ومن أسباب الثورة اليابانية ، أو ثاني أسبابها ، الكنفوشية
وحديثها أنه في أوائل القرن السابع عشر ، تولت حكم اليابان أسرة توجوكاوا وكان أول شواجنها على ما يذكر القارئ الشوجن اياسو . فهذا منح رعايته للاداب في عصره وأمر باحياء العلم القديم وتحصيل كتبه ونشرها ودراستها . وبالعلم القديم والأدب القديم إنما قصد إلي كتب الكنفوشية الصينية وتعاليمها ، إلي كتب كنج الحكيم وما تلاه من حكماء الصين ففسروا حكمته وشرحوها وزادوا فيها .
والكنفوشية على ما قدمنا لها رأي في السياسة فريد فمن آرائها ان الحكم في الصين ، وفي أي بلد غير الصين ، لا يكون إلا للفضيلة وبالفضيلة . فالحاكم لا يكون حاكما إلا لحظه الفائض من الفضل وكذا الملوك يتفضلون الناس كل الفضل ، ولهذا كان خير الملوك الحكماء والسماء هي التي تختار ملوكها على هذه الأرض . فالملك مؤسسة من عمل الله . ولكن المسلك قد يقع في غير أهل ، فأنى للناس ان يعرفوا ان مشيئة السماء وقعت حيث أرادت السماء ؟ يعرفون ذلك من اخلاق الملوك .
ومن تصريقهم أمور الناس . فمن حسن خلقا وعدل في تصريفه الأمور فمن السماء مأتاه ومن ساء خلقا ، أو حتى نقص حظه من الفضل ، فمن غير السماء مأتاه . والناس وحدهم مسئولون أن يتحققوا ان مشيئة الله نزلت حيث أريد بها ان تنزل . والناس في هذا لا يخطئون
أبدا " فالسماء تري كما يري الناس . والسماء تسمع كما يسمع الناس و الحكومة من الله ، ولكن الحكام من الناس . فليس للحا كم في ذاته حق سماوي . وليس الملك حق قدسي . ولكن الحكم في ذاته سماوي ، والملك قدسي والملك الذي يحكم الناس بغير ما أراد الله ، ولا يصغي إلي ما يلقي إليه من نصيحة وتحذير ، قد حق على الناس عزله وعندئذ يستحل دمه ، وعندئذ " لا يكون القتل قتلا .
فهذا ما وجب للناس عند الملوك والحكام وهذا هو حق تقرير المصير يضعه أقدم حكماء العالم في يد الشعوب ، ولأن الشعب " أخطر شئ في الدولة وهذا هو رأي الشعوب وخطره في ارتضاء الحسكومة ورفعتها هذا الذي نسميه في عصرنا هذا بالرأي العام . وهذا هو الطريق مرسوما إذا لم ترتض الشعوب ملوكها : نصيحة فتحذر ذا ذلة ثم يجئ بعد ذلك القتل ، وهو قتل حلال . ولم نسمع بدين حلل قتلا في مثل ما حلله هذا الدين .
ولم تسمع بفلسفة بررت مثل هذا العنف مثل هذا التبرير . وهي لم تبرره عن ازمة نفس طارئة ، او لسان ذرب شطت به في الخطابة عاطفة جامحة . ولكنها تبرره عن فكر وليد حاضر غير شارد ، وعن بصر كالحديد يقطع فيدمي وهو مثلوج بارد . ومن ذا الذي يرد الحاكم إذا جار ؟ ومن ذا الذي يرد الملك إذا الملك ظلم ؟
يجيب عن هذا منج الحكيم - وهو خليفة كنج الحكيم ، جاء بعده بقرن ، أي قبل ميلاد المسيح بثلاثة قرون أو أربعة . عن هذا يجيب ثاني حكماء الصين فيقول : يتصدي لرده أولا فرد من أفراد الأسرة المالكة نفسها ، فيؤلب عليه الآسرة لتعزله ، ثم هي تجلس في مكانه رجلا منها أكثر حظا من الفضيلة فاذا هم لم يستطيعوا ، أو إذا هم لم يشاءوا ، وقع فرض
هذا علي أي من الوزراء ، ولو لم تكن له صلة بالملك أو نسب في بيته . فان لم يكن مدا ولا ذاك وقع هذا الفرض على " وزير السماء وعني بهذا رجلا من رجال الشعب ، قد يكون وضيع النسب ، وقد يكون قليل الحسب ، ولكنه في موضعه الدنى من الناس ، يحصل من الفضيلة ما أمكنه التحصيل ، ويتحصن بالحق ما امكنه التحصن ، ثم هو يتخلق في الناس بما يلفت إليه الإبصار ، ويؤلف حوله الانصار ، ثم هو يسير في جموعة حاملا علما ، لا علم الثورة ، ولكن علم الحق والفضيلة
رحمك الله ايها الشيخ الحكيم القديم . إن لم تكن هذه هي الثورة فكيف إذا تكون ؟ !
فهذا حق الناس عند الملوك . أما حق الملوك عند الناس من بعد ذلك فالطاعة التي لا ترد فيها ، سواء الملوك او لعمالهم . فالحكومة في الكنفوشية لا تكون إلا لصالح الشعب . والشعب اسرة واحدة لها ملك واحد . والأسرة لا تصلح أحوالها إذا فسد ربها ، ولكنها كذلك لا تصلح إلا بطاعة الأبناء لما يقضي به الآباء . والأسرة الشعبية آباؤها وأبناؤها من صنع السماء . فكالسماء يجب ان تجري ، طبعة لإرادة واحدة تضمن لها ان لا تصطدم أجرامها أو يختل نظامها
فتلك هي الكنفوشية التي تصح بادخالها إلي اليابان رب الأسرة الشوجنية الأخيرة فيما نصح بادخاله من " العلم القديم " . وقد زعموا انه ادخلها غير عالم بالذي فيها ، وما احسب هذا هكذا . فأبرز ما في الكنفوشية نزعتها السياسية ، ورأيها في الحاكم والحكوم . وأياسو إنما كان يؤسس دولة ، ويطلب الوحدة لأمة مجزأة مقطعة ، والكنفوشية فيها العون كل العون على هذه الوحدة ، وفيها الطاعة لرب واحد ، ولم يكن لأياسو
ان يفرض في نفسه نقصا في فضيلة ، أو تقصيرا في صفات الملك نعم إن الكنفوشية تطلب ملكا واحدا ، أبا واحدا لأسرة واحدة . وكان هنا إلي جانب الشوجن الامبراطور . ولكن مع هذا فالشوجن كان يستمد السلطة من الامبراطور شكلا ، وكان الامبراطور وحوله من خفراء الشوجن ما حوله - لا يقول لا أبدا . فهو في أمور الحياة الواقعية كالصفر على يسار الواحد ،
لا يجعله عشرة ، ولا يجعله اثنين ، وإذا فهو واحد أيضا ، شوجن واحد وحاكم واحد له الامر كل الامر كما تقضي بذلك الكنفوشية . والكنفوشية ثم تصطدم مع حكم هذه الأسرة الشوجنية ماصلح حكمها ، في أول الأمر والحكم في عنفوانه . ولكن لما تضعضع السلطان واختل الزمان ، فعلت الكنفوشية في حكومة الشواجن ما يفعله الماء في جدار البيت العتيق البالي ، فكانت عونا كبيرا على انحلالها لما جاء أو ان انحلالها في منتصف القرن الماضي
فهذا ثاني اسباب الثورة اليابانية ، ثورة عام ١٨٦٧ .
أما ثالث أسبابها فالشنثو ، وهو دين اليابان الأول ، وهو دين على ما وصفنا بدائي أولى ، لا يرجع الناس إلي عقل ، ولا يردهم إلى عاطفة ، ولا يسن للناس في تخلقهم ومعاشهم سنة ، ولكنه مع فقره في هذا ، وفي غير هذا ، قد أعطي اليابان ما لم يعطه دين آخر من الأديان : عزة جنسية ليس فوقها عزة ، وحرارة وطنية لا تدانيها حرارة ، وعجبا قوميا لا يضاهيه عجب امة في الوجود . فهم اولاد السماء وسلالات الآلهة ، وليس علي أرض اليابان رجل إلا ومرد نسبه وإن طال إلى إله ارض او إله سماء . وأكبر الهتهم هو ذاك الذي انحدر وينحدر من ظهور الأباطرة في تسلسل قديم لم ينقطع حبله إلى اليوم . فالآباطرة عندهم ملوك الأرض وقساوسة السماء ، والوطنية عندهم والدين سواء
ودخلت البوذية اليابان ، وهي دين أغني بالحكمة وأثري بالعاطفة ، وأغزر بالجمال ، فأقبل عليه اليابانيون طوعا ، ولكن قلوبهم لم تنفتح له انفتاحا ، حتى قالت البوذية : إن روح بوذا من أرواح الآلهة والأباطرة ، وإن هذه من تلك انتسخت في تنقلها بين الأصلاب واشتملت البوذية من بعد ذلك دين الشنتو ، وابتلعته
ولكنها مع ذلك لم تستطع هضمه أبدا . فبقيت في البوذيين عقائد الشانتو ، وبقي فيهم معابده ، وبقيت فيهم أعياده وشئ من مراسمه ، وبقي فيهم فوق كل هذا تلك الحرمة البالغة التي للأباطرة في قلوب اليبانيين . حتى الشوجنة خالفت تلك الحرمة ، وخشيتها ، وتجنبتها ؛ فابتدعت ذلك الحكم الثنائي العجيب ، الذي استمد فيه الشوجن سلطانه من ربه الامبراطور ، ولكن من وراء جدران السجن العالية ، ومن فوق صفوف الجند الكثيفة الخافرة
والذي قيض للكنفوشية شوجنا يدخل كتبها وتعاليمها إلي اليابان في اوائل القرن السابع عشر ، قيض للشنتو شوجنا مثله يحيها ويذكيها بعد ذلك بقرن واحد ، أي في أوائل القرن الثامن عشر . وبأحيائها وإذكائها احي الحب الدفين الذي في القلوب للأباطرة ، واذكي النار التي انقدت لهم فيها ، والتي خبت حينا تحت الرماد ولكنها لم تنطفئ أبدا . فلما ساء الحكم واختل الحال ،
وجاء الغزو الأجنبي ينذر الامة بضياع استقلالها ، وذهاب ريحها ، تطلعت الابصار إلى الرب المنسى ، واتجهت الوجوه إلى القبلة المهجورة ، فسرت في الناس الصيحة المشهورة : " كرموا الامبراطور " ، وفي سبيل " تكريمه " كانت الثورة ، واسترجع الامبراطور سلطانه
أما رابع أسباب الثورة ، وآخرها ، فتلك الجزيرة الصغيرة التي اصطنعها اليابانيون اصطناعا ، للبرتغاليين
أولا ، ثم للهولنديين من بعد ذلك ، ليتجروا عليها ، وعليها وحدها ، ووصلوا بينها وبين ارض اليابان بجسر محفور يمنع الرائح عليه والنادي إلا بإذن مسعاور . فعلي هذه الجزيرة ، وعليها وحدها ، اجاز القانون اتصال اليابانيين ، أعداد محدودة منهم ، بالهولنديين ، وعن طريق هذه الجزيرة لا عن سواها - وهي كالنافذة الصغيرة الواحدة في البيت العظيم الضخم - أطل اليابانيون على أوربا ، عليها وطبها وصناعتها ، وحضارتها ، ممثلة جميعا فيما جاء به هؤلاء الشقر من غرب اوربا . وبالرغم من تحريم
اللغة الهولندية علي اليابانيين ، فقد تعلمها خفية منهم قوم كثيرون . وأباحوا تعليمها اخيرا للأطباء وطلاب العلم اضطرارا ، حتى يكسبوا عن أهلها علم الطب وفن العلاج . فادعي كل من أراد تحصيل هذه اللغة أنه إنما يطلب طبا . فما جاءت الثورة كان في الأمة اليابانية نفر من طلاب النهضة الحديثة ، تأثروا بالحضارة الأوربية التي كسبوها استراقا ، فكانوا عون الثائرين في ثورتهم ، وكانوا عيونهم التي بها يهتدون .
