في المقال السابق تحدثنا عن اليابان ، كيف توزعت جزرها الأربع الآصيلة في المحيط الهادي وقبالة القارة الآسيوبة ، وكيف أنشأت لها بالفتح جناحين من الجزر طوقت بهما بحرين عظيمين حبست وراءهما روسيا والصين . وألمعنا كذلك بالهبات التي أعطتها الطبيعة إياها ، فخلقت منها أمة بحرية كبري .
واليوم نترك البحر ونهبط على أرض اليابان ، على هذه الجزر الأربع التي منها تتكون اليابان الأم ، لندور بضع دقائق على سطحها وفي جوها دورة خاطفة
تعين على ما نعالج بعد ذلك من حياة اليابان .
أرض اليابان ، اليابان الأم ، أرض أكثرها الجبال وأقلها السهول . والناس إنما يعيشون على ما تنتج الأرض السهلة من زروع . وسهول اليابان ، او ما يزرع من أرضها ، لا يزيد على ١٢ % من مساحة البلاد . وهي مساحة ما كانت لتقوم بطعام سكانها ، وهم سكان متزايدون زيادة رائعة على السنين ، لولا نظام للزراعة شديد الحبك محزوم الأطراف ، أساسه استغلال كل شبر من الأرض بأكبر مقدار من السماد في كل شهر بأذن بزراعة كائنة
هذه ما كانت . حتى سفوح الجبال الغربية سووها عرصات افقية يعلو بعضها فوق بعض طبقات لتحبس وتحتفظ بالذي يصيبها من الامطار فعلي هذه الأمطار تعتمد الزراعة . وهي امطار صيفية غزيرة جدا ، تنزل بالري في افضل اوقاته ، أوقات الصيف والحرارة والحياة .
وإن يكن فات اليابان ثروة السهول فقد كسبت جمال الجبال . وهي جبال خضراء لا كجبال مصر تصعدها فتجد فيها خضرة النبات من صنع الانسان إلي ٥٠٠ قدم . ثم تصعد فوق ذلك فتجد خضرة البراري تمتد إلي ٢٠٠٠ قدم ، ثم تذهب صعدا فتدخل منطقة الغابات وبها الصنوبر والزان والبلوط وأنت في أثناء هذا قد تري خيالك في بحيرة تجتمع ماؤها في الأعالي ، او تسمع خرير ماء يهبط من شلال . وقد تعددت هذه البحيرات ، وتجملت مما نضدته الطبيعة حولها من مناظر رائعة زادتها بهاء صنعة الانسان . لهذا اتخذوا منها منازل للصيف . وهي تعلو عن سطح البحر أربعة آلاف فما فوقها من الأقدام . وهذه البحيرات شقوق ملأتها الأمطار ، لهذا قد يبلغ عمقها المئات من الأقدام وهي تفرغ ماءها في مهابط سحيقة الأعماق ، يتراءي فيها الماء من بعيد كعود الفضة السبيك الجامد ، فإذا اقترب الناظر منه وجد فيه الحياة ، حركة عنيفة دائمة لا تسكن ، ونغما مطربا واحدا لا يختلف باختلاف الليل والنهار . ولا تبلغ هذه الجبال مناطق الثلوج الدائمة أبدا ، فارتفاع أكبرها ١٢٤٠٠ قدم .
وكثير من هذه الجبال براكين ، وقد عدوا البراكين فبلغت مائتي بركان ، أكثرها نائم ، والصاحى منها خمسون . وقد علمت الحوادث أهل هذه البلاد أن لا يطمئنوا إلى بركان نام ابدأ ، حتى لو سكن شخيره وانقطعت انفاسه ومضي على انقطاعها السنون ، فهو قد
يصحو فجأة من أعمق نومة ، فيتقلب ، فتتقلب بتقلبه القري والديار .
وقد أحصوا ما كان في اليابان من زلازل ذات بال في القرون الثلاثة الماضية فكانت فوق المائة . والأرض تصيبها غير هذه الزلازل العنيفة هزات هينة كل يوم ، تسجلها الآلات الدقيقة بالراصد . وقد رصدت هذه الآلات في ثلاث عشرة من السنين في ختام القرن الماضي ١٧٧٥٠ هزة ؛ وهذا عدد مخيف يبعث الرعب في قلوب السكان ، ولكن العلماء وجدوا له تفسيرا خلقوا من خوف الناس امنا ، فهم يقولون إن هذه أنفاس الغدر المكتومة تخرج نفسا نفسا فتذهب بالضغط من داخل الغدر فلا يكون انفجار . فالناس مطمئنة ما أحست أنفاس الغدر ، منزعجة عند سكون هذه الأنفاس . وقد عزا العلماء هذا الاضطراب الدائم إلى أن اليابان لم تستقر بعد في مجلسها من سطح الكرة الأرضية ، فوركها اليمني الشرقية على المحيط الهادي دائمة الصعود ووركها اليسري الغربية على بحر اليابان دائمة الهبوط ، والجسم الذي بينهما يتحرك ما تحركت الوركان
ومن أشد هذه الهزات عنفا زلزال عام ١٩٢٣ ، فقد هدم نحوا من ثلث العاصمة توكيو . وللعاصمة ميناء بالقرب منها يدعي بوكوهاما ، تدخل إليه المواني الكبيرة التي لا تستطيع دخول ميناء العاصمة لضحالتها . فهذا الميناء مسحه الزلزال مسحا . وبلغ عدد المنازل التي هدمها هذا الزلزال ٥٦٠٠٠٠ منزل . قال شاعرنا المرحوم شوقي يصفه
قف ) طكيو وطف على ( بكهامه )
وسل القريتين كيف القيامه
دنت الساعة التى أنذر النا
س وحلت أشراطها والعلامه
خسفت بالمساكن الأرض خسفا
وطوي أهلها بساط الاقامة
طوفت بالمدينتين المنابا وأدار الردي على القوم جامه
لا تري العين منهما أين جالت
غير نقض أو رمة أو حطامه
حازهم من مراجل الأرض قبر
في مدى الظن عمقه ألف قامه
دولة الشرق وهي في ذروة العز
تحار العيون فيها فخامة
خانها الجيش وهو في البر درع
والأساطيل وهي في البحر لامه
لو تأملتها عشية جاشت خلتها في يد القضاء حمامه
رجها رجة أكبت على قر
نيه (بوذا) وزلزلت أقدامه
وبوذا لم ينكب وحده ، فقد انكب وتحطم معه من تحف الفن وآثار التاريخ ما لا يقدر بمال .
أما جو اليابان فقد حدده موقعها من البحر ، وموقعها من القارة ، وموقعها من خطوط العرض بسطح الكرة الأرضية . واخيرا ما عليها من جبال . ويمكن تقسيمها من حيث جوها إلى نصفين : شمالي وجنوبي أما الشمالي فبرودة شتائه تبلغ ١٠ درجات تحت الصفر ، وحر صيفه ١٧ درجة فوق الصفر . وبما أن الياباني لا يصمد للبرد الشديد ، فقد خف سكان الجزيرة العليا لشدة بردها . وأما النصف الجنوبي فبرودة شتائه يبلغ أقصاها ٩ درجات فوق الصفر ، وحر صيفه يبلغ سبعا وعشرين . فهو قريب من جو مصر الشمالي .
أما من حيث المطر فاليابان في عمومها جافة شتاء ، بليلة صيفا . وليس معنى هذا أنه لا ينزل شئ من السماء في الشتاء أصلا ، فانه ينزل الكثير ، لا سيما في الجبال الوسطى والساحل الغربي ، ولكنه ينزل مثلوجا فيكسو
الأرض كساء أبيض سميكا عميقا نلبسه ما دام الشتاء ، فإذا حل الربيع ساح فسأل فجري هابطا متدفقا يملا الجداول والأنهار .
وأنهار اليابان لا يمكن بعد الذي وصفنا من أرضها إلا أن تكون قصيرة محدودة ، إذا ملأها السيل سريعا ، أفرغها انحدارها سريعا ، فهي لا تلبث عند انقطاع السيول أن تنضمر فينكشف مجراها عن حصو ورمال . لهذا عز النقل بالسفن في اليابان .
ويأتي الصيف من بعد ذلك فتكثر الأمطار وتغزر ، وتغمر سفوح الجبال . وقد تتجمع فتسد الطرق . وقد
تشتد وتعصف فتهدها هدا . وقد عوقت هذه السيول اليابان عن بناء السكك الحديدية زمنا طويلا ، وعوقها عن بنائها كذلك انحدار جبالها الكبير . فالسكك لابد أن تدور حول الجبال لكي تبلغ غايتها . مثال هذا أن المسافة بين العاصمة القديمة كبوتو ، والعاصمة الجديدة توكيو ، تبلغ ٢٣٠ ميلا ، ولكنها بالسكة الحديدية تبلغ ٣٣٨ ميلا . وبسبب انحدار هذه الجبال ، وبسبب غزارة الأمطار و عنف السيول ، لا تكاد تجد إلي اليوم في البلاد طرقات جيدة للمواصلات تربط شتى المدن إلا نادرا .
ومن أجل هذا قلت السيارات في البلاد ، فأنت تجد اكثرها في المدن تعمل في محيطها بالآجرة تكسيات .
وعلى كثرة جبال اليابان ، وتطاول سلاسلها ، فقد انكشفت ارضها عن سهول هنا وهنالك ، عليها استقرت الأمة اليابانية ، ومنها تنتج الغذاء .
ففي اليابان نحو من ١٦ مليون فدان تغذي نحوا من ٧٠ مليون إنسان ، وهي مساحة ، إذا اعتبرنا موقع اليابان من شمال الأرض ، لا تكاد تكفي في تغذية هذا العدد من السكان . ويتضح هذا بمقارنتها بمصر ، وسكانها ١٦ مليونا ، وأرضها المفلوحة ٥ ملايين . فالمليون من الأفدنة في مصر يعيش بمحصوله نحو من ٣ ملايين من الناس ، بينما هو في اليابان يعيش بمحصوله ١/٢ ٤ ؟ ملايين من الناس . وأرض مصر تجود شتاء وتجود صيفا ، وارض اليابان تحد من مقدورها قسوة الأجواء . فلولا ان مطر هذه البلاد ينزل صيفا ، وينزل غزيرا ، ما كان لهذه الأمة بهذه الكثرة وجود . وقد سهل لها أمر الزراعة خصوبة أرضها ، واعتدال مناخ الجنوب كذلك سهله انه على كثرة أمطارها ، فهذه الأمطار لا تكاد تحجب الشمس إلا بمقدار ما ينزل المطر ، فإذا نزل وبلل البلاد حتي أغرقها أو كاد ، فتحت السماء فأرسلت الشمس
أشعتها طليقة طويلة بيضاء تنشر على الحقول سر الحياة من حرارة وضياء . وقد عدوا ايام المطر والغيم فكانت ١٥٠ . وعدوا أيام الصحو فكانت ٢١٥
وسيد مزروعات اليابان الارز ، وهو يعدل نصف ما تنتج الأرض من المحصولات الأخرى أو يزيد . تجده في كل القري وكل البقاع ، وحيثما اطمأنت له الأرض وساعد عليه الجو ، حتى على جوانب الجبال . وهو يزرع في مربعات او مستطيلات أو مثلثات تفصلها حواجز من الطين جمدتها حشائش مزروعة فيه . وهي أشكال هندسية تجلل وجه الأرض فيتراءي هكذا في بلله الدائم للناظر إليه من أفق بعيد . وهي مساحات لا تخلو من الماء أبدا إلا قرب الحصاد . فإذا حصد الأرز ، فما أسرع ما تعمل الآيدي في الحقل تجهزه للزرعة الثانية . فأكثر من ثلث ارض اليابان يقبل زرعتين وينتج حصدتين من الارز في العام .
ومع هذا فاليابان لا يكفيها أرزها فتستورد المزيد . وقد جاء على اليابان زمان لم تكن تعرف فيه القمح ، ولكنها اخذت في زراعته بعد ذلك ، حتى بلغ المزروع منه مليون فدان . ولكن الياباني الشعبي لا يود عن ارزه بديلا ومنه يصنع خمره ، وتعرف ب " الصاكى " . والشعب الياباني يشرب الكثير .
ومن الحبوب الأخري تزرع اليابان الشعير ، والجوبدار وهو حب كالشعير . ثم الفول ، وهو ليس كفول مصر ، ولكنه نوع آخر من البقول اسمه فول صويا ، يزرع بكثرة في شرق آسيا من قديم الزمان . ويزرع منه في اليابان اكثر من مليون فدان ، وهو يزرع لزيته ، فبالحب ٢٠ % من الزيت ، وهذا الزيت يصفي فيأكله الناس ، او هو يستخدم في صناعة الصابون ؛ والتفل المتخلف من العصر يصنع منه دقيق يصنع منه
خبز يأكله المرضي بالبول السكري . ولليابانيين في هذا الفول على اختلاف صنوفه مارب كثيرة ومنافع عدة للناس والحيوان . فمن ذلك انهم ينقعونه ثم يصحنونه بالماء ، ثم هم يصفونه ، فيخرج صافية كاللبن مظهرا ، وهو كاللبن كذلك تركيبا ، ففيه الدهن الكثير والزلال الكثير ومنه غذاء الأطفال في هذا الشرق البعيد
ومن مزروع اليابان الشاي ، وهي تهيئة أخضر للشراب ، وأكثره يذهب إلى الولايات المتحدة . وقد كانت تصدر لها من قريب بين ثمانين ومائة مليون رطل في العام .
ومن مزروعها شجر التوت ، يزرعه ثلاثة ارباع مديرياتها . فتجده فيها أينما ذهبت ، صفوفا صفوفا ، قام عليها الشجر متباعدا ، وفيما بينها يزرع الياباني في الأرض
ما يشاء . واليابان تزرع التوت لورقه ، فعليه يربي دود القز في كل البلاد . والذي يربيه هو نفس الفلاح الذي يحرث الأرض ويبذر البذر ويجمع الحصاد وفي البلاد آلاف المغازل ، يديرها الناس في بيوتهم . وقد قارب عددها مائتى ألف بيت ، فمائتي ألف اسرة ، واليابان تنتج من الحرير إذا استثنينا الصين ثلاثة أرباع ما ينتجه العالم .
ولصغر المساحات المزروعة بالنسبة للسكان ، ولشدة طلب الحب لإعاشة الانسان ، ضاقت ارض اليابان عن أن تسع الكافي من الحيوان . فهي تشكو قلته . وقلة ما يترتب على وجوده من سائر الحاجات . فهي تشكو انعدام الصوف ، وقلة اللبن والزبد والجبن ، وكذلك الجلود . فهذا ما تستظهره أرض اليابان من زروع ، أما الذي
تستبطنه من معادن

