الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 130الرجوع إلى "الثقافة"

صور من تاريخ الفلسفة :، ديكارت وتأويلات فلسفته

Share

ما المبدأ الذى قامت عليه فلسفة ديكارت ؟ وما عسى أن يكون مقصده منها ؟

اختلف الفلاسفة والشراح فى تحديد ذلك ، وكان اختلافهم مثارا لتفسيرات كثيرة حملت عليها الفلسفة الديكارتية ، منذ أيام ديكارت نفسه حتى عصرنا هذا ؛ فنحن نعلم أن معاصرى الفيلسوف ، وتلاميذه المباشرين ، وأنصار مدرسته وخصومها على السواء ، لم يكونوا دائما متفقين فى فهمهم لمذهب الأستاذ . وحسبنا الاشارة هنا إلى ما هو مشهور من اختلاف فى تأويل تلك الفلسفة ، سواء عند كبار الديكارتيين أمثال (( ما لبرانش )) و (( سبينوزا )) و (( لييننز )) أو عند صغارهم أمثال (( جولنكس )) و (( كلوبرج )) و (( دولافودج )) و (( ريجبس )) . والمذهب الديكارتى على نحو ما تأوله (( الكردينال دوبيرول )) و (( بوتسويه )) اللذان يلتمسان عند ديكارت دعائم عقلية للعقيدة المسيحية ، هو مذهب لا يشارك فى شىء المذهب الديكارتى ، على نحو ما فهمه مفكرو القرن الثامن عشر ، الذين لم يقرأوا مؤلفات ديكارت ، ولم يعيدوا طبع (( المقال عن المنهج )) مرة واحدة ، ولكنهم طلبوا إلى ديكارت - على حد قول (( فونتنل)) - ( منهجا جديدا فى الاستدلال هو أعظم قيمة من فلسفته التى لو ( طبقنا عليها ) القواعد التى علمنا هو إياها ، لوجدنا شطرا كبيرا منها أخطاء لا يقين فيها )) (١) .

وفى أيامنا هذه نجد من الباحثين ، حتى ممن لا يرتابون فى صدق إيمان ديكارت ، من يرون أن فى فكر ذلك الفيلسوف جزءين منفصلين انفصالا مقصودا ، وأنهما ناشئان عنده من إلهامين متباينين ؛ فاذا كان لا بد من التوفيق بينهما فلن يتيسر ذلك فى نظر الكثيرين ، إلا إذا جعلنا الميتافيزيقا فى فلسفة ديكارت تابعة للطبيعيات ( الفيزيقا ) ، وضرورة ذلك أن الله عند ديكارت هو الضامن لحقيقة العلم ، والوسيلة التى تكفل للانسان الانتصار على الطبيعة والسيطرة على العالم المادى .

ولا بد على كل حال من الاقرار بأن مذهب ديكارت وشخصيته ليسا من الأمور البسيطة التى تسهل الاحاطة بها فى فصل أو فصول ، فان ذلك المذهب - خلافا لما ظن البعض زمنا طويلا - لم يخلقه صاحبه من العدم ؛ بل يكاد لا يوجد شىء مما قال به ديكارت فى الميتافيزيقا ، بل وفى العلم ، إلا وقد قال به قائل قبله . ولقد أصبح من المقرر أن ديكارت استخدم فى تشييد مذهبه عناصر ومواد مختلفة . ومن المؤكد أيضا أن مشاغل الفيلسوف العقلية وأغراضه لم تكن دائما واحدة متفقة ، وإنما اختلفت باختلاف الزمان والمكان ، والظروف التى أحاطت به ، والأشخاص الذين اتصل بهم . وهذا هو الذى جعل بعض تلك المشاغل والمقاصد تبدو تارة وسائل ، وتارة غابات ، وطورا أمورا فرعية ، وأخرى أمورا هامة تحتل مكان الصدارة ، وهو الذى جعل الكثيرين يرون فى فكر ديكارت ثنائية تميزه عما عداه . .

وبعد هذا كله يجد الباحثون فى شخصية ديكارت الأخلاقية تعقيدا يبدو من العسير رده إلى الوحدة ، ويجعل من (( الفيلسوف المقنع )) - كما وصفه أحد الباحثين المعاصرين - شخصا غريبا ، وكان حقيقته لغز من الألغاز . صورت لنا الأساطير ديكارت فى صورة

فيلسوف رياضى ، مقنع بقناع العقل ، مترفع عن مخالطة الناس ، متباعد عن التأثر بما يساور حياتهم . . ولكن هذه الصورة التى يكاد يفرضها العرف والتقاليد الموروثة عن الفيلسوف الفرنسى ، ليست مع ذلك مطابقة لصورة أخرى يعرفها الباحثون عن صاحب كتابى (( الخطوات الخاصة )) و (( انفعالات النفس )) وصاحب الرسائل إلى الأميرة (( اليزابث )) وصديق  ((كارسلييه )) و ((مرسن )) و (( شانو )) ، ولا هى مطابقة لصورة الرجل الذى ترك لنا عنه (( بابيه )) و (( فينيخ )) صورا صادقة حية رائعة .

ولعل من الطريف النافع - قبل أن نبسط نظريات الفلسفة الديكارتية - أن ننظر فى مختلف الصور التى تهدت لمؤرخى الفلسفة الحديثة ممثلة لحياة ديكارت العقلية .

من مؤرخى فلسفة ديكارت الأستاذ (( شارل أدام )) الذى ذهب إلى تصوير أبى الفلسفة الحديثة فى صورة ممثل المذهب العقلى فى الفلسفة ( راسبو نالزم ) ، والمفكر المتحرر من قيود الدين المسيحى (١) . ولقد كان (( فرانسسك بوييه )) قد نحا هذا المنحى حين جعل من ديكارت أبا للثورة الفرنسية ، وفيلسوفا انتصرت بفلسفته (( قضية البحث الحر وتأيديها سلطان العقل )) (٢) . ويظهر أن هذه الصورة عن ديكارت زعيم النزعة العقلية هى التى عرفها عنه القرن الثامن عشر (٣) ؛ ولكن الفلسفة الديكارتية امتدت أثناء ذلك - بفضل (( فونقنل )) - إلى ميدان السياسة والدين ، وكان ديكارت قد حرص على أن يستبعدهما من فلسفته استبعادا صريحا .

ونشأت من صورة ديكارت صاحب المذهب العقلى صورة أخرى : رأى بعض الباحثين أن ديكارت فى الحقيقة عالم طبيعى ، وأن اشتغاله بالميتافيزيقا لم يجىء إلا عرضا . ومن المذاهبين هذا المذهب (( ليار )) (١) الذى قرر فى كتابه عن ديكارت أن الميتافيزيقا فى الفلسفة الديكارتية تابعة للطبيعيات ناشئة عنها . وكتاب (( ليار )) هذا واضح فى الدلالة على ما قلنا ، فانه يبوبه هكذا : (١)  المنهج (٢) العلم (٣) الميتافيزيقا .

ولقد نال هذا التأويل قسطا كبيرا من النجاح : فان مصنفات (( شارل أدام )) (٢) ومحاضرات (( انمى برول )) (٣) ودراسات ((لا برتونيير )) (٤) ومباحث (( ج . ماريتان )) (٥) تذهب كلها إلى أن ديكارت إما استخدم الميتافيزيقا من أجل العلم الطبيعى ، وأن العلم الطبيعى هو أعز الموضوعات لديه .

لكن كثيرين من الباحثين قد صوروا ديكارت فى صورة أخرى : يرى (( اسبيناس )) (٦) أن ديكارت العالم

الطبيعى لا يخلو من أن يكون هو أيضا ديكارت نصير الدين ، الذى تتلمذ أولا على اليسوعيين واعتنق مبادئهم ، والذى كان يحلم بالذود من دين الله ، والذى اتصل بالكردينال (( دوبيرول )) ، وتأثر بالآراء الأفلاطونية الحديثة التى اعتنقها الكردينال وجماعة (( الأراثوار )) ، والذى نراه بعد ذلك يلتمس عند هيأة علماء السربون تأييدا لكتابه (( التأملات )) . ويذهب إلى هذا الرأى من ديكارت (( بلانشيه )) (١) ، ولكن مع شىء التلطيف . أما (( جوهيبيه )) فينسب إلى ديكارت شعورا واضحا بما لفلسفته من رسالة دينية (٢) ، فى حين أن (( ما كسيم لروا )) ينكر أن يكون ديكارت من المؤمنين المخلصين (٣) .

ومن مؤرخى الفلسفة الديكارتية من حاول أن يوفق بين الرأيين : الرأى الذاهب إلى أن ديكارت عالم طبيعى قبل كل شىء ، والرأى القائل بأن الأصل فى فلسفته هو الذود عن الدين . يقرر (( لوى ديمييه )) بأن فيلسوفنا قد أراد الأمرين جميعا : أراد أن يقيم العلم على أساس متين ، كما أراد أن يخدم الدين . ويورد (( لوى ديمييه )) من حياة الفيلسوف الشواهد التى تؤيد صدق إيمانه بالدين الكاثوليكى ، ثم هو يقابل بين ميتافيزيقا ديكارت وبين مذهب وحدة الوجود عند الايطاليين ، وبين تشكك الملحدين (١) .

ومن مؤرخى ديكارت أيضا الأستاذ (( جاك شقالييه )) الذى أبان خير إبانة عن مكان الفكر الدينى من فلسفة ديكارت ، وبين أن الشك المنهجى إنما يقصر عن أن يتناول العقيدة (٥) . ومن أجل هذا استطاع ديكارت

- دون أن يناقض نفسه - أن يستبقى اعتقاده فى الحقائق الدينية مع طرح معارفه الأخرى . وكذلك رأى (( شقالييه )) أن الله هو مركز التفلسف فى الفكر الديكارتى ، فقد قال ديكارت : (( من جهل الله فقد عجز عن أن يكون له معرفة يقينية بأى شىء آخر )) (١).

ولقد وصف بعض الكتاب المحدثين ما لاحظه من ازدواج الشخصية فى حياة ديكارت العقلية (٢) ؛ فبينما يجد فيه مفكرا ذا عبقرية رياضية ظاهرة ، مع شغف بالآراء الواضحة المتميزة ، يجد فيه من جهة أخرى رجلا كاثوليكيا مخلصا ، متمسكا بالعقائد الدينية التقليدية . ويرى هذا الكاتب أن ديكارت ما دام بإزاء مشكلات ذات صبغة علمية خالصة - لاسيما مشكلات الرياضيات المحضة أو التطبيقية - فهو كمن يسير فى مكان أنيس مألوف لديه ، ولكنه ما يكاد يعرض لمسائل ذات اتجاه فلسفى عام حتى تجده قد أقبل عليها إقبال عالم اللاهوت التقليدى لا إقبال الفيلسوف المجدد أو المفكر الثائر . وبينا نجده يصرح بأننا ينبغى أن لا نقبل منهجا غير الحدس والاستنباط ، نجده يعلن بأن (( هذا لا يمنعنا من أن نؤمن بالأشياء التى جاءتنا عن طريق الوحى الالهى ، وأن نعتقد أنها أشد معارفنا وثوقا وأوفرها يقينا ، مادام الإيمان بهذه الأمور . . . فعلا لا من أفعال الذهن ، بل من أفعال الإرادة )) . فديكارت إذا يبتعد هنا عن مجال الفلسفة العقلية ، ويرجع إلى لاهوت القرون الوسطى .

لكن قامت فى ألمانيا أواخر القرن الثامن عشر شيعة الحركة (( الابتداعية )) . (الرومانتزم) فى الفلسفة ،

وعلى رأسها (( شلنج )) و (( هيجل )) . فكانت ترى فى ديكارت فيلسوفا ميتافيزيقيا محضا . أما (( فكتور كوزان )) وشيعة مذهب التخير ( الاكاسكتبكبين ) . فكانوا يرون فى (( أبى الفلسفة الحديثة )) . شيخ (( الروحانية )) الأصيلة ، غير أنهم كانوا يأسفون لأن (( شيطان الرياضيات قد أغواه )) - كما يقولون !

وفى النصف الثانى للقرن التاسع عشر ، أخذ الباحثون يرجعون إلى نصوص المؤلفات الديكارتية وعمدوا إلى تأويلها : فرأى (( سكرتان )) فى ديكارت نصيرا للحرية المطلقة (١) ورأى فيه (( ناتورب )) .

مشيدا لبناء (( المثالية )) (الايديالزم) الحديثة (١). وأخيرا جاء (( هاملان )) فأجاد فى تصوير الميتافيزيقا ومكانها فى الفلسفة الديكارتية ، وبين أن النظر الميتافيزيقى عند ديكارت إنما يسبق النظر الطبى وأن ذلك السبق عقلى وزمنى _ _ ] (٢)

اشترك في نشرتنا البريدية