أمعن الأستاذ الجليل أحمد أمين بك في تمحيص سير المصلحين ، فاستخرج من إمعاء هذا مقاله الاجتماعي ) عذاب المصلحين ( ) ١ ( . وقلب النظر في أسباب هذا العذاب ، فاهتدي إليها بفضل ما أوتيه من دقة في حل عناصر الموضوع ، ومن براعة في وصل اعجاز الامور بصدورها . فلست بخائض في مقالي هذا في شئ من الذي خاض فيه الاستاذ ، وإنما وقع في خاطري ان اضرب طائفة من الأمثال في عذاب العبقريين ، سواء أ كانوا من أهل العلم أم من أهل الأدب ، وأن أختم المقال برأي لكاتب فرنسي كبير ؛ وهذا الرأي يكاد يكون بمنزلة دواء يداوي " به العبقري ما يقاسية في حياته من أهل زمنه .
من يتصفح تاريخ العلم في القرنين المتأخرين يتبين له أن فريقا من أماثل العلماء أقيمت العقاب في سبيلهم ، وأصابتهم شقاوة في حياتهم ، وبلغ العذاب منهم كل
مبلغ وقد تختلف انواع النوازل التي نزلت بهم ، ففريق منهم حبسوا في سبيل علمهم ، وفي مقدمة هذه الفئة جاليلو ، وبرناردي باليسى ، وباكون ، وسزاليان .
أما جاليلو فقد كان عالما رياضيا ، شهر أمره في الطبيعيات وعلم الفلك ، وهو من علماء إيطالية ، كان جمهور المتعلمين قبله يعتقدون أن الأرض هي مركز العالم ، فجاء جاليلو وأعلن أن الشمس هي مركز السيارات ، وأثبت ان الأرض تدور حولها كما تدور بقية السيارات التي تعكس ضباءها ؛ فأثار مذهبه هذا كلمن الحفود ، حتى غضب عليه في جملة من غضب رجال الملك في رومة ، وحرم رجال الكنيسة هذا المذهب ، وتهددوا جاليلو، وتقدموا إليه في الاقلاع من إذاعة مذهبه ؛ ولما عاد إلي فلورانسة " جمع الأدلة التي تؤيد معتقده في كتاب ، فوقع الكتاب إلي ديوان التفتيش ، فأكره " جاليلو وهم سبعون سنة على الركوع بمحضر رجال التفتيش ، والقول ببطلان مدعاه ، وعلى إثر ذلك جعلوه في شبه سجن ، وتشددوا في مراقبته ، فمات وهو اعمي ؛ ومن كلامه المأثور في خلال تعذيبه : " ومع هذا فانها للتحرك يعني بذلك الأرض .
وأما برنار دى ياليبسى فهو كاتب وعالم فرنسى وهو من حذاق المخترعين ومن منشئ علم طبقات الارض البديعة المزولة بالتصاوير وقد قبض عليه سنة ١٥٨٦ لانه كالفانى نسبة الى كالفان وجعل فى الباستيل حيث سم فمات
وأما باكون الفيلسوف الانكليزي ، فقد أمر بسجنه ، وحكم عليه بدفع مقدار من المال ، فكانت نجاته من أهل الوشايات أمرا عجابا
وأما " سزاليان فهو عالم إيطالي من علماء الطبيعيات ، وفيلسوف وطبيب ، وهو أول من عرف
الأجناس في الأزاهير ، وقد كان طبيب البابا الخاص ، ومع هذا فقد اتهم بالسحر والزندقة ، ودفع إلى رجال التفتيش .
هذه طائفة من العلماء الذين كان علمهم سببا في حبسهم ، وفي موت بعضهم في الحبس . أما العلماء الذين بلغوا عن بلادهم في سبيل معتقداتهم فاني اذكر منهم " ديكارت " و فيزال
كان " ديكارت " فيلسوفا فرنسيا ، وقد علت منزلته في الطبيعيات والهندسة ، وله مذاهب علمية مشهورة وتصانيف رائعة ، قد صدرت عن روية طويلة ، فهي أساس العلوم النفسية في هذا العصر ؛ فقد اخرج من بلاده ، فتوجه نحو " استوكهولم " ومات في بلاد السويد ، بعد أن عاش عيشة جندي ، وعالم طبيعي ، وفيلسوف ، وطبيب ، متهاونا بحياته .
وكان " فيزال من أكبر علماء التشريح في القرن السادس عشر ، ولد في " بروكسل " عاصمة بلجيكة ، وذهب إلي باريز ومنها إلي " بولونية " ثم إلي بئر وقد عزبت إليه جناية ، فأجبر على السفر إلي الأرض المقدسة ، فمات جوعا .
ومن العلماء من عاش في ضنك وفي مقدمتهم الفلكي الألماني " كيلر " فقد عكف في مقتبل عمره على اقتباس العلوم الرياضية ، واشتغل بها في حياته كلها ، وله قوانين في الفلك خاصة تنسب إليه ، ومن أجل أرائه وعلمه عاش في خشونة
ومن العلماء من حرم لذة نشر أفكاره ، وهي لذة لا يعدلها شئ ؛ وفي جملة هؤلاء العلماء " كويرينك " الفلكي البولوني المشهور ؛ فقد أثبت هذا العالم حركة الآجرام السماوية حول ذاتها وحول الشمس ؛ فلم يرض البابا بهذا المذهب لمخالفته الكتاب المقدس ، ولم يجرؤ
" كوبرينك " على إذاعة تآليفه البارعة إلا في خاتمة حياته . فلم ير كتابا مطبوعا إلا يوم موته !
هذا كان نصيب العلماء من علمهم . أما اليوم فقد سلموا من التعرض لما كانوا يتعرضون لمثله من الشدائد كالحبس والنفي والحرق فقد أصبح للعلماء سلطان في العالم منذ منتصف القرن السابع عشر.
وإلي جنب هذا الطراز من العذاب تجد طرازا آخر يقاسية الأدباء في نفوسهم ، وقد يكون اشد إيلاما من الأول ، حتى قال " هوغو" في بعض كلامه : " لقد سمعت في هذا العصر رجالا علت منزلتهم في السياسة والأدب والعلم يشكون الحسد والضغائن والمطاعن ، ويضجرون منها ، ولكنهم ليسوا على حق في شكواهم ، فان ما يشاهدونه في هذه الأخلاق إنما هو سنة عامة في البشر وهو المجد بعينه ، فان الذين يذهب صيتهم في الافاق يتعرضون لهذه المحن كلها ؛ فالحقد يمشي وراءهم في كل مكان ، ولا شئ مقدس في نظر الحقد ، وليس في الأرض مأوي للعبقربين إلا القبر "
قد يكون كلام " هوغو مرا ولكنه حق فالعبقريون لا يسلمون في حياتهم من الأذي ، ولكنهم إذا ذهبوا ودرجوا عرف الزمان فضلهم فوقرهم بعد موتهم .
فمن الأدباء الذين لم ينجوا من أذي أهل عصرهم الجاحظ ، فقد حبس نفسه على الآدب والعلم مدة قرن متكامل ، وكان همه البعيد التنقيب عن الحقيقة والتنبيه على الأضاليل ؛ فما هو جزاء عنايته بالأدب وبالعلم ؟ جزاء هذا كله تعقب الناس إباء وهو في اشد علة ؛ واغرب من هذا أنه ربما ألف كتابا في باب من الأبواب فيتواطأ على الطعن فيه جماعة بالحسد المركب فيهم ، وهم يعرفون براعة هذا الكتاب وفصاحته ، حتى كان ينسب كتبه إلي من تقدم عصرهم ، فيأتيه أولئك الطاعنون بأعيانهم ،
فيكتبون كتبه المنسوبة إلي غيره بخطوطهم ، ويتدارسونها بينهم ، ويتأدبون بها ، ويستعملون الفاظها ومعانيها ولو علموا أن هذه الكتب ألفها الجاحظ نفسه لما كان منهم إلا الطعن والقدح
ومن العبقريين الذين لاقوا الآلاقي من أهل دهرهم المتنبي ؛ فقد كان في ابتداء امره في خشونة من العيش ورقة من الحال ، يشتهي كل شئ . يشتهي الناعم من الملابس والكريم من العطايا ومع هذا كله ما كان يخلو من حسد الحساد وشماتة الشامتين وكيد الكائدين ، فكان ضجره من هذه الأخلاق يطفح على جنبات شعره ؛ ولقد أفضي الأمر بحساده إلي أن شمتوا بموت جدته ، لأنه كان يذهب في حبها كل مذهب ؛ وربما تمني القوم موته فسموه وهو حي ، ولكنه كان ينتفض من بعد مسعاهم ، فيزول القطن والكفن
ولما مات الشاعر ) فلوير ( وصف نعشه الكاتب الفرنسي " زولا " فقال :
" لم يمش حول نعش هذا الشاعر إلا ثلثمائة رجل من باريز ، فقد غلب كثير من الذين كان يجب عليهم ان لا يغيبوا ، ومدينة الشاعر نفسه وهي " روان لم تشيع أشهر ولد من أولادها ، فقد قالوا إن أهل " روان إنما هم تجار يسخرون من الأدب ، على أن فيها كثيرا من الآسانيد والمحامين والأطباء والشباب المستنير ، إن فيها من قرأوا رواية " مدام بوفارمي فلم يتحرك واحد منهم ، ثم يصحب النعش إلا مائتا رجل من روان " كثير من الناس كانوا ينظرون إلي النعش على سبيل اللهو ، فلم يكن على وجه احد منهم اثر من آثار الحزن ؛ والحقيقة أن أربعة أخماس أهل " روان لا يعرفون " فلوير والخمس الآخر كانوا يكرهونه وقد خيم " زولا " مقاله المبكي بهذه العبارة " هذا هو المجد " .
إلا أن " موروا " وصف للناس عامة دواء ناجحا يبعد عنهم ما يبرءون به من أذي غيرهم ، فقد رغب إلي كل واحد من البشر أن يحصن نفسه في داخلها تحصينا يقيها شراسة الأشخاص والأشراء فكل رجل يستطيع ان يبني في أعمق أفكاره ملجأ ينقي فيه اثقل القذائف ، واقتل القوارص سما ؛ فما يخشى الرجل الذي يعيش هادئا في نفسه ، فلا الاضطهاد ولا المطاعن تستطيع ان تكدر عليه صفاء تفكيره وان تضعفه في خلوه إلي هذا التفكير ؟
ما اخلق العبقربين بأن يعيشوا في بواطنهم دون ان يحفلوا عن محيط بهم في الظواهر من الآذي ما اخلقهم بأن ينشئوا لهم في نفوسهم حجازا يحجز بينهم وبين شر الناس
دمشق

