الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 41الرجوع إلى "الرسالة"

غلطة نحوية

Share

للآنسة سهير القلماوي

لا تستغربوا هذا العنوان، وأستحلفكم أن لا تستتفهوه، فسترون بعد حين أن للغلطات النحوية شأنا وأى شأن. ستدركون عظمة الغلطة النحوية وخطورتها، ولن يكلفكم هذا الإدراك ما كلفنى. ستقرأون المقال وستؤمنون بعده أن للغلطة النحوية الواحدة قدرا، وأنه لقدر لو تعلمون عظيم

ما كادت تنتهي من محاضرتها حتى عادت إلى أستاذها تستطلع رأيه، وتحاول أن تلمح فى تقاطيع وجهه قيمة جهدها الذى بذلته. لقد كانت تحسب حسابا كبيرا لنقده، وخاصة لابتسامته الساخرة التي يلاقي بها جهدا بذل فى غير موضعه واستنتاجا سخيفا متكلفا بعيدا عن الصواب، وعن طبيعة الأشياء كما يقول. وما وصلت حتى بادرها بقوله: أهنئك، قالت أشكرك، قال أريد مقابلتك، قالت ومتى تشاء؟ قال أأنت قادمة لعمل فى دار الكوكب غدا؟ قالت لا، قال إذا قابلينى بعد غد فسأكون هناك، قالت حسن، إلى بعد غد

وجلست تفكر بعدها ماذا يريد منها يا ترى؟ لم يدعها فى حياتها قط إلا لعمل ذي شأن، أو لمسألة ذات خطر. ثم هو يتعجل تلك المقابلة، ما سر هذه العجلة؟ أكانت المحاضرة سخيفة إلى هذا الحد؟ ولم هناها إذا؟ ولم تره فى ظرف من ظروف حياته يقول غير ما يعنى، أكان هازئا؟ ولكنها لم تلمح منه إلا الجد ليلتها، ثم هى توقن إنه لن يستهزئ بها مهما يكن، فى مكان وفي ظرف كهذين، وأخيرا هى تحس فى شيء من الإخلاص أن المحاضرة كلفتها جهدا، وإنها وإن لم تكن خالية من المآخذ، إلا أنها بكل تأكيد لا تستحق إستهزاء علنيا ومقابلة مستعجلة. وأحس قلبها إن الأمر أهون مما تظن، ولكن متى خضع العقل للقلب؟ لقد ظل العقل فى عمله يقدر ويحسب، يستبعد ويستقرب، يرجح وينفى، كل هذا وهو متعب مكدود، فأفسد عليها يوما كانت أعدته لراحته الكاملة.

ظلت يوما وبعض يوم تفكر، وتقلب الاحتمالات التي أمكن أن يخترعها عقلها فى مثل هذا الظرف، وبدأت تحس أن تفكيرها فى

الموضوع أصبح آليا دائريا، يبدأ ليعيد، ثم يبدأ من جديد وهكذا، وانتهت أخيرا بإبعاد كل احتمال أن تكون المقابلة خاصة بالمحاضرة، فلو كان ثمت متعجل فى شأنها لقاله لها يومها، وإلا لأنتظر فرصة أخرى فهى لا تتغيب عنه كثيرا

وما جاء صباح الأحد حتى استعدت للذهاب إلى المقابلة، وما كادت تستعد حتى سألها والدها ان تصطحبه فى نزهه كان يسرها جدا أن تصحبه فيها، ولكنها اعتذرت بضرورة ذهابها لمقابلة أستاذها، وسألها هل ستبطئين عنده، فتكلفت شيئا من عدم الاكتراث تخدع به نفسها، وقالت لا أدري، لأنى لا أعرف لماذا يريد مقابلتى. ولكن نفسها لم تنخدع بهذا المظهر المتكلف وبدأ عقلها سيرته الآلية من جديد، وسخطت على نفسها، ما الذى يثير حب استطلاعها إلى هذا الحد؟ وفى استهزاء مؤلم اكمل صوت فى قلبها و(خاصة إذا كان الأمر أهون مما تتوهمين) فثار عقلها واسترد سيرته الآلية فى حمية جديدة.

وجاءتها ابنة خالتها تعرض عليها الذهاب إلى أختها لترى هناك صديقة عزيزة عليها، وكانت تود رؤية هذه الصديقة فهى لم ترها منذ سنين، ولعلها لا تراها سنين أخرى، ولكنها اعتذرت ثانية، فسألتها ابنة خالتها: ولكن ألا تعرفين لأي شئ يريدك، وكأنها أحست تطفلا فأكملت حتى تستطيعى أن تلحقى بى هناك إذا كان الأمر لا يستغرق زمنا طويلا. قالت بعدم اكتراث، لست أدري ماذا يريد، فلا استطيع أن أعدك باللحاق بك. وبدأ عقلها سيرته من جديد، وبدأت نفسها تضحك منها وتعيد (الأمر أهون مما تتوهمين) .

وأخيرا وصلت دار (الكوكب) وصعدت الدرج فى اتزان عجيب تحاول أن تؤخر الميعاد ما استطاعت حتى لا يستشف أستاذها عجلتها وحب استطلاعها. ودخلت حجرته فحيته وحياها، ثم جلست تنتظر، وتكلم فى مواضيع مختلفة، وهي تحاول فى جهد أن تتبع كلامه وأن تخفي عجلتها واشتياقها لمعرفة ما جاءت من أجله وجاء ذكر المحاضرة فأثنى عليها، ثم قال: ولكنى اترك ما بها لغيرى من أساتذتك، لأن لي معك الآن أمرا من أخطر الأمور.

وخفق قلبها ولم تستطع حفظ مظهر الاتزان الذى تكلفته منذ الصباح، ودون أن تدرى قالت فى لهفة ظاهرة وما هو!؟ قال يا فريد آتنى بعدد الرسالة الماضي.

فأرتفع الصوت الهازئ فى نفسها يضحك ويقول (الأمر أهون

مما تتوهمين، قال غلطة تكبرك بكثير ما قرأتها حتى كلمت الأستاذ الزيات بشأنها تلفونيا.

وارتفع صوت العقل وقال ألم أقل لك إن الأمر خطير ولكن العقل ما كاد يزهى حتى قال أستاذها متابعا كلامه - غلطة نحوية كبيرة. إما أن تقلعي عنها، وإما أن تطلعي على الناس بمذهب جديد هو عدم التفريق فى الجمع السالم بين مذكر ومؤنث، ومن يدرى قد تجدين من يؤيدك. . . . . . . واستمر فى كلامه

(غلطة نحوية) كانت كلوح ثلج نزل على رأسها الملتهب يوما وبعض يوم. وكأنه لمح شيئا من غيظ تخفيه بسكوتها بعد أن لم تجد آمن منه ستارا. فقال: ألا تستحق هذه الغلطة انتقالك من العباسية إلى عابدين؟

وهمت أن تقول له إن هذا الانتقال ايسر ما كلفتها تلك الغلطة، ولكنه استمر يحاول إغاظتها: دونى فى مذكرتك ان أستاذك استدعاك من العباسية إلى العابدين من أجل غلطة نحوية. وضحك فى سخرية مثيرة للغيظ، فقالت محاولة إخفاء غيظها - سأدون!

أستاذى: - غلطة نحوية كلفتنى هذا. فليت شعرى ماذا سيكلفني هذا المقال؟ ولكنى أؤكد لك لا فى تملق كما تقتضيه حال الخائفة من عقابك، وإنما أؤكد فى صدق وإخلاص أن لولا يقيني برحب صدرك ما خططت حرفا فى هذا المقال.

اشترك في نشرتنا البريدية