أنه عصاه وذهب إلى السينما ينهال عليه بالضرب المبرح ، حتى لقد أثبت الكشف الطبى على جسد الغلام وجود آثار مستطيلة فوق ظهره تدل على أنه كان يجلد بقسوة من حين إلى حين . ولكن هذا العنف لم يكن يزيد الصبى إلا شرودا ونشوزا ، حتى لقد ركن أخيرا إلى الفرار من منزل والده . وإلى الحصول على المال اللازم لطعمامه ولهوه بتلك الطريقة التي تقدم من أجلها إلى المحاكمة
وقد أمكن للإخصائى الاجتماعى - بعد زيارة الوالد وعقد عدة جلسات معه - أن يتفاهم وإياه على ضرورة تغيير مسلكه نحو ولده ، وأن يجعله يدرك أن الأبناء
مخلوقون لزمان غير زمان آبائهم ؛ فمن الحكمة مسايرة روح العصر والجرى مع التيار ، إذ ليس فى مقاومته والوقوف فى وجهه إلا الدمار .
وبعد اقتناع الوالد بنصائح الخبير الاجتماعى لم يبق للولد ما يشكو منه ؛ فإنه أحس برغباته المكبوتة وقد نفس عنها ، ونزعاته المحبوسة وقد أخلى الطريق أمامها ؛ فاستقام حاله هو الآخر ورضى عنه أبوه ؛ وهو الآن فخور به إذ يراه إلى جانبه يقوم بمعاونته فى عمله على خير حال .
وما دام الحديث قد استطرد بنا إلى ذكر مثالين كانت الجريمة فى أحدهما عرضا من أعراض علة جسمانية ، وكانت فى الثانى عرضا لعلة اجتماعية ، فلنعوزهما بمثال ثالث نبين فيه كيف تكون الجريمة عرضا من أعراض العلل النفسية - وهى أقسى العلل وأشدها غموضا واستعصاء فى الوقت نفسه . وموعدنا بذكر هذا المثال العدد المقبل إن شاء الله .
العبرة فى كل ما ذكرناه فى هذا الفصل - وما سنذكره فى الفصل التالى أيضا - هى أن أشخاصا كثيرين قد يساقون إلى المحا كم لتوقع العقوبات عليهم ، وهم أجدر الناس بأن يقدموا إلى الطبيب لعلاجهم ، فان حالة الواحد منهم لا تخرج عن أن تكون حالة مريض يحتاج إلى الفحص الدقيق والعلاج الرقيق ، ولم يقل أحد إن المريض يشفى بواسطة رجمه بالحجارة ، أو بالقائه فى غياهب السجون - و (( الأغنام الضالة )) لا تعود إلى قطيعها إذا نحن جرينا خلفها بالعصا ، فان ذلك أدنى أن يجعلها تمعن فى ضلالها ، ولكنها قد تعود إذا نحن ناديناها برفق ومهدنا أمامها الطريق .

