خليفة الكومادور
ما كاد الكومادور يبري ، أمير البحر الأمريكي أن يذهب بأسطوله عن الساحل الياباني ، وتحت إبطه ، أو في درج مكتبه من السفينة ، تلك الوثيقة التي امضاها اليابانيون ، والتي بها يأذنون للأمريكيين أن يطأوا أرض اليابان ، حتى تهيأ سائر الأمم من ذوي السلطان في الدنيا ليطلبوا من اليابان مثل الذي منحوه الامريكان . ولم يطل الزمن حتى نال هؤلاء مثل ما نال أولئك ، وأعطيت لهم كهذه الوثيقة وثائق .
ولم تكن تلك الوثيقة بالذي منحته معاهدة كاملة للتجارة المطلقة الكاملة كالتى تكون بين الامم الاصدقاء ، فكل الذي منحته إنما كان إذنا في مبادلة محدود مقدارها ، محدود مكانها . ولكنها كانت كالأسفين تدقه في الشق ، أول ما يهمك منه أن يبلغ بسنه أقصى الشق ، فان هو فعل لم يبق لبلوغ المراد منه إلا زيادة دقه
وكان الكومادور صاحب الأسفين . وطارقه أول طرقه . فلما بلغ ( ما ظن أن الشق يحتمله دون تهشم جانبيه ، رجع إلي بلاده ، وفيها سلم المطرقة إلي زميله ، ووارث خطته ، المستر هارس Harris
وحضر هارس إلي اليابان في عام ١٨٥٦ أول سفير لها . وما لبث أن حاول توسيع ما نالته الولايات المتحدة من منح ، فطرق الأسفين طرقتين وهو في مكانه من ميناء شيمودا ، احد الميناءين اللذين فتحا للآجانب بحكم المعاهدة ، فجري الأسفين ولكن إلي غير بعيد . فوجد هارس أن لا بد له من الذهاب إلى رب الأمر
والنهي في البلاد ، إلى الشوجن ؛ فمع الشوجن وحده تكون المفاوضة أخصر طريقا واحدا . وقضي بطلب الأذن ويلح في الطلب عشرة أشهر فلا يجاب . وأخيرا أجيب ، ورضي الشوجن ان يتشرف السفير الأمريكى بالمثول بين يديه ، في بلاطه بعاصمة حكمه بدو Yedo وأدركت الحكومة خطورة هذه السنة الجديدة ، وظهر إدراكها إياها فيما اصدرته من اوامر لأعوانها والناس .
قالت في أمر من هذه الاوامر : إن مثول السفير الأمريكي بين يدي الشوجن تقليد جديد سيطلبه لا شك سائر الأمم من بعد الأمريكان ، ولهذا وجبت عنايتنا به كل العناية . . وسيترتب على هذه الصلات بالأغراب من الأمم حل لما انعقد من قديم من قيود وقوانين ،
وفي هذا ما فيه من صعوبات بينة ، وفيه من الشر ما لا نستطيع أن نتنبأ به اليوم ، لهذا وجب التيقظ لكل دقيقة من هذا الحدث الجديد ، حتى لا تفوتنا فيه فائتة " .
ومن هذه الأوامر مادل على حرص الحكومة على تكريم السفير ، وخوفها في نفس الوقت مما قد يقع في
طريقه إلى العاصمة من اضطراب .فقد طلبت فى هذه الأوامر إخلاء الطريق من الشحاذين ، وطلبت إلي أصحاب البيوت التي تقع بيوتهم على الطريق ان يقوموا بتنظيف الجزء الذي يخصهم فيها . ومنعت تجمهر المتفرجين ، إلا في مواضع خاصة ، وحرمت عليهم أن يتجمعوا في نوافذ الطبقات الثانية من الأبنية . وأذنت للراحلين من بلد إلي بلد أن يمضوا على العادة في سبيلهم ، ولكنها ارصدت قوات في مراكز الحفر لقمع ما قد يقع من إخلال بالنظام .
وفي عاصمة الحكم تشرف هارس بلقاء الشوجن ، ومن بعده اتصل برجاله ، رجال حكومته ، وفاوضهم فيما أتى فيه ، وبالطبع جادلهم فيما يعود على اليابان من تجارة حرة واسعة تقوم بينها وبين الأمريكان . ولو انه اقتصر
على هذا الجدل ما نجح مسعاه . فاليابان كانت بصيرة بالتجارة وما يجني من ثروة فيها ، فقد خيرت ذلك مع الصينين وخيرته مع الهولنديين ، وكانت ما تزالت تخيره معهما على تلك الجزيرة الصغيرة المحدودة في نجزاكي بل إنها ضحت بالكثير من هذه الثروة التجارية قرنين ونصف قرن من الزمان لمآرب أخري أهم عندها من التجارة أو على الأصح دفعا لمخاوف أخري هي عندها أخطر من ثمرات البيع والشراء . فإلي هذه المخاوف وجب ان يتوجه المفاوض الماهر توا ليزيل اثرها من أنفس القوم . وهكذا فعل السفير هارس .
فأول هذه المخاوف كان الخشية من النصرانية ودفع ما تجره وراءها من كوارث ، كتلك الكوارث التى دخلت بدخول الكتلكة فيها ، والتي من أجلها حرم على الجزويت دخول اليابان . في هذا الصدد أكد السفير أن أمته تؤمن بحرية التدين ، وتقبل في حدودها كل الأديان
وثاني هذه المخاوف ، وأكبرها ، كان الخشية من الغزو فالاستعمار . بل لعل اليابانين كرهوا النصرانية ، ثانيا ، لذاتها ! ولكنهم كرهوها أولا لأنها فيما زعموا إنما عهد للأمم النصرانية سبيل الغزو فالاستعمار . ولم يكن هذا الوقت الذي جاء السفير يفاوض فيه أنسب الأوقات لتهديد
هذه المخاوف . فعلي الجانب الآخر من البحر ، علي شاطي القارة الآسيوية غير بعيد من سمع اليابان وبصرها ، كانت الصين تؤدب أدب القوة ، وتصبت من وقع السياط فاتخذ السفير الحاذق من هذا الأدب العارم عند اليابانيين
مثلا ، وقرب آذانهم فأسمعها أكثر مما كانت تسمع من فرقعة السياط ، ليقول لها من بعد ذلك إن أمريكا غير ذلك ، وإنه لا إيمان لها في استعمار ، وإنها آخذة في إدراك معني الديمقراطية بين الأمم بمقدار ما تدرك من معنى الديمقراطية بين فئات الامة الواحدة وافرادها . وحكي لهم
ما كان من تطور في الولايات المتحدة بعد ما استقلت هي بأمر نفسها ، واستقل اكثر جيرانها بأمر أنفسهم في الجنوب من القارة الأمريكية . وذكر لهم ما كان من تقدير الولايات لاستغلال جيرانها ، وذلك ) بإعترافها به أولا ، ثم بإرسالها السفراء إليهم يخطبون ود شعوبها
وحكى لهم حكاية الرئيس مترو Motroe ، رئيس الولايات المتحدة التي ترأسها بين عام ١٨١٧ وعام ١٨٢٥ . فقد كان أكثر هذه الشعوب بأمريكا الوسطى والجنوبية مستعمرات إسبانية ، شبت عن طوق الرق ، فقامت تطلب الحرية من أفواه البنادق . وكانت الدول الأوربية تعين اسبانيا في حربها الثائرين في مستعمراتها . وكان من هذه الدول
الأوربية فرنسا والنمسا وبروسها وروسيا . ولم تكن هذه الإعانة بالمجان فقد كان لها ثمن بيت القلب يمده في الظلام ، ولكن لا ينطق به في وضح الشمس لسان . وعرف مترو أن هذه الاعانة وراءها ما وراءها من أطماع
وأن هذه الشعوب الأمريكية الصغيرة الناشئة ذات استقلالها ، ولكنه استقلال لا يلبث أن تتمزق أوصاله وحوله تلك الذئاب الجائعة . ففي رسالته إلي أمته ، في السنة السابعة من رآسنه ، أعلن مترو المبدأ السياسي
الذي عرف بعد ذلك باسمه . قال فيما قال : لقد نالت شعوب أمريكا الآن استقلالها ، وقد حافظت إلي الآن على هذا الاستقلال ، فلم يعد من حق اوربا ان تتجه إلي هذه الشعوب في طلب استعمار . إن الصراحة ، وما بيننا وبين أمم أوربا من علاقات ودية ، يدفعاننا إلى الجهر بأننا في المستقبل سنعد انة محاولة تقوم بها اوربا لبسط سلطانها
على أي جزء من أجزاء أمريكا عملا يهدد سلامنا ويذهب بأمننا . إنه لا يزال في أمريكا بقاع تخضع لأوربا ، فهذه لن نتدخل في أمرها . ولكن تلك الشعوب الآخرى التي أعلنت استقلالها ، وحفظته ، وأمنا نحن عليه بعد اعتبار طويل وتزولا على حكم من أحكام العدل مكين ،
فهذه لن نتدخل في أمورها امة أوربية بقصد الاجحاف بها او التحكم بأية صورة كانت فيما يريده القدر لها . فان هي تدخلت فقد اخلت بما بينها وبين الولايات المتحدة من وداد
في هذا المبدأ ، مبدأ مترو ، أسهب السفير الأمريكاني للحكومة البابانية وهو يفاوضها . وخشية أن تظن اليابان أن الولايات المتحدة إنما أرادت بهذا حماية هذه الشعوب الأمريكية الناشئة لتفترسها هي من بعد ذلك ، اورد السفير ما جاء في تفسيرها على لسان وزير
الولايات ، جون آدم John Adams، وهو صاحب مبدأ مترو ، ومؤلفه من وراء ستار . قال : " ومعنى هذا ان كل شعب من هذه الشعوب الامريكية سيدفع بقوته هو كل محاولة لاستعمار تقع في داخل حدوده " .
ولم يقف السفير عند هذا . فقد ختم حجاجه إياهم بفكرة لعل سر نجاحه كان فيها . قال لهم : هذا هو رأي الولايات في الاستعمار والمستعمرين . فالمخالفة التي تعقدها اليابان مع بلد كالولايات ستكون مخالفة معتدلة بريئة ، ظاهرها كباطنها ، تنتفع بها اليابان إذا جاءها سائر الدول يطلب مثلها . فعندئذ تكون الولايات سنت سنها ، فلا تستطيع دولة من الدول تخطبها ، أو طلب الزيادة فيها
فبهذا العطف وبهذه الصراحة كسب هارس ود الحكومة اليابانية . وامضيت المعاهدة عام ١٨٥٩ ، ومنها فتحت اليابان فوق ما فتحت من الموانئ ، ميناء يوكاهاما ،
وجعلت التجارة بينها وبين امريكا أكثر حرية واوسع نطاقا . وكان للأمريكيين حق الإقامة المطلقة في اليابان . وبعد إمضاء هذه الماهدة ببضعة أسابيع ، حضر إلي اليابان سفير انجلترا بالصين ، الأورد إلجين Elgin وطلب منها مثل ما أعطت أمريكا ، فأمضت له مثل معاهدتها الأولى ، وذلك في العشرين من أغسطس عام
١٨٥٩ . ولم يمض على هذا أسابيع حتى حضر البارون جرو Grosنائبا عن فرنسا ، يطلب مثل ما طلب سابقوه ، وفي اكتوبر من نفس العام امضيت له معاهدة كالتي سلفت
وتوثقت العلاقة ما بين السفير الأمريكاني واليابان في أيام محنتها الأولى ، أو علي الأقل بينه وبين ما قام في اليابان من حكومة الشوجن ، حتى إنه لما أراد مغادرة البلاد طلبت اليابان استبقاءه
قال أحد المعقبين على ما صنع السفير هارس : إن كان معنى السفارة ان ترسل دولة عظمي برجل صادق ليكذب لها في سبيل خيرها وتوسيع استعمارها ، فهارس لم يكن سفيرا ، ولم يكن دبلوماسيا ، أما إن كان معني السفارة ، لا سيما لدي بلاط شرقي ، ان مثل السفير اسمي المبادىء الأخلاقية لجمهورية كبيرة نصرانية ، فهارس كان خير سفير .

