ولد فرزنل فى مدينة Mathieu من أعمال Calvados فى ١٥ أبريل عام ١٧٩٥ ، ولكنه لم يلبث طويلا بعد هذا التاريخ حتى اضطر إلى الرحيل إلى باريس مع والدته بعد وفاة أبيه . وفى باريس تلقى دراسته الأولى التى اتجه فيها إلى العلوم البحتة ، متأسيا بأخويه ، وكانا أكبر منه سنا . ولم يكد فرزنل يبرح المدرسة حتى نشر ترجمة الجزء الاول من كتاب Berzelius فى الكيمياء .
إن فرزنل لم يخلق ليكون عالما كيميائيا ، ولئن كان نشاطه قد حدا به إلى أن يبدأ حياته بترجمة مؤلف فى الكيمياء فقد عدل به عن متابعة هذا النوع من الدراسة اتساع خياله ، وما فطر عليه من ذوق فنى ، وما حظى من الاستعداد الأدبى ، يمده بعد ذلك ما كان يجيش فى صدره دائما من رغبة حارة فى البحث والتنقيب .
حاول فرزنل بعد ذلك بعض محاولات أدبية لم يظهر منها إلا ترجمة جزء من قصص Tieck ، ولكن هذه الناحية لم تكن لتشبع جميع رغباته ، فاتجه إلى دراسة اللغة الصينية لاعجابه بالاستاذ Remusat الذى كان يعنى بتدريسها فى ذلك الوقت . أخذت هذه الناحية حظا من عناية فرزنل ، ولم تمض عليه فترة طويلة حتى وصل فيها إلى مستوى عال استطاع معه أن ينشر فى Jour. Asia عام ١٨٢٢ - ١٨٢٣ ترجمة لقصة صينية كبيرة ، ولكنه رغم كل هذا ما كان يجد الصلة بين هذه الدراسة وبين استعداداته الخاصة ، فاضطر إلى أن يعود إلى دراسة اللغات السامية التى كان قد بدأها قبل ذلك ، والتى استطاع أن يظل لها وفيا بقية أيام حياته .
وجد فرزنل طريقه أخيرا ، وبدأ فى دراسة العربية على De sacy فى باريس ، ثم انتقل بعد ذلك إلى روما عام ١٨٢٦ ، ليستطيع أن يتابع دروس المارونيين ، ولكن كل ذلك لم يقنعه ، فرأى طلب العربية فى القاهرة نفسها ، فسافر إليها فى عام ١٨٣١ ، حيث تتلمذ بها على أحد علمائها الشيخ محمد الطنطاوى .
بدأ فرزنل دراسة الشعر الجاهلى ، ووجد فى ذلك ضالته المنشودة التى عمى عنها سنين طوالا أنفقها فى دراسات أخرى شد ما ندم على ما بذل فيها من وقت جعله لا يهتدى إلى طريقه إلا بعد أن شارف الشيخوخة .
ولكن دراساته كانت لحسن الحظ على غاية من التوفيق ، فلقد استطاع أن يحيى أمام أعيننا صورة ذلك العصر الجاهلى البعيد ، فاستطاع أن يكشف عما كان فيه من حياة وعادات ، وما كان يغشاه من عواطف وأخيلة وأحاسيس . ولقد استطاع رغم ما يفصله عن ذلك العصر أن يحيى فيه بروحه ، وأن يغشاه بخياله هذا النجاح الذى لم يصادفه أحد قبله . ولكنه رغم كل هذا لم يستطع أن يغامر بأبحاثه إلا بعد عشر سنوات ، إذ نشر أول مؤلف له فى هذه الناحية وهو عن الشنفرى . كتب كذلك وهو فى مصر الرسائل الثلاث الأولى من رسائله عن تاريخ العرب قبل الإسلام Lettres sur l'histoire des arabes avant l'islami sme. ، والتى اعتمد فيها على (( العقد الفريد )) لابن عبد ربة الذى عثر عليه يومئذ فى القاهرة . ومن سوء الحظ أن نذكر أنه لم يستمر فى عمله هذا حتى النهاية .
رغب فرزنل بعد ذلك فى أن يترك القاهرة إلى طنجة ، أملا فى أن يكون هناك أكثر توفيقا فى دراسته ، ولكنه ما نزل طنجة حتى أرسل أحد أهلها إلى فاس لينسخ له بعض المخطوطات العربية المحفوظة بمكتبتها التى
كان يحرم على غير المسلمين دخولها . وهكذا مضى الشيخ محمد إلى فاس فى هذه المهمة ، ولكن أصيب فرزنل فى ذلك الوقت بأزمة مالية شديدة حالت بينه وبين رغباته ، كما جعلته يعض إصبع الندم على ما فاته من العمل على أن يظفر برعاية الحكومة قبل ذلك .
عين فرزنل بعد ذلك قنصلا بالنيابة فى جدة فى عام ١٨٣٧ ، ولم يلبث قليلا بعد ذلك حتى حول هذا المنصب إلى قنصلية ثابتة . ولقد شغل فرزنل منذ وطئت قدمه جزيرة العرب بالعناية بدراسة جغرافيتها القديمة والحديثة ، كما عنى بدراسة لهجات أواسط الجزيرة . وظن أنه يستطيع بدراسته لهجة الأخيلية ( عامية حضرموت ) معرفة اللغة الحميرية التى انقرضت والتى لم يبق مبها سوى بعض كلمات يذكرها الفيروزابادى وغيره من أصحاب القواميس . فأخذ لذلك فى دراسة اللهجة الأخيلية ، وبدأ فى نشر نحوها وقواعدها التى استطاع أن يكشف عنها خلال دراسته لبعض المعلومات والملاحظات التى استطاع أن يجريها على شخص يدعى محسن أحد قطاع الطرق من حضرموت ، إذ كانت هذه هى لهجته الأصلية التى يتكلم بها .
حدث بعد ذلك أن جدت بعض ظروف أعطت أهمية خاصة لهذا النوع من الدراسة ، ذلك أن Wellstedt و Cretscedem وصلا إلى اكتشاف بعض النقوش الحميرية فى صنعاء ، فاستطاع فرزنل فى ذلك الوقت أن يقارن بعض هذه المكتشفات بما وصل إليه من قواعد الأخيلية . ولكن حدث أن اتصل به فى ذلك الوقت أحد الفرنسيين المشتغلين فى الخدمة الطبية لملك سبأ ، وكان يقال له Arnsad فاستطاع أن يدله على مئات من النقوش الحميرية الموجودة فى صنعاء ، وفى خرائب مدينة خريدة . استطاع فرزنل أن يحمل Arnsad على أن يقوم برحلة إلى سد
مأرب وإلى هذه البلاد ليقف على ما فيها من نقوش . ولقد قام Arnsad بهذه الرحلة ، ولكنه اضطر أن يعود منها بعد أن نقل 56 صورة من المخطوطات الحميرية ، وذلك لمرض أصاب عينيه . استطاع فرزنل بعد ذلك أن يسعى فى باريس ليوجه Arnsad فى رحلة اخرى إلى هذه الاماكن ؛ ولقد وفق فى ذلك وعاد Arnsad فى رحلة جديدة إلى اليمن لمدة ثلاث سنوات ، ولكن الصعوبات التى كانت تجابه مثل هذه الدراسة ، حالت دون نجاحها تماما .
وبينما كان فرزنل فى انتظار مبعوثه إلى اليمن أتاحت له المصادقات نوعا آخر من الدراسة ؛ ذلك أنه اتصل ببعض الحجاج الزنوج الذين كانوا يزورون القنصلية الفرنسية أثناء مرورهم بجدة ، وعلم من محادثاته معهم أن وحيد القرن الذى يذكر فى الإنجيل وفى خرافات الأقدمين موجود فى بقعة من بلادهم يقال لها بورجو .
أرسل فرزنل على نفقته أحد الزنوج ليحضر له رأس وحيد القرن هذا وأحد حوافره ، ولكنه ما علم بعد ذلك بوجود هذا الحيوان فى الحبشة على ساحل البحر الأحمر ، حتى أرسل فى طلبه فأرسل إليه أحد أشراف الحبشة مركبا يحمل سبعة عشر مدا منها ؛ وعند وصول المركب إلى جدة ذهب أحد زنوح بورجو الذى كان فى خدمة القنصلية لمعاينة هذا الحيوان ، فأكد أنه هو الذى يعرف فى بلادهم ، ولكن كان هذا الحيوان لسوء الحظ هو الخرتيت المعروف . ولكن فرزنل لم يتح له فى هذه الأثناء أن يقف على مثل هذه النتائج السيئة ، إذ كان وقتها فى باريس مشغولا بمشروع سياسى اقتصادى أثارته عنده دراسته عن بورجو .
كان فرزنل أثناء إقامته فى جدة يحلم بأن يسير قافلة من الحجاج الجزائريين يحميها العلم الفرنسى كما كانت تسير
القافلة المصرية والفارسية والتركية . وكان كذلك يسمع كثيرا من المحاولات التى كان يقوم بها سلاطين بورجو البحث عن طريق يصل بلادهم بالبحر الأبيض التوسط ببنى غازى ، فأراد فرزنل أن يحقق هاتين الرغبتين بمشروع ينطوى على أن تقوم قافلة فرنسية من حجاج الجزائر فتخترق الصحراء الكبرى إلى بورجو ، ثم تسير على حدود السودان ، ثم تخترق بعد ذلك سنار حيث تعبر البحر الأحمر عند القصير . وكان لا يرى صعوبة لإنفاذ مثل هذا المشروع - الذى يجعل من فرنسا حامية الإسلام بين هذه الشعوب ، والذى يكشف عن طريق تجارى له أهميته السياسية والاقتصادية ، إذ تتحول إليه جميع الطرق الداخلية - سوى شئ واحد ، ذلك هو اختراق الصحراء ؛ وقد كان يرى إمكان التغلب على ذلك بإنشاء بعض الآبار الارتوازية فى الطريق . واضطر فرزنل إلى الذهاب إلى بنى غازى ليتمم بقية دراساته حول المشروع حيث صادف بقايا قافلة نفقت جمالها جميعا فى الصحراء أثناء محاولتها اختراقها آتية من السودان . ولئن كانت هذه الحادثة قد أكدت له تماما إصرار أهل بورجو على هذه المحاولة للاتصال بالبحر ، إلا أنها أكدت له كذلك أن مثل هذا المشروع لا يستطاع إخراجه إلى حيز العمل ، ولكن أتت بعد ذلك حوادث عام ١٨٤٨ فنسى هذا المشروع .
عاد فرزنل بعد ذلك إلى جدة ، ولكن صحته لم تعد تحتمل بعد ذلك حر بلاد العرب وجوها ، فرغب عن الإقامة فيها ، فنقل قنصلا إلى الموصل ، ولكنه رفض الذهاب إلى مقره الجديد وعاد إلى باريس . وفى عام ١٨٥٢ أسندت إليه رئاسة البعثة العلمية التى أوفدتها الحكومة إلى العراق ، فذهب إلى حلب ومنها إلى ديار بكر ؛ وهنا أخطأ طريقه فذهب إلى بغداد حيث أفضى الطريق به بعد ذلك إلى خرائب بابيلون ؛ ولو أنه عدل عن دخول المدينة ، وذهب إلى مضارب العرب لأفضى به ذلك إلى حوض
الدجلة الأسفل الذى كان مقصد البعثة الحقيقى ؛ ولكنه وجد نفسه بدخوله المدينة مفصولا من حوض الدجلة بصحراء واسعة أفضت به إلى بابيلون . هذا ولقد وفقت هذه البعثة إلى نتائج جليلة ، ولكنها حين استدعتها الحكومة رفض فرزنل العودة معها أملا فى أن يأتى أول بذور لانشاء مدرسة لدراسة الآثار فى بغداد . ورغم جميع الظروف التى أحاطت به يومئذ أصر على البقاء هناك لدراسة الآثار ، ولكنه أصبب يومئذ بفاجعة عظيمة ، ذلك أن الآثار التى جمعها ونقلها إلى البصرة تمهيدا لنقلها إلى فرنسا قد ذهبت ضحية لبعض أعمال المهربين هناك ؛ ولكن صحة فرزنل التى كانت قد تحطمت من طول الاقامة فى الشرق ومن تعاطيه الأفيون الذى أقدم عليه أول الأمر دواء ، لم تستطيع أن تحتمل مثل هذه الصدمة ، فتوفى فى بغداد فى ٣٠ نوفمبر ١٨٥٥ ، بعد حياة استمرت إحدى وستين سنة كانت مثال الحيوية والنشاط والمغامرة .

