الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 165الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش الأسبوع

Share

اليابان

ألممنا إلمامة خاطفة في مقالات ثلاث سابقة باليابان الأرض ، سهولها وجبالها وبحارها ، وما استبطتته قشرتها الجامدة وما استظهرته ، وما طواه الماء . واليوم نأخذ في الإلمام باليابان الأمة إلمامة خاطفة كذلك بالناس ما كانوا وكيف كانوا وكيب هم في هذا العصر الحاضر الحديث :

إن أمم الأرض أشكال وألوان . وقد تختلف صفات الأفراد في الأمة الواحدة المتجانسة ، ولكن لا يكون هذا الخلاف في غير التفصيل ، ولا يعدم الباحث المتقصي أن يستخرج من دراسة هذه الأمة صفات غالية تميزها عن بقية الأمم ، وهي لا تميزها فرادى ، ولكن تميزها مجتمعة . فاستقامة الشعر قد تجتمع في أمم كثيرة .

وصقر القامة قد يجتمع في أمم كثيرة . وضخامة الرأس قد تجتمع في أمم شتي . ولكن هذه الصفات مجتمعة لا تكون إلا في العدد القليل من الامم . وهذا العدد يقل كلما زدنا الصفات تعدادا ، وينتهي الأمرا إلي أن تتميز الأمة الواحدة بمجموعة من الصفات واحدة وهكذا هي اليابان .

فالذين اختلطوا باليابانيين ، واختلطوا بهم جيدا ، واختلاطوا بغير واحد منهم ، لا يكادون يخطئون الياباني أيما وجدوه . فأول ما يلفت النظر فيه قصر القامة فمتوسط أطوال الرجال فيهم ١٦٠ سنتيمتر ، ومتوسط النساء ١٥٠ سنتيمتر . وثاني ما يلفت النظر منه قصر الارجل بالنسبة لطول الجذع ، وطول الرأس بالنسبة لقصر الجسم . فهذه النسبة الأخيرة تبلغ في الأوربي في 1/2 وقد يزيد فتقترب من 1/7 في ولكنها في الياباني تزيد على هذه

ولعل أكثر ما يميز الباباني وأسرع الوسائل في تعرفه صفات الوجه . فالوجه دائما هو الجهة التى يتجه لها بصر الانسان في تعرف إنسان يلقاه فأول ما يأخذ البصر من الباباني انبطاح انفه ، ثم علو عظام خده ، ثم ضحولة عينيه في محاجرهما ، حتى ليكاد الوجه او اكثره ، من الجبهة إلي الشفاه ، ان يحتل سطحا مستويا واحدا .

ثم العينان ، وهما أول ما تقع عليهما عيون الفاحص المتعرف عند ما تلتقي الأبصار . فهذان شقاهما في الجلد ينحدران انحدارا إلي ناحية الأنف ، أو هما بشيلان شيلانا في اتجاه الأذان . وهما شقان يتراءيان ضيقين ، ويزيد في ترائيهما بهذا الضيق طية في الجفن الأعلى تنسدل على ركن الشق من ناحية الأنف ، حيث بلتقي الجفنان ، فتحجب هذا الركن وتحجب ملتقي الجفنين . وقد تطول هذه الطية فتحجب شفرة الجفن الأعلى وتحجب معها منابت الشعر فيها ، وعندئذ تضيق فتحة العين ، ويضيق ما بين الجفنين ضيقا شديدا لا يلبث أن

يبلغ ادناه عند الضحك ، فلا تكاد تدري أيراك الضاحك أم قد أغمضت عيناه . ويزيد في تصوير العين بالصورة المعروفة في الياباني رموشهما ، فهي قليلة ، وهي قصيرة ، ولكن من اغرب ما فيها ان شعرات الرمش تنضم اطرافها بعضها إلى بعض ، بينما هي فينا وفي سائر من تري من الأمم تتباعد فترسم بأطرافها قوسا هي أكثر اتساعا من شفرة الجفن الذي يحملها

ثم اللون والشعر . فأما اللون فهو الذي ينعونه بالصفرة . وأما الشعر فهو الشعر المستقيم الذي لا يتجعد أبدأ فاذا موج فلا يكون هذا إلا طيا ، فإذا زال عن الطية حابسها استقام الشعر كما تستقيم الحبال . وشعر الياباني قليل في جسمه وفي وجهه قلة رائعة

فهذه صفة الياباني الجثمانية ، وهي صفة السواد منهم . وهي صفة يشترك وإياهم في بعضها تلك الأمم التي تعيش حولهم في الجانب الشرقي من آسيا ، من شمال هذا الجانب عند اقصي سيبيرية الروسية ، إلى جنوب هذا الجانب عند حدود استراليا ، حتى والأمم الاقل تشريفا من هذه في أواسط القارة الأسيوية . فالصينيون والكوريون والمنشوريون وسكان الهند الصينية وسيام والملامي وجزر

الهند الشرقية ، كل هؤلاء لا يكاد يلقاهم الانسان ، او يراهم من لا يلقاهم على الشاشة البيضاء ، حتى يدرك انهم واليابانيين أمم مختلطة الدماء ، كما يجري الماء الحلو في الماء الإجاج ، أو كما يصب ماء النهر في ماء البحر ، بدأ حلوا كله ، ثم يتدرج في الملوحة حتى ينتهي أجاجا كله . وأنت في أثناء هذا لا تكاد تجد بين هذه الدرجات حدا فاصلا تقول عنده هذا انتهاء وهذا ابتداء

فهذا ما يتراءي للعين العابرة إذا قلبها الرجل البادي في ذلك الجانب القصي من القارة الأسيوية . وهذا نفسه هو ما وجده الدارسون الباحثون بالدراسة ، سواء كانت هذه دراسة اجسام وأشكال ، أو دراسة تاريخ وعادات ، او دراسة اداب ولغات . حتى الأقاصيص عن العصور

العتيقة البائدة ، إن افتقد الدارسون فيها حجيج التاريخ واسانيده ، ووجدوا فيها مبالغة القصص وخرافة القدم ، فانهم لم يعدموا في جوهرها حوادث تنم عن اصول هذه الأمة ، وعن حركاتها فيمن جاورها جزرا ومدا .

ويستنتج من هذه الدراسات على تعددها ، واختلاف وسائلها ، ان السكان الأولين للجزر اليابانية كانوا قوما يختلفون اختلافا بينا عن ياباني العصور الحاضرة . وبما أن الأرض لا تنبت الناس ، فلا بد أن هؤلاء القوم جاءوا من القارة الأسيوبة إلي الجزر عبر البحر ، أو عبر ما بينهما من برازخ كانت تصلهما في عصور قديمة . ويسمون هذا

الجيل من الناس بالأينو . وليسوا هم من خلق الخيال ،

ولا هم من ظنون التاريخ المبهم البعيد ، ولكنهم حقيقة في التاريخ المكتوب وفي المذكور من الحروب . فقد دخل عليهم الداخلون في جزرهم فحاربوهم وقتلوهم وطاردوهم في هذه الجزر إلي شمالها وغربها . وهم حقيقة في العصر الحالي أيضا ، فلا تزال منهم بقية تسكن الجزيرة الشمالية ، وتعيش

وحدها ، أو هكذا تكاد تعيش . وهي تشبه اليابانين في قصر الجسم واكتناز الصنع ، ولكنها تختلف عنهم في الأنف فهو طويل ، وفي الحاجب فهو يركب حجاجا بارزا ، وفي العين فهي تسكن محجرا غائرا ، وفي الرمش فشعراته تنفرج كالمروحة من محاجرها ، وفي الشعر عامة فهو غزير في الجسم والوجه ، وهو على الرءوس كثير متماوج فالأينو يشبهون في جملة صفائهم وقسماتهم سكان أوربا .

وجربا علي طراز اليوم نسبهم بعض الساسة إلي الآربين . وبما انهم في حروبهم وسلمهم خالطوا وزاوجوا من جاء إلي الجزر بعدهم من السواد الذي يملاء الآن أرض اليابان ، إذًا فقد تطعم الدم الياباني بالدم الآري . أو هكذا يقول القائلون المبدعون .

كذلك أثبتت هذه الدراسات أن اليابانين يمتون إلى الككورين والمنشورين بسبب متين . ويظهر هذا واضحا في قامتهم فهي طويلة رقيقة ، وكذلك في وجوههم فهي طوال رقاق . وايديهم دقاق . وفي شق العين انحدار كالذي في الياباني ، ولكن الأنف أفتى كأنف الصقر والنسر وتجد هذه الصفات اليوم غالية في الطبقات العليا من المجتمع الباباني

وفي اليابان عنصر المغول ، دخلها مع الداخلين ، ومن صفات هذا العنصر وجه عريض ووجنات بارزات وفم واسع وانف تطامنت قصبته فانبطحت .

كذلك أثبت الدرس أن آخر من دخل اليابان عناصر جاءت من الجنوب أصلا ، من الملايا ومن ذلك الارخبيل العظيم في الجزر الكبيرة والصغيرة الواقعة في الجنوب الشرقي من آسيا ، ومنها الفيليبين . وهذه العناصر من صفاتها صغر الجسم وقصره مع حسن حبكة فيه ؛ وطول الجذع ، واستعراض الصدر ، ودقة اليد ، واستدارة الوجه ، وقصر الأنف ، وبروز الوجنات ، وهذه هي الصفات

الى ذكرناها في وصف الياباني فيما سبق من هذا المقال فتلك العناصر الانسانية زحفت في عمليات اختلاط الام إلي الشمال ، علي الشاطئ الشرقي من الصين ، ثم إلي كورية ، ثم عبرت البحر إلى الجزر اليابانية ، فحاربت من سبقها إلي هذه الجزر من كوريين ومنشوريين ومغول فغلبتهم . ثم هم انتشروا في الجزر حتى جعلوا عنصرهم فيها هو الغالب . وقد خلفت هذه العناصر ، وهي في طريقها إلي الشمال ، اثرها واضحا فيما يسمي اليوم الهند الفرنسية ، وفي الصين الجنوبية ، وفي شاطئ الصين كله من جنوبه لشماله ، وحتي في الجنوب من كورية

فتتلك هي العناصر الخمسة التي الفت قبل شروق التاريخ المكتوب أمة اليابان الحاضرة :

الإينوي فالكوري والمنشوري والمغولي فالمنصر الجنوبي الأرخبيلي ، امتزجت كلها امتزاجا ، واختلطت كما يختلط دقيق القمح والارز أو اشد اختلاطا . وزاد في اختلاطها بعد التاريخ الذي اختلطت فيه ، تلك الفسحة

الكبيرة من الزمن التي عمل فيها التزاوج فالتوالد عمله في عجن هذه الأمة ولتها حتى تجانست أرغفتها فكانت طعما واحدا ، سواء ما قرص وخبز منها في الشمال أو في الجنوب ، وفي الشرق او في الغرب من الجزر اليابانية الأربع

اشترك في نشرتنا البريدية