إذا ذكرت أمريكا عندنا تمثل السامع الأقطار الشاسعة ، وناطحات السحاب ، وأصحاب الملايين ، ومحاصيل القطن الوافرة ، ومستخرجات الفحم والمعادن ، واشرطة السنما ، وغرائب الطلاق ، والعصابات القوية المسلحة ، والنظارات ، ومواكب الانتخابات ، وضخام الثمار والفاكهة ، وجنون السرعة ، وسيارات فورد ، وآيات الاختراع والتجديد
وهذه الصور الذهنية من الشخصات الولايات المتحدة خاصة ، ولكن الناس جروا على اعتبار أن الولايات المتحدة هي أمريكا . وفي الواقع أن جمهورية " العم سام " اعظم دول العالم الجديد واضخمها ثروة وأسبقها حضارة وأعلاها كلمة . فالناس إذا في تعميمهم وجه ولهم عذر . وما تحب أن تخالفهم . فنحن إذ نتكلم هنا عن الولايات المتحدة باسم أمريكا لا نشك أدنى شك في أننا مفهومون ، واننا أيضا معذورون .
المدخل : نيويورك :
لا يسع القادم إلي أمريكا وهو يتطلع للمرة الأولى من ظهر الباخرة التي عبرت به المحيط الأطلسي إلا أن يعجب أول ما يعجب بميناء نيويورك الرائع العظمة النادر المثال . وهذا الميناء الفسيح الذي تتخلله الجزائر بعد أيضا آية من آيات الطبيعة في الجمال . وهو للجمهورية العظمي وراء البحار بابها الاكبر ، ونقول الباب الاكبر لأن الأبواب إليها كثيرة من كلا المحيطين الأطلسي والهادي ،
ولكن قلما يتردد ذكر هذه المواني الأخري ، لا لشئ إلا أن عروس المواني ومدينة المدائن في العالم الجديد هي نيويورك ، ففي نيويورك يهبط معظم الوافدين علي أمريكا من جميع أرجاء المعمور : سياح ورجال أعمال ومهاجرون ، ونيويورك هي الطليعة والعنوان لأمة من
مائة وثلاثين مليون نسمة . ونيويورك هي التي تتقرر فيها اقدار الأشياء ، من كتب ومسرحيات وعطور وسيارات . وفيها تكتب الشهرة للقاص والممثل والغانية الحسناء والملاكم والسابح ولاعب البليارد والمخترع . وفيها يقضي بالرواية التي نشهد ، والحذاء الذي نلبس ، وجهاز الراديو الذي نسمع . ذلك أنها على كثرة الحواضر في هذه الولايات واتساع الشقة ما بين المسافات هي أم الحواضر المستعلية المتفردة
فإذا أوغلنا في هذه الفرضة التي تمخر عبابها مئات البواخر صغارا وكبارا ، تبدت لنا المدينة الجبارة على مصب نهر هدسون ، فلا يسعنا ونحن نعجب بعظمتها واتساع رفعتها إلا أن نتمثل المدينة الأصلية - قبل ان تضم إليها بروكلين وغيرها - وقد بنيت على جزيرة مانهتن منذ قرون ثلاثة ، فنذكر أن هذه الجزيرة كلها اشتراها من الهنود الحمر هولندي جريء من مديري شركة الهند الغربية أسمه بيتر منوي بأربعة وعشرين دولارا لم يدفها كلها نقدا ، بل معظمها أداء لهنود أقمشة زاهية الأصباغ وخرزا من زجاج ملون ، ودعي المكان باسم أمستردام الجديدة . ثم صارت أمستردام الجديدة
نيويورك ، اي يورك الجديدة حين غلب الانجليز بعد نصف قرن على تلك الجهات .
ولا يكاد يتعلق بالوهم ان هذه المدينة الهائلة الحافلة لم تك إلا بلدة خاملة الشأن حتى العهد الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة الثلاث عشرة استقلالها ، وانها اليوم تضم وحدها أ كثر من سبعة ملايين نسمة ، بعد أن كان سكان الولايات المتحدة جميعهم وقتئذ ثلاثة ملايين
ناطحات السحاب :
وللقادمين على نيويورك دهشة لا تنسى ، فهم بقضون ايام السفر في البحر الأعظم وكل ما حولهم ممتد منبسط ، فإذا شارفوا الميناء ارتفع بهم خط الساحل وكأنما تعلوه ربوة ، ثم يدنون فإذا الربوة في حقيقة الواقع هي المدينة ، ولكنها مدينة انافت دورها وذهبت في الفضاء ذري بنياتها حتى أشبهت سلسلة من الجبال ، ثم تبرز هذه الصروح الهائلة وتتميز واحدة واحدة ، فلا يملك القادم نفسه من دهشة المفاجأة ، ويحس أنه على باب عالم جديد ؛ وكأنه وجها لوجه أمام المستقبل .
ويهبط المسافر إلي المدينة ، ويرسل بصره في شوارعها ، فيخيل له على اتساعها أنها ضيقة ، وذلك من استشراف هذه المباني الشاهقة التي بلغت طباقها الثلاثين والأربعين . وقد يقوم بنفس الغريب أمام هذا البناء أو ذاك أن يحصى طبقاته ، فيبدأ بعدها واحدة واحدة ، فلا يلبث أن يمل التعداد ، فيتسورها بناظره جملة واحدة ، رافعا بصره ، ملقيا برأسه إلي الوراء حتى لتكاد تنقصف رقبته ، ومع هذا فان الطابق الأخير الذي يبلغ إليه بصره المجهد إنما هو بداية سلسلة من الطبقات متراجعة مرتدة لا يراها إلا الناظر إليها من على أو من بعيد . ولولا ارتداد هذه الطباق العليا - كما رسم القانون منذ عهد
قريب - لما وجدت الشمس إلي شارع منفذا إلا ساعة تكون في السمت .
وتتابع ناطحات السحاب في شوارع المدينة كأنها لفيف من المردة يتعاونون متساندين على العروج إلي السموات وتبدو بينها الأفواج المتلاحقة من الآدميين كالسيل المتدفع في قرارة مضيق صخري سحيق .
وفي هذه العمائر تحققت إلي حد الاعجاز نظرية في العمارة جديدة ، وهي الاعتماد على هيكل من حديد وملاط ، بحيث لم يعد للجدران من شأن في قوام البناء ) فالجدران أصبحت حجابا لا أكثر ، ومن ثمة عدلوا فيها من الحجارة ، واتخذوها من لبنات من الآجر جوفاء خفيفة يسهل علي البنائين ان يرتفعوا بها كل يوم طابقا بأكمله . واما ما نراه احيانا من الرخام أو من الصوان المحبب عند قاعدة العمائر فهي صفاح رقاق جدا ، يقصد بها إلى الزينة لا غير . ولئن كانت هذه الأهرام المرصودة لسكني الأحياء مسرفة في ارتفاع السماك ذاهبة الذي في السماء ، فان اصولها الراسيات كالطود غائرة بمقدار أربع طبقات في صميم الأرض الراسخة . وبعد ، فللزوابع والأعاصير أن تصف ما تشاء ، فان هذه الهياكل المنيفة في لينها ونحافتها كفيلة بالثبات والمقاومة
وإذا كنا نشيد هنا بجمال ناطحات السحاب ، فنحن لا نعني التجارب الأولى التي اتفق السياح والمقيمون على مجافاتها لفن الجمال فأزيل معظمها ، وإنما تعني العمائر الجديدة التي تعد بحق اروع ما ظهر من طرز العمارة بعد الطراز القوطي
أصحاب الملايين
ومما لا اختلاف عليه اقتران اسم الأمريكاني بالمال والأشغال ، واتسام المجتمع الأمريكي بالطابع الاقتصادي .
ولا جرم ، فكذلك كانت نشأة هذا المجتمع وهذا هو الأصل فيه . فقد كان على الرواد الذين هاجروا إلى العالم الجديد وانقطعوا عن بيئتهم ووسطهم القديم ان يكفلوا حياتهم ويبنوا أنفسهم ويخلقوا عالمهم ، فجعلوا همهم الإنتاج واستثمار هذه الأرض العذراء ، لا معدي لهم عن ذلك ولا سبيل غيره . فضرورة الانتاج إذا أول ما انطبع في الخلق الأمريكي ، ولم يزل لها فيه أعمق الأثر ، حتى لقد تخف وطأة الحاجة عند الأمريكي ، أو لا تعود به
أدنى حاجة للسعي ، وقد يبلغ غاية الثراء ويعدوها ، ولكنه مع هذا يدأب على الشغل وعلى تشغيل ماله لإنتاج المال كذلك . وهيهات يخطر للرجل منهم أن يعتزل بعد إفادة الغني وجمع الثروة الطائلة . وطبيعي أن يدعو ذلك إلي ما نراه من العقيدة السائدة بأن الأمريكي محب للمال ، وقد يزعم الأمريكى نفسه ذلك ولكن الحقيقة أن الذي يحببه في المال ليس مجرد اقتنائه وحيازته ، وإنما هو لذة طلبه والجد وراءه و الاعتزاز
بالهمة والقدرة على النجاح المحقق الملموس . وشأن الأمريكي صاحب الملايين في ذلك شأن هواة الصيد من العلية السراة ، فهم يتكلفون الجهد في مطاردة القنيصة لا حاجة إليها ، ولكنها لذة القنص والطراد
ومن ثمة كان صاحب الملايين الأمريكي لا يزال يمضى قدما ، وقد تزل به قدمه فيسقط من حالق . ولكن هذا الخطب أهون على طبعه وأدنى إلي قلبه من الوقفة والجمود ، ثم هو لا يعتم أن يستأنف السعي جادا ناصبا بنفس العزم والانشراح .
وليس أدل علي رأي أصحاب الملايين الكثيرة في المال من عدم جمودهم عليه ، ونفورهم من حبسه عن التشغيل والأستهداف للخسارة والضياع . وأكثر من هذا ، قلة حرص الأباء منهم على ثوريثه لأهلهم وابنائهم من بعدهم ، وإيثارهم به المرافق العامة من جامعات ومعاهد أبحاث ومستشفيات ومشروعات هامة .
له بقية
