تمهيد :
إن روح الفكاهة الحقة منحة من أندر المنح التي تجود بها الطبيعة على بعض الناس . وذلك على الرغم مما حاوله الكثيرون من اصطناع هذا الروح وهم عنه جد بعيدين . وقد اشتهر البريطانيون بأنهم اهل جد حتى لا يكاد يصدق الانسان انهم يتذوقون الفكاهة كما يفعل غيرهم من الناس . ومع ذلك فقد أوتي بعض كتابهم حظا عظيما من القدرة على الدعابة . ويجد القارئ مثالا بارزا من ذلك في كتابات لورد ادوارد سيسيل الذي قضى عدة سنين في خدمة الحكومة المصرية وهو يعمل مستشارا ماليا لها.
وكان هذا السيد قد اعتاد ان يبعث إلي اسرته في انجلترا برسائل من مصر يضمنها بعض مشاهداته وملاحظاته . وهي رسائل تفيض بالدعابة المرحة الحلوة التي تنطوي على كثير من الحق المر . ولقد جمعت هذه الرسائل اخيرا في كتاب رأي ناشره أن يدل على قدره فصدره بقوله :
" إن هذا الكتاب من حقه أن يشتري - ومن حقه أن يقتني - ولكن لا يجوز في حقه ابدا ان يعار.
فانك إن اعرته لن تستطيع استرداده . وإن استعرته لن تستطيع رده !"
والصور المصرية الواردة في هذا الكتاب مطبوعة كلها بالطابع (الكاريكانوري). ففيها شئ من المبالغة ، وفيها شئ من التفخيم والتجسيم ولكنك تجد الحقيقة دائما رابضة تحت كل هذه التلافيف التي تفتن الكاتب في سبكها وفي عرضها.
وليس ينبغي أن ينسى الانسان أن هذه الرسائل كتبت في زمان غير زماننا الراهن ، وظروف غير ظروفنا الحالية . فإذا ما عرضنا في المستقبل لصورة من الصور التي نعتزم نقلها عن هذا الكتاب ، فليس يجوز أن يتحرج القارئ لما قد يجده فيها من الاشارات اللاذعة ، وإن هذه الصور لحافلة بهذه الاشارات ، فلنضحك لها ، ولننتفع بها ، ثم لنشكر صاحبها الذي قدمها لنا في هذه الصورة اللطيفة ، لكى لا يصدمنا بكل ما فيها من حق مرير .
ولكى نهيئ القارئ لما قد ننشره من فصول هذا الكتاب خاصا بمصر والمصربين ، رأينا ان نبدا بهذه الصورة -الدولية - التي ننشرها اليوم . وهي تمثل مقدار ما تحمله المكاتبات الرسمية . . عادة من صنوف اللبس والوان الغموض . وما تنتهي إليه في الغالب من الفشل وخيبة الامل . وسيري القارئ بعد مطالعتها انها ، وإن كانت لم تعد لتصور حالة المكاتبات ( المصرية) إلا أنها لا تزال صادقة بالقياس إلي مصر ، وإلى غير مصر !
وقد افترض الكاتب ان هذه المراسلات تبودات بين وزارة الخارجية البريطانية ، وبين الجهة المختصة في مدينة القاهرة.
وصورها كما يأتي : أول يناير - من وزارة الخارجية إلي القاهرة . ١٠١ - رئيس وزارة اليونان يرغب في توريد حبوب . هل يمكنكم ذلك ؟
4 يناير - من القاهرة إلي و . خ ٤١٦ برقيتكم رقم ١٠١ غير مفهومة . أين يريد التوريد ؟ هل يريد التوريد لمصر ؟
٨ يناير - من و خ إلي القاهرة . ١٠٣ - رئيس وزارة اليونان يرغب توريد الحبوب إلي اليونان . هل يمكنكم ذلك ؟
١١ يناير - من القاهرة إلي و . خ ٤٢٠ - برقيتكم رقم ١٠٣ - لقد فعلنا ذلك عدة مرات !
١٢ يناير - من و . خ إلي القاهرة ١٠٨ - ناسف لأن الصورة (دشنت) . ما هو جوهر برقيتنا رقم ١٠٣؟ فيدونا إذا امكن !
١٤ يناير - القاهرة إلي و . خ نأسف لأن برقيتكم رقم ١٠٣ دشنت هنا . المعتقد أنها خاصة برئيس وزارة اليونان .
١٦ يناير و.ح إلي القاهرة ١٠٨ - رئيس وزارة اليونان يرغب في توريد حبوب إلي اليونان . هل يمكنكم ذلك ؟
١٩ بناير - من القاهرة إلى و . خ ٤٢٨ - برقيتكم رقم ١٠٨ . سبق أن وردنا حبوبا إلى اليونان عدة مرات . وكان السائد ان الرسالات تحول إلي الجيش الألماني .
٢٢ يناير من و .خ إلي القاهرة . ١١٢ -برقيتكم رقم ٤٢٨ . إذا وردتم الحبوب إلي رئيس وزارة اليونان ، فأية احتياطات تقترحون اتخاذها لمنع تسربها إلي الجيش الألماني ؟ وهل يكفي في ذلك ضمانة رئيس الوزارة شخصيا ؟
٢٤ يناير - من القاهرة إلي و . خ ٤٣٠ برقيتكم رقم ١١٢ . ضمانة من من رؤساء الوزارات تقترحون ؟ نحن نفضل ضمانة مسيو بريان إن كان لا يزال في منصبه !
٢٧ يناير - من خ إلي القاهرة ١١٤ - يرقبتكم رقم ٤٣٠ . كنا نشير إلي رئيس وزارة اليونان . فالأمل إفادتنا برأ بكم في أسرع وقت ، لأن الموضوع مستعجل وبنبغي يجنب كل تأخير ؛
٨ فبراير - من القاهرة إلي و . خ ١٣٥ - برقيتكم رقم ١١٤ . لتجنب التأخير تقترح ضمانة شخصية كتابية من رئيس وزارة اليونان تحمل توقيع قنصل بريطانيا في بيربه . وتكون مصحوبة بموافقة الحكومة البريطانية . وتصديق الدير العام لصلحة الجمارك بالإسكندرية.
١٠ فبراير - من و خ إلي القاهرة . ١١٨ - برقيتكم رقم ٤٣٥ . توافق علي قبول ضمان وتضامن ملك اليونان . والأرشمندريت . ورئيس وزارة اليونان مصحوبا بتوقيع كبير التجار البريطانيين في بيريه مستر كارل سونتشان ؛ ما مقدار ما تستطيعون تصديره ؟
١٣ فبراير - من القاهرة إلي و .خ ٤٤٠ - برقيتكم رقم ١١٨ سيصلكم ردنا بأسرع ما يمكن . ولكن لابد من انتظاره بعض الوقت . لأننا لا نعرف بالضبط أي مصالح الحكومة المصرية مختصة بهذه الشئون . وقد تصلنا لغاية الآن - ولكن بغير جدوي -
مع مصلحة المجاري العمومية ووزارة المعارف العمومية ووزارة الحربية . والزراعة . والأشغال العمومية . والأوقاف . وسنبرق لكم قريبا.
٢٣ مارس من القاهرة إلي و .خ ١٥٠ - ناسف لتأخير ردنا على برقيتكم رقم ١١٨ . فالموضوع معقد جدا . لان السلطات البحرية تعارض في تصدير الحبوب . إذ نبين أن كثيرا منها يشتمل على زيوت مما يستعمل في الغواصات . فهل تستطيعون التفاهم مع الأميرالية بهذا الشأن ؟
٢٦ مارس - من و . خ إلي القاهرة . ٤٩٥ - برقيتكم رقم ١٥٠ ثم الاتفاق مع الأميرالية . وستقوم بحراسة الحبوب في طريقها فسافتان .
٢٨ مارس - من و . خ إلي القاهرة . ٤٩٩ برقيتنا رقم ٤٩٥ . تبين أن موضوع الحبوب اقل شانا مما قدرنا له في بادئ اللأمر. فقد كتب رئيس وزارة اليونان اخيرا يقول إن الحبوب إنما طلبت لببغاته المحبوبة التي طعنت في السن واصبحت معدتها ضعيفة جدا ، وان المقدار المطلوب من هذه الحبوب يكفي فيه رطلان . فنرجو منكم اعداد هذا القدر وإرساله والأميرالية قررت عدم ضرورة الحراسة نظرا لهذه الظروف .
٣١ مارس - من القاهرة إلي و .خ ١٦١ - برقيتكم رقم 499 . ستحصل على الحبوب المطلوبة فورا . هل يمكن إخطارنا بحجم الببغاء على وجه التقريب فقد علمنا من محرباتنا أن هناك علاقة وثيقة بين حجم الطائر وحجم الحبوب التي تليق لتغذيته.
٧ أبريل - من و خ إلي القاهرة ٥٠٦ - برقيتكم رقم ١٦١ . أوقفوا تصدير الحبوب ؛
٨ أبريل من القاهرة إلي و خ ١٦٥ - برفيتكم رغم ٥٠٦ . أوقفنا التصدير!
- ١٢ أبريل - من إلي القاهرة ١٠ - برقيتكم رقم ١٦٥ نظرا لوصول إخطار لنا عن انتقال ببغاء رئيس وزارة اليونان إلي رحمة الله في الأسبوع الماضي بسبب سوء الهضم . فلا ضرورة إلى اتخاذ خطوات جديدة في موضوع الحبوب . (طبق الأصل)
حاشية - إذا أراد القاريء أن يستوعب كل ما في المقال من فكاهة فليعد تلاوته على ضوء . هذه النتيجة التي انتهى إليها .

