حينما بلغت الدولة البريطانية ذروتها العليا ، واتسعت أقطارها حتى عمت جميع البحار والقارات ، كان من الواضح الجلى ان أجل شئ تشتمل عليه تلك المجموعة الهائلة من الممالك والدمنيون ومن الحمايات والمستعمرات ومناطق النفوذ ، هو من غير شك بلاد الهند ، ذلك القطر الواسع الفسيح ، المزدحم بمئات الملايين من السكان ، الذي يوشك أن يكون عالما صغيرا وسط العالم الكبير ، قطر قد امتلأ بالأجناس والديانات واللغات ، وتنوعت فيه المذاهب واللهجات ، وتعددت فيه الممالك والدول ، منها الصغير الضئيل ، وفيها الضخم العظيم .
وكثير من الناس لا يعلمون أن ما يقرب من خمسي مساحة الهند عبارة عن دول هندية صغيرة يحكمها أمير وطني ، يبلغ رعاياه بضعة ملايين ، واحيانا بضعة عشر
مليونا من السكان . وإلى جانب هذه الامارات الوطنية أقطار فسيحة يخضع خضوعا مباشرا للحكومة صاحبة السيادة .
ومن الخطأ أن يقال إن الهند مستعمرة بريطانية ، وإنما هي دولة في داخل الدولة . ويوشك هذا الجزء أن لا يقل خطرا عن الكل الذي يحتويه . لهذا يري حاكم الهند يدعي نائب الملك . وهو أجل وأرفع منصب في الإمبراطورية كلها . ويشرف علي شئون الهند في لندن وزير من وزراء المرتبة الأولى .
فالهند إذا عالم عظيم يخضع لحكم امبراطور قضت الظروف ان يكون مقره الدائم في لندن ، فأناب عنه في حكم الهند نائب ملك . أو بالآخرى نائب امبراطور . واتخذ من خيرة رجاله وزيرا يكون حلقة اتصال بينه وبين نائبه من جهة ، وينظم علاقات الهند بالحكومة البريطانية من جهة أخري .
لقد كانت الهند أول الأمري خاضعة لحكم شركة من الشركات التجارية ، ثم خلفتها الدولة البريطانية في الحكم وقد قهل في نقد الحكم البريطاني للهند الشي الكثير, ولا شك في ان هنالك محلا للوم غير قليل . ولكن من الانصاف ان نلاحظ ان الحكم في الهند قد تحسن بتحسن الحكم في بريطانيا نفسها ، وحينما ارتقت مقاييس العدل والانصاف في الدولة كلها كان للهند من ذلك نصيب وافر. وليس هذا بمقام نقد الحكم في الهند . وإنما غرضنا هنا إظهار ما للهند من الخطر والمكانة بين الدول .
لقد أثرت الهند في التاريخ الحديث تأثيرا بليغا ؛ فلقد كانت الهند السبب المباشر في الكشف عن العالم الجديد ، ورفع غياهب الظلام عن قارتي أمريكا ، وعن الشرقي الأقصي ، والمحيط الهندي والهادي . وما اشتمل عليه من الجزر والقارات .
ومنذ تولي ملك الانجليز منصب أمبراطور الهند ، واضطلع رجاله بأعباء الحكم فيها ، ثم تلبث الهند أن أصبحت قوة هائلة في توجيه السياسة البريطانية. فمن الحقائق الجغرافية القاسية أن يكون مقر أمبراطور الهند في بريطانيا ، وبينه وبين الدولة التي يرعاها الاف الأميال من البحار ، ومساحات هائلة من اليابس . ولم يكن بد من أجل الاضطلاع بحكم الهند على الوجه الاكمل أن يكون الطريق بين الدولتين مأمونا ، وان يستبعد كل خطر يهدد الهند ، من قريب أو بعيد ، وأن تتخذ لذلك احتياطات واسعة النطاق ، وان يؤثر هذا كله في سياسة بريطانيا ،وبالتالي في سياسة العالم ، وفي التاريخ الحديث أثرا بليغا.
فمن أجل الهند سمعت بريطانيا لتأمين الطريق المحيطي حول جنوب إفريقية ، والطريق البحري المار بالبحر التوسط ، وقناة السويس ، والبحر الأحمر ، وبوناز باب المندب . ومن أجل الهند ، حدثت الأحداث الخطيرة المرتبطة بجبل طارق ومالطة والسويس وعدن
وجيبوتي . ومن أجل الهند تعذر التفاهم بين يريطانيا وروسيا القيصرية ، التي كانت تسعى أحدا للتوسع نحو الجنوب في أوربا وآسيا ومن أجل الهند أوشك المحيط الهندي ان يكون بحيرة بريطانية ، وبذلت جهود جبارة لكي تظل الدول المنافسة بعيدة عن سواحله . ومن أجل حسن الدفاع عن الهند قامت دولة الأفغان لكى تكون بمثابة حاجز امام روسيا القيصرية ، إذا حاولت التوسع نحو الهند . وحينما أبدت ألمانيا في السنين الأولى من القرن الحالي اهتماما خطيرا بالعراق وبسواحل بحر العجم ، اتخذت السياسة البريطانية موقف الحذر ، ثم العداء نحو هذا التوسع الألماني ، ونحو ألمانيا نفسها .
وقد نجحت سياسة بريطانيا في إبعاد الخطر عن الهند نجاحا يوشك أن يكون تاما . فلم تصبح في العالم قوة يستطيع العقل ان يتصور تهديدها للهند من قريب أو بعيد . فقد أصبحت روسيا في شغل بثورتها وبتطورها الاقتصادي ، وبالخطر الألماني الذي يهددها . وألمانيا بعيدة عن الهند كل البعد ، وليس لها مستعمرات . واسطولها صغير قليل الخطر . وفرنسا صديقة حميمة مأمونة الجانب . وإيطاليا خصم لا يعبأ به . واليابان لا تطعمع في أكثر من التوسع في الصين ، وبينها وبين الهند الاف من الأميال ، وطريقها إلى الهند تحرسه الجزر والمضايق المنيعة والقواعد الحربية . إذا فالهند في مأمن من كل خطر بتصوره العقل . . ومن العبث ان تبني سياسة الدولة على أوهام تصور أخطارا خيالية ،
بعيدة الاحتمال ، فترهق الدولة بتكاليف دفاع واسع النطاق . وأولي بهذه الأموال ان تنفق في التعليم والترفيه عن الشعوب ، وتحسين الاقتصاد القوي . . والهند فوق هذا محاطة بسياح من الجبال المنيعة ، وليس هنالك طريق بري يؤدي إليها سوي ممر خيبر وبلوخستان من جهة الغرب ، وبرما من الشرق ، وليس وراء هذين الطريقين عدو بحسب له أدنى حساب . . أما الطريق
البحري فان مفاتيحه في يد بريطانيا ، التي لم ينازع سيادتها للبحار منازع .
يقول شيكسبير : إن أكبر خطر على المرء إحساسه بالأمن.... واليوم يحدث ما كنا نعده بالأمس مستحيلا ، وقد أصبح عدو غريب مريب واقفا على أبواب الهند ، يهدد بالحرب فطرا لم يعرف الحرب منذ أجيال . فسكيف حدث كل هذا ؟
من سخريات المقادير أن تكون هذه الضربة قد جاءت على يد أعز أصدقاء بريطانيا ، وأكبر حلفائها فرنسا ، التي سمحت لليابان بأن تحتل الهند الصينية وحسبك بهذا الاسم نفسه دلالة على ما لهذا الاقليم من الخطر بالنسبة إلي الهند والصين معا . وقد سلمت فرنسا لليابان الهند الصينية ، فأصبح لليابان قطر تتصرف في أمره كما تشاء ، قطر شديد القرب من برما الملاصقة للهند . واستطاعت اليابان _في صمت وسكون كعادتها - أن تحشد في هذا القطر قوات هائلة ، وان تمدها بالعدة اللازمة لغزو بعيد المدى واسع النطاق
وقد أخذت اليابان في تنفيذ خطتها بدقة شديدة . ومراعاة لتفاصيل ضئيلة تبعث الدهشة ، وتدل دلالة واضحة على ان الغزو الياباني قد رسمت خطته منذ سنين طويلة ، ودرس دراسة عميقة في جميع نواحيه ، وظل سر : مكتوما في أثناء هذه الدراسة كلها . وقد برعت اليابان في إخفاء ما اعدت من قوة ، حتى ليكون من الحمق اليوم ان يتكهن إنسان ما لديها من السفن ، مع ان السفن من الأشياء التي لا يسهل إخفاؤها. ولكن اليابان استطاعت
بالتلاعب بالأسماء ، وبتحويل سفن الصيد والبواخر التجارية ، التي روعي في بنائها ان يكون من السهل تحويلها من أدوات سلم إلي أدوات حرب . بهذه الوسائل وغيرها برزت اليابان فجأة بقوة بحرية فوق ما كان يقدره أبعد الناس تشاؤما ، واستطاعت كذلك في بدء الحرب بمزيج من المهارة والغدر أن تضعف قوة اعدائها البحرية . وان
يصبح لها التفوق المطلق في النصف الغربي من المحيط الهادي . وأن ترسل قوافل السفن واحدة بعد واحدة للغزو والفتح . حتى تسنى لها في ثلاثة أشهر أن تبسط نفوذها على جميع المراكز الهامة في تلك المنطقة التي تبلغ بضعة ملايين من الأميال المربعة.
ولقد كان كثير من المتفائلين يظنون أن اليابان منهمكة في حربها مع الصين بما يشغلها عن التفكير في فتح جديد وغزو جديد . وأن خزائنها مرهقة بتكاليف حرب دامت خمس سنوات ، فمن الحمق أن تضطلع بعبء ، يزيدها إرهاقا ؟ ولكن حزب الحرب رأي غير هذا . وقرر أن حرب الصين هي في المحل الثاني ، وان العدو الحقيقي هو أمريكا وبريطانيا التي تمد الصين بأدوات الحرب ، وأن " المسألة الصينية " كما يسميها البابانون لا تلبث أن تحل إذا انتصرت اليابان في هذه المجازفة الواسعة
وقد أغري اليابان على هذه الخطة الجريئة بسط نفوذها على الهند الصينية ، وقد مكنها هذا من ان تستولي بسرعة على سيام ، وان تنقض من سيام على برما ، وان تصل بسرعة إلى سواحل المحيط الهندي . ثم أخذت تتقدم نحو الشمال في برما ، حتى أصبحت قوانينها محاذية للعاصمة رائجون . وليس بينهما سوي بضعة انهار لم تلبث ان عبرت أولها وهو نهر سالوين ، ثم عبرت ثانيها وهو نهر بيلين ،
ثم نهر سينا نج ونهر بيجو ، وباتت رائجون مهددة تهديدا خطرا ، وهذا الزحف يتجه من الشرق إلى الغرب ، من مولين إلى رائجون مخترقا تلك الانهار . ولكن لابد لليابان أيضا أن تبعث بجنودها نحو الشمال لكى يحاول الاستيلاء على مندلاي ولاشيو ، وبذلك يتم لها التسلط على الجانب الغربي من طريق برما ، وهو طريق الاتصال البري بين الهند والصين . وقد أخذت القوات اليابانية تتجه نحو الشمال تحقيقا لهذه الخطة .
ولئن كان الغرض الأول من الزحف على برما قطع طريق الامداد عن الصين ، فان اليابان لا تستطيع أن
تقف عند برما إذا أرادت التوقف ، أو إذا كان من مصلحتها التوقف .فإنها قد زجت بقوانينها في طريق لا تستطيع أن تقف عند نقطة منه ، ولا أن تهدأ في لحظة ، ولا أن تريح قواتها برهة من الزمان, لقد اصبحت اليابان على أبواب الهند وبالرغم من ان بين رانجون وكسكنا ألفا وخمسمائة من الكيلو مترات ، فان اليابان مرغمة على المضى ، رغبت ذلك أم لم ترغب .
ومن العبث أن يقال إن اليابان نالات تقدمها هذا كله من غير ثمن . فان من الواضح ان كل خطوة خطتها قد كلفتها خسائر غير قليلة في الرجال وفيما هو أثمن من الرجال: العتاد. وكانت خسارتها في الطائرات في ميدان برما عظيمة وخسارة أعدائها يسيرة . ولابد للحلفاء الذين لم يعدو لهذا التهديد عدته, من ان يتبعوا خطة واحدة لا ثانية لها ، وهي ان يضحوا بالساحة لكى يكسبوا الزمن ، وان يقاوموا منسحبين ويحاربوا متراجعين. حتى تكمل عدتهم في الهند, ويتخذوا أهبتهم لمحاربة عدوهم العنيد على قدم المساواة .
ولقد يقال إن المسافة بين بريطانيا وامريكا من ناحية وبين الهند من ناحية اخري هي من البعد والاتساع بحيث لابد من مضي زمن طويل قبل ان تكمل عدة الحلفاءفي الهند . وهذا من غير شك صحيح ، ولكن يجب أن نذكر أن في الهند نفسها معامل للصلب ومناجم للفحم . ومصانع انشئت وآخري في دور الانشاء لإنتاج طائفة من الأسلحة والعدة الحربية . فليست هنالك حاجة لان يستورد كل شئ من بريطانيا وأمريكا . ويحب الا ننسي أن على اليابان أيضا أن تجدد عدتها وأن تستورد من بلادها
من أدوات الحرب وآلاتها ما لا بد من إضافته حينا بعد حين والميدان الهندي شديد البعد عن اليابان وإن كان أقرب إليها منه إلي بريطانيا ، كذلك يجب أن تذكر أن اليابان تعتمد على ما تدخر لا علي ما تنتج وأننا مهما غالوا في تقدير هذا المدخر ، فليس من المعقول أن تتصور أنه يكفي في حرب حديثة طويلة الأمد . واليابان فقيرة في الصلب وهو عماد
الحرب وإنتاجها أضعف كثيرا من إنتاج الحلفاء ، ولهذا كان عامل الزمن من غير شك في جانبهم وليس في جانبها
لقد خسرت بريطانيا من قبل في دنكرك كل ما تملكه جيوشها ، من عتاد حربي . ولم يبقى لها سوي قوتها البحرية وقوة جوية لا تكاد تقاس إلي قوة أعدائها . أما قوامها البرية فقد باتت عزلا ، لا تستطيع الاضطلاع بحرب . ورغم هذا كله وقفت بريطانيا العزلاء وحدها أمام ألمانيا الهائلة المدججة بالسلاح ، وإيطاليا حليفتها ؛ واستطاعت بريطانيا ان تخرج من تلك المحنة ، وأن تثبت
للغارات الجوية العنيفة التي تم تردها إلا صلابة وقوة . . انتصرت بريطانيا في تلك المحنة بفضل قوة الروح والجلد وليس الخطر الياباني في عام ١٩٤٢ بأشد من الخطر الالماني في عام ١٩٤٠ وإما الخطر الحقيقي اليوم - كما كان دائما أن تضعف النفوس ويخونها الجلد ويضجرها طول الجلاد أما إذا لقى البريطانيوف هذه الهزائم الجديدة بنفس الروح التي قابلوا بها هزيمة دنكرك، فان طريق النصر الياباني ليست تلك السبيل الممهدة المسهلة التي قد يتوهمها بعض من يهوسهم هذه الانتصارات السريعة.
باتت الهند اليوم ، للمرة الأولى ، موئل الديمقراطية ، الذي تستطيع أن تلم فيه شعبها ، وان مجمع فيه عدتها وان تحشد فيه جندها ، لكى تسترد المفقود ، وترد المعتدين . وبعد شهرين تأخذ الأمطار الغزيرة في السقوط ، وتنتشر الأوحال ، ويتعذر الانتقال . فعسي أن يحدث هذا فترة من الركود تنعم فيها الهند بأشهر من الهدوء النفسي ، وتحاول فيها قوات الديمقراطية أن تستكمل عدتها ، وتتأهب للأشهر التالية . . ولكن الحرب الهندية إذا سكنت في البر فأنها لن تهدأ في البحر ، فان الاستيلاء علي سنغافورة قد فتح باب المحيط الهندي للسفن اليابانية . وقد يؤدي هذا إلي محاولات ومغامرات جديدة ، ليس من السهل التكهن عنها بشيء . .

