الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 160الرجوع إلى "الثقافة"

طليحة الأسدى

Share

كانت الليلة ثمراء صافية والهواء لا يزال فيه البرد من أثر الربيع الجديد ، ورمال الصحراء تترامي من وراء الخيام المنصوبة ، فتلوح في ضوء القمر الباهر كأنها عالم لا نهاية له ، قد كمنت فيه أسرار تتهامس ، وكأن رءوس كثبانها تتواصي بالصمت لتزيد في رهبة من يجوس خلالها . وانتحي جماعة من الناس فخرجوا من العسكر حتى صاروا علي فرسخ منه ، ثم نزلوا ينتظرون أن يمضي صدر الليل ؛ وأخذوا يسمرون في حلقة وقد ربطوا أفراسهم في جوانب شجيرات الطرقاء والأثل . وجلسوا حينا ينظرون إلي السواد الذي عند حدود الأفق الأغيش الذي يتراقص أمام أعينهم . ثم دار بينهم الحديث ، فأخذ المغيرة بن شعبة يتحدث عن فارس وما رأي فيها منذ ذهب إلي المدائن مع الوفد الذي أرسله سعد بن أبي وقاص الى ملك الفرس يزدجرد أول نزولهم القادسية ، ثم جعل يصف لهم كيف يأكل الفرس وكيف يركبون ، وما رأي من مهرجان الملك وحراسه ، ومن زخرف الجند وسلاحهم ، وما قاله ليزدجرد وما سمعه منه ، وكيف رآهم بظلم قويهم الضعيف ، ويستأثر غنيهم بالخير دون الفقير ، وكيف يملؤهم الكبر ويضل بهم الغرور ، حتى بلغ وصف آلات حربهم ، فأخذ يصف لهم الفيلة وهي تسير كأنها قطع الجبال عليها الهوادج كأنها البيوت وفي داخلها الجنود يحملون الفؤوس .

فقال عمرو بن معدي كرب ، وكان يسمع حديثه صامتا في شئ من الامتعاض :

- لقد كنت معك إذ رأيت الفيلة -وكأني بها وقد لمعت السيوف في وجوهها تتصايح تصايح الخنازير

ثم تقذف ممن عليها وتخبطهم بأقدامها فقال المغيرة في شيء من الغضب ، وقد رأي أن عمرا يظن فيه التهويل :

- لست والله أبالي أن ألقي تلك الأفيال بالسيف ، وإن كان هولها أشد مما تصف يا أخا زبيد

فقال عمرو كأنه يعتذر : - لقد علمت أنك من فرسان العرب يا مغيرة ، ولله على إن لقيت القوم لأبادرن معك تلك الفيلة بسيفي هذا الصمصامة . ولكني رأيتك تعظم شأنها ، وخشيت أن تكون

فقاطعه المغيرة وفي صوته شئ من الغضب : - خشيت  أن تكون قد خلعت قلبي بمنظرها ؟ أما والله للفارس في يده الرمح يلمع كعين الحية الرقطاء أشد منها هولا إن كان في قلب المغيرة محل لفزع . فتبسم عمرو وقال :

- إذا فالعهد بيننا علي أن تجتمع أمام ذلك الفيل الأجرب الذي كان يهز الأرض إذا سار في ساحة القصر . فصاح رجل من جانب الحلقة لم يتكلم من قبل ، فقال وهو يضحك :

- كأني بكما تفاخران أن تنطحا الصخرة البلقاء . فضحك الجلوس جميعا من قوله ، إلا رجلا واحدا كان يجلس في طرف الحلقة ساهما وهو يحدق ببصره في الافق البعيد ، فلما جمع الضحك عاد إلي نفسه ، والتفت إلي أصحابه كأنه يسائل نفسه مم يضحكون .

فاتجه عمرو إلي ذلك الذي اثار الضحكة عليه وقال في شيء من الغيظ :

- يا معبد بن مرة ، لقد عرفك العرب داهية من الدهاة ، فلعلك تجد حيلة من حيلك في حرب هذه الفيلة ، إذا لم يكن من الحزم أن نلقاها بالسيوف فقال معبد بن مرة ولا يزال ضاحكا :

- لئن كان للفيل رأس وخرطوم إن له ذنبا ؛ وما عليك لو استدبرته بسيفك فعرفته أو قطعت رباط هودجة ؟

فصاح القوم ضاحكين ، وشاركهم عمرو والمغيرة ، إلا ذلك الرجل الصامت الذي كان في طرف الحلقة ، فانه قام ناظرا نحو السواد كانه يريد ان يخترق ببصره الضباب الرقيق الذي يستر أقصي الأفق

فالتفت إليه القوم ، ثم نظروا حيث اتجه ببصره ، وخشعت اصواتهم ، وداخلهم شئ من الخوف ان يكون صاحبهم قد احس شيئا يريبه ولما طال الصمت صاح عمرو بن معدي كرب قائلا :

- هل رابك شئ هناك يا طليحة ؟ فوقف الرجل حينا ، ولا يزال ينظر نحو الأفق صامتا ، ثم التفت إلي عمرو في بطء وقال :

- انظر عند الأفق حركة ، وأحسب أن العدو قريب .

فتصايح الجمع متضاحكين ، وقال قائلهم - أني للعدو أن يكون هنا ، وهو نازل بين النجف والفرات ؟

وأسرع عمرو بن معدي كرب نحو طليحة ، وجعل ينظر نحو الآفق ، حيث كان طليحة يشير بيمينه ، فرأي خطا أسود يتحرك وراء الضباب وفي آخره غبار يرتفع ثم يختفي . فقال عمرو في جد :

- أيكون الفرس حقا قد أقبلوا ؟ فقال طليحة : - أولى بنا أن نسير في وجهنا الذي خرجنا إليه فقد طال هنا جلوسنا .

وكان القوم منذ رأوا عمرو بن معدي كرب يتجه نحو طليحة ، ثم يقف معه يناجيه قد تحركوا ، ثم ساروا لينظروا فيم يتناجيان ، فأدركوهما والتفوا حولهما فالتفت عمرو إليهم وقال :

لقد طال بنا الحديث ههنا ، فشغلنا عما هنالك . وما بعثنا سعد بن أبي وقاص إلا طليمة لنجس له هذه الشطوط ، فهلموا

ثم أسرع نحو فرسه ، وسارع أصحابه إلي أفراسهم وساروا نحو خط الأفق الأسود اللائح من خلف الضباب . وهبطت بهم الخيول من قدافد الصحراء ، نازلة وهي تسير خفيفة كأنها الوصول تثب من صخرة إلى صخرة وتلمس الأرض برفق كأنها تحاذر ان يسمع لها دبيب . ثم تغير لون الأرض الأصفر شيئا بعد شئ ، فاعتكر حتي إذا ما سار الركب ميلا صارت الأرض سوداء ناعمة ، يثور غبارها الجاف فيكاد يحجب أول الركب عن أعين آخره

وكان عمرو وطليحة يسيران في صدر الجمع ، وقد أبطا في السير وعلقا يضربهما في اطراف السهل يتحسسان بهما في أكتافه وينفذان بهما ما بين غصون الشجر وجذوع النخل التى طلعت لها من وراء الضباب . وفيما كان الركب يتبعهما صامتا ، وقف طليحة فجأة وأشار لأصحابه أن يثبتوا . وقال هامسا :

- على رسلكم ، وأمسكوا عن الحديث ، فلعمري إن جيش فارس وراء هذه الغيضة .

فصمت القوم ، وأصاخوا بسمعهم ، وهم في شك من قول طليحة . فكيف يكون جيش الفرس وراء تلك الغيضة ، وقد كان منذ ليلة عند النجف يتحصن ويتربص ؟ وأدرك طليحة ما في نفوسهم من الشك ، فمال إلي عمرو وأشار نحو نار تتقد وراء الغيضة ، وجعل يحدثه هامسا

فالتفت عمرو إلي أصحابه ، وقال وهو يحاول أن يخفت صوته الجهوري .

- صدق طليحة هذا سرح جيش الفرس ، يملأ شواطى النهر . وهذه حراس السرح تستدفي مطمئنة . ثم نظر إلي طليحة وقال :

- فلنعد إلي سعد ، فما ينبغي أن يجهل قائدنا قرب العدو

فقال طليحة متجها نحوه : -إن سعدا لم يبعثنا لكي نخبره عن  سرح الجيش ؛

فلنمض في وجهنا حتى نعود إليه بخبر عن الجند فقال عمرو في هدوء

لا تغرر بأصحابنا يا طليحة ، فان العدو يفتك بنا إذا نحن سرنا وراء هذا الموضع .

فقال طليحة : لقد خرجنا طليعة ، فلابد أن نخاطر القوم

واشتد الجدال بين عمرو وبينه حتى علا صوتهما وشارك القوم في الجدال ، فصاح طليحة بن خويلد غاضبا :

لأذهبن وحدي إن كان قد ألم بكم الخوف . وكأن سوطا قد هوي عند ذلك على ناحية القوم ،

فكيف يجرؤ طليحة ان يتهم امثالهم ؟ ومن يكون طليحة في المسلمين حتى يكون أشد منهم في الاسلام دفعة ؟

واتجهوا جميعا نحو صاخبين ، وقال عمرو : - لكأني بك يا طليحة قد أردت أن تمضى إلى هذا العدو لتسلم أصحابك إليه

فصاح طليحة غاضبا : - كذبت ، وإنما أنت تخشى الاقدام وعلت الاصوات ، وتخلل الجدال سباب وخصام وصاح صائح يخاطب طليحة :

- لعلك نسيت ما كان منك ، إذ طمعت في النبوة في بني أسد ، يا طليحة بن خويلد

وصاح آخر قائلا : - لئن ترد اليوم غدرا بأصحابك لقد كنت صاحب غدر

وصاح ثالث : - والله لن تفلح ياقاتل عكاشة بن محصن فلم يجب طليحة بحرف ، بل همز فرسه في عنف ، فاندفع به الفرس واثبا ، وبعد عن اصحابه ، وانحرف مائلا

نحو الجنوب حتي غاب وراء القبضة ، وابتلعته الظلال في ظلامها ، وعاد عمرو بمن معه صامتين ، وكل منهم يناجي نفسه حانقا : ماذا عسي ان يكون من أمر ذلك الرجل العجيب ؟ ايكون قد عاد إليه شيطانه الذي وسوس إليه من قبل ان يخرج على الرسول ويحاربه ويقتل اصحابه ، فيكون قد ارتد مرة اخري وعول على أن يلحق بالفرس مع من كان في جيشهم من عرب السواد ؟ أم يكون حقا قد خلفهم وراءه وسار وحده في وجهه كي يفوز بما لم يجرءوا عليه من مخاطرة العدو في القتال ؟

وسار طلحية وحده ، وقد مال القمر نحو الغرب ، ورءا الهواء إلا من نسيم بارد يهب علي وجهه من قبل الجنوب ، فيمسح جبينه الذي يتقد من ذكري ما سمعه من السباب . وعادت إليه ذكريات سنوات كاد ينساها في معامع القتال مع المجاهدين . وانقلبت إليه صور ذلك الماضي الشاحب منذ ادعي النبوة في قومه بني أسد ، يزعم أنه بذلك يبلغ السيادة والمجد اللذين كانا يحرقان قلبه الجاهل في نزغهما الثائرة . واجتمعت تلك الصور على نفسه الجائشة ، لتزيد إلي ثورتها لذعة قاسية من لذعات الأسف ، فتنازعته الميول والأشجان حتى حار بين غضبه مما ناله من سباب أصحابه ، وبين غضبه على ذلك الماضي الذي لا يستطيع أن يمحو ما فيه من جهل وعار لم يستطع أن ينسي وقع كلمات أصحابه القاسية ، ولا تزال ذكري ماضيه ماثلة في أعماق نفسه ، تخذله إذا ثار ، وتكذبه إذا أراد أن يدفع عن نفسه ، ولم يستطع أن يحقد علي هؤلاء الصحاب الذين أساءوا إليه ، فقد كان هو كذلك ينظر إلي شخصه الماضي نظرة الانكار والكراهة وكيف يستطيع طليحة الذي يحارب مع المجاهدين ، ويسعى جهده في التماس الشهادة ، أن يرضى عن طليحة الأحمق الذي كذب وخادم ، وسفك الدماء وشق عصا الجماعة ، في سبيل أن يبني لنفسه مجدا ليس له أن يغتصبه ؟ كيف يرضي عن طليحة الصغير

الذي استهان واعتدي وكابر في سبيل إرضاء نزغة من نزغات الكبرياء الجوفاء ؟

لم يكن ليقدر على أن يرضي عن تلك الصورة من شخصه الماضي ، ولذلك لم يجد في نفسه حقدا علي أصحابه الذين شاركوه السخط على ذلك الشخص الماضي ، ولكنه كان يعرف أنه قد طرح تلك الصورة الشائهة ، واستبدل بها نفسا جديدة تدفعه إلي خوض غمار الوقائع في صفوف المجاهدين ، لعلها تغسل عن ماضيها ما علق بها من وصمة الغرق والغرور ، وأحس عند ذلك صدي كلمات أصحابه تملؤه مرارة وشقاء ، حتي أوشك اليأس أن يغلبه . ألا يريد ذلك الماضي البشع أن يفارقه أو يزيل وصمته عنه ؟ وتنفس عند ذلك نفسا عميقا بعثه الأسف الضني ، وناجي نفسه قائلا : " أواه ! ليتني كنت أعرف " . وكأن ذلك النفس العميق قد أعاد طليحة إلي وعيه وأيقظه من مناجاة عمومه ، فرنت في أذنيه أصوات همهمة يحملها القسيم إليه من جانب النهر ، وهو لا يدري كم سار منذ ترك أصحابه عند حافة أرض السواد . فوقف لحظة يتأمل فيما حوله في شئ من الذهول ، ثم خطرت على قلبه خاطرة سريعة كأنها لمعة برق سرت في الظلام . لقد كان عند ذلك وحده لا يجد رفيقا ولا معينا ، ولو عثر به عدوه لكان كشعرة بيضاء في فرس أدهم . أليست هذه فرصة لكي يغسل عن نفسه أدرانها الماضية ، ويمحو عنها عارها الذي لا يفارقها ؟ أليست الشهادة هي سبيل المغفرة التي لا نقص فيها ؟ أليس الإقدام على المخاطرة الكبرى وسيلته الباقية لينزع من قلوب أصحابه ذكري طليحة الماضي ، فلا يصبح أمامهم إلا طليحة الشهيد أو المجاهد الذي لم يألي في سعيه جهدا ؟

والتفت إلي يساره فإذا شطوط النهر قد غطتها الخيام لا تكاد العين تقع فيها على موضع ليس فيه قبة أو مظلة او خباء

وكان القمر قد انحدر إلى الغرب ، واستطالت الظلال ،

فأسرع إلى شط النهر يتداري وراء الشجر . وجعل ينظر ويتوسم وهو يسير بإزاء المعسكر العظيم الذي كان يمتد أميالا علي طول النهر العظيم

وكانت عينه تنظر إلي ما دونه على حين عاد قلبه إلى شواغله والأغراق في تأمله . ولكنه كان في هذه المرة يناجي نفسه مستبشرا بعد أن عاوده الأمل منذ عقد عزيمتة على المخاطرة الكبرى . لقد زالت عن طليحة عند ذلك مظاهر العالم الأرضى كلها ، ولم يبق أمامه إلا ما يلوح للبصيرة الصافية حتى لكأنه كان يلمح مشارف الملأ الأعلى وسدرة المنتهي . وخيل إليه أن روح الاسلام تسبح به في الملكوت الروحاني نحو الخلود ، وترددت في سمعه الباطن اصداء ما بعث به الاسلام من مكارم وفضائل ومن عدل وإحسان ؛ وعادت إلي ذهنه الهائم كلمات الخليفة عمر التي بعثها إلي قائده سعد بن أبي وقاص يقول له ولجنده " اطرحوا الشك وآثروا اليقين عليه . فإن لاعب أحد منكم أحدا من العجم بأمان أو فرقه بإشارة أو بلسان ، وكان الأعجمي لا يدري ما كلمه به ، وكان ذلك عندهم أمانا ، فأجروا ذلك مجري الأمان . وإياكم والضحك والوفاء الوفاء ! فان الخطأ بالوفاء يقية وإن الخطأ بالغدر الهلكة ، وفيه وهنكم وقوة عدوكم ، وذهاب ريحكم وإقبال ريحهم واعلموا أني أحذركم أن تكونوا شيئا على المسلمين وسببا لتوهينهم " .

وكان طليحة كلما مرت في ذهنه تلك الكلمة تبسم ارتياحا وتنفس نفسا عميقا يزيل عنه شيئا من اثر كآبته الأولى . هذا روح الاسلام العذب الذي يقصد إلي الوفاء والصدق والكرم ، إن هذا الاسلام لم يقصد إلى العجم للسلب والقتل والغدر ، أو لكي ينزع عن قوم خيرهم ، أو لكي يركب بالسيف أعناقهم . إنه مبعوث ليذيع في العالم المكارم ، وفي سبيل هذه المكارم يبذل المسلمون نفوسهم فداء

وكان طليحة قد بلغ آخر المعسكر بعد مسيرة طويلة فحدد موقعه ، وعرف مداخله ، ثم رأي القمر قد مال إلي الأفق ، وانجاب الظلام عن المشرق ، وخفتت لمعة النجوم تؤذن بأقتراب الصباح ، فأسرع عائدا ليحمل إلي قائده ما عرفه من خبر العدو .

ثم حالت منذ نظرة ، فلمح قبة بيضاء عالية وقد ربط في جانبها فرس كان قوائمه تحت وعل من غزلان البرية . فقال في نفسه : " ما اجمل هذا الفرس لو قام تحت مجاهد ؛

ولم يفكر في شيء إلا أن يجعل ذلك الفرس وسيلة لمناجزة القوم لعله يصيب فيهم الشهادة التي يبتغي او يكون قد أعذر في المناجزة . فاندفع نحوه وانتقي سيفه فقطع مقود الفرس وضمه إلى مقود فرسه ، ثم همز ، فخرج يعدو من بين خيام العدو

وأحس جنود الفرس بالحركة وهم في أول يقظة الصباح ، فتنادوا وركبوا ، وخرج بعضهم وراء المغير يريدون أن يستنقذوا منه الفرس ويجازوه على جراته ؛ ولكن طليحة فاتهم فلم يدركوه إلا مع الصبح وقد بلغ حافة الصحراء .

وعجل أول الفرسان حتى صار علي رمية الرمح من طليحة فسدد نحوه السنان لكى يضربه ، قال طليحة عن سبيله فجأة واندفع الفارسي حتى صار أمامه فكر عليه فقصم ظهره ، برمحه ثم لحق به الفارس الثاني ففعل به طليحة مثل ذلك ، حتى اتي الفارس الثالث وهو يغلي غليان المرجل من الغيظ ، وطلب الثأر لابني عمه القتيلين ، فأراد طليحة أن يجعل ذلك الثالث ايه باهرة ، فلما رآه قد سدد إليه السنان ليطعنه ، مال عنه فاندفع الفارسي حتى صار أمامه كما فعل صاحباه ، ولكنه لم يكر عليه فيقصم ظهر ، بل دعاه إلى الاسار ، فلم يجد الفارسي بدأ من الاستئسار . وساقه طليحة بين يديه حتى عاد به إلى قائده سعد ، وقد اجتمع الناس حوله ينظرون إلي طليحة العجيب .

وترك طليحة الاسير يقص القصة وهو يسمع باسما وينظر إلي اصحابه الذين وقفوا حوله ينصتون ، وقد امتلأت قلوبهم إعجابا ومحبة ، يختلطان بما ثار فيها من اسف على ما أصابوا من صاحبهم البطل في ثورة الخصام .

ولما انتهي الاسير من قصته خيم على الجمع سكون عميق . وتقدم عمرو بن معدي كرب نحو طليحة يمد يديه نحوه حتى ضمه إلى صدره قائلا : - أتعفو عني ياطليحة ؟ فقال طليحة والدمع ملأ مآفيه : - بل يعفو الله عني وعنك يا عمرو

اشترك في نشرتنا البريدية