الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد الثامن عشرالرجوع إلى "الرسالة"

فرعونيون وعرب!

Share

عفا الله عن كتابنا الصحفيين! ما أقدرهم على أن يثيروا عاصفة من غير ريح، ويبعثوا حربا من غير جند !!

حلا لبعضهم ذات يوم أن يكون بيزنطيا يجادل فى الدجاجة  والبيضة وأيتهما أصل الأخرى! فقال على هذا القياس:  أفرعونيون نحن أم عرب؟ أنقيم ثقافتنا على الفرعونية أم تقيمها  على العربية؟!

نعم قالوا ذلك القول وجادلوا فيه جدال من أعطى أزمة  النفوس وأعنة الأهواء يقول لها كونى فرعونية فتكون!  أو كونى عربية فتكون! ثم اشتهر بالرأى الفرعونى اثنان أو ثلاثة  من رجال الجدال وساسة الكلام فبسطوه فى المقالات، وأيدوه  بالمناظرات، ورددوه فى المحادثات، حتى خال بنو الأعمام فى  العراق والشام أن الأمر جد، وأن الفكرة عقيدة، وأن ثلاثة من  الكتاب أمة، وأن مصر رأس البلاد العربية قد جعلت المآذن  مسلات والمساجد معابد والكنائس هياكل والعلماء كهنة.

مهلا بنى قومنا لا تعتدوا بشهوة الجدل على الحق ورويدا  بنى عمنا لا تسيئوا بقسوة الظن الى القرابة! إن الأصول  والأنساب عرضة للزمن والطبيعة؛ تواشج بينها القرون، وتفعل فيها الأجواء حتى يصبح تحليلها وتمييزها وراء العلم  وفوق الطاقة. فاذا قلنا فلان عربى أو فرنسى أو تركى فانما

نعنى بهذا النسبة انطباعه بالخصائص الثقافية والاجتماعية  لهذا الشعب كاللغة والأدب والأخلاق والهوى والدين. فبديع الزمان عربى وأصله فارسى، وروسو فرنسى أصله  سويسرى، والأمير فلان تركى وأصله مصرى لأن كلا  من هؤلاء الثلاثة أصبح جزءا من شعبه، ينطق بلسانه ويفكر  بعقله ويشعر بقلبه

فبأى شىء من هذا يتمارى إخواننا الجدليون وهم لو كشفوا  فى أنفسهم عن مصادر الفكر ومنابع الشعور ومواقع الالهام  لرأوا الروح العربية تشرق فى قلوبهم دينا، وتسرى فى دمائهم  أدبا، وتجرى على ألسنتهم لغة، وتفيض فى عواطفهم كرامة.

لا نريد أن نحاجهم بما قرره المحدثون من العلماء من أن  المصرية الجاهلية تنزع بعرق الى العربية الجاهلية، فان هذا  الحجاج ينقطع فيه النفس ولا ينقطع فيه الجدل:. . وكفى  بالواقع المشهود دليلا وحجة. هذه مصر الحاضرة تقوم على  ثلاثة عشر قرنا وثلثا من التاريخ العربى، نسخت ما قبلها كما  تنسخ الشمس الضاحية سوابغ الظلال. . . وذلك هو ماضى  مصر الحى الذى يصبح فى الدم ويثور فى الأعصاب ويدفع  بالحاضر إلى المستقبل ثابت الأساس شامخ الذرى عزيز الدعائم.

أزهقوا إن استطعتم هذه الروح وامحوا ولو بالفرض  هذا الماضى ثم انظروا ما يبقى فى يد الزمان من مصر.  هل يبقى غير أشلاء من بقايا السوط وأنضاء من ضحايا  الجور. وأشباح طائفة ترتل " كتاب الأموات" وجباه ضارعة  تسجد للصخور وتعنو للعجماوات وقبور ذهبية الأحشاء  ابتلعت الدور حتى زحمت بانتفاخها الأرض، وفنون خرافية  شغلها الموت حتى أغفلت الدنيا وأنكرت الحياة؟ وهل ذلك  إلا الماضى الأبعد الذى تريدون أن يكون قاعدة لمصر الحديثة  تصور بألوانه وتشدو بألحانه وتحيا أخيرا بروحه؟ ولكن  أين تحسون بالله هذه الروح؟ إن أرواح الشعوب لا تنتقل الى  الأعقاب إلا فى نتاج العقول والقرائح، فهل كشفتم بجانب  الهياكل الموحشة والقبور الصم مكتبة واحدة تحدثكم عن فلسفة  كفلسفة اليونان، وتشريع كتشريع الرومان وشعر كشعر العرب؟  أم الحق أن مصر القديمة دفين فنيت روحه مع الآلهة،  وصحائف موت ذهب سرها مع الكهنة، والخامد لا يبعث

حياة والجامد لا يلد حركة ؟!

لا تستطيع مصر الاسلامية الا أن تكون فصلا من  كتاب المجد العربى، لأنها لا تجد مددا لحيويتها، ولا سندا  لقوتها، ولا أساسا لثقافتها الا فى رسالة العرب. أما أن  يكون لأدبها طابعه، ولفنها لونه، فذلك قانون الطبيعة ولا  شأن لمينا ولا ليعرب فيه: لأن الآداب والفنون ملاكها  الخيال، والخيال غذاؤه الحس، والحس موضوعه البيئة، والبيئة  عمل من أعمال الطبيعة يختلف باختلافها فى كل قطر. فاذا  لم يوفق الفنان بين عمله وعمل الطبيعة، ويؤلف بين روحه  وروح البيئة، فاته (اللون المحلى) وهو شرط جوهرى لصدق  الأسلوب وسلامة الصورة. وقديما كان لون الأدب فى الحجاز  غيره فى نجد، وفى العراق غيره فى الشام. وفى مصر غيره  فى الأندلس، دون أن يسبق هذا التغاير دعوة ولا أن يلحق به أثر!

انشروا ما ضمنت القبور من رفات الفراعين، واستقطروا  من الصخور الصلاب أخبار الهالكين، وغالبوا البلى على ما بقى  فى يديه من أكفان الماضى الرميم، ثم تحدثوا وأطيلوا الحديث  عن  ضخامة الآثار وعظمة النيل وجمال الوادى وحال الشعب،  ولكن اذكروا دائما أن الروح التى تنفخونها فى مومياء  فرعون هى روح عمرو، وأن اللسان الذى تنشرون به مجد  مصر هو لسان مضر، وان القيثار الذى توقعون عليه الحان  النيل هو قيثار امرىء القيس، وأن آثار العرب المعنوية التى  لا تزال تعمر الصدور وتملأ السطور وتغذى العالم، هى أدعى  الى الفخر وأبقى على الدهر، وأجدى على الناس، من صفائح  الذهب وجنادل الحجارة.

انما تتفاضل الأمم بما قدمت للخليفة من خير، وتتفاوت  الأعمال بما أجدت على الانسان من نفع. أليس (الخزان) خيرا  من الكرنك، والأزهر أفضل من الأهرام، ودار  الكتب أنفس من دار الآثار؟

وبعد فان ثقافتنا الحديثة انما تقوم فى روحها على الاسلام  والمسيحية، وفى أدبها على الآداب العربية والغربية، وفى  علمها على القرائح الأوربية الخالصة. أما ثقافة (البردى)  فليس يربطها بمصر العربية رباط، لا بالمسلمين ولا بالاقباط

اشترك في نشرتنا البريدية