سيجموند فرويد عالم نفسى كبير ومفكر موهوب ، بل هو فى رأى العلامة ماكدوجال - أحد نقاده ومنافسيه - أعظم عالم نفسى عرفته الدنيا منذ عهد أرسطو ، وقد ولد فرويد فى سنة ١٨٥٦ ، ولا مقر لمفكر من أن يتأثر بوحى بيئته وإلهامات عصره والفترة التى بدأت تتكون فيها آراء فرويد ، وتتعين اتجاهاته ، وتتكشف خصائص تفكيره ، كانت فترة سريان الأفكار الحرة التى سادت فى أواخر القرن التاسع عشر من ناحية ، ومن ناحية أخرى فترة قيام الشركات التجارية الضخمة والمشروعات الاقتصادية الجريئة ، وانتشار أساليب الاحتكار على مدى واسع ، واشتداد المنافسة بين الدول على استغلال الأسواق واستيراد الخامات وتوزيع الإنتاج . ويسمى غلاة الاشتراكيين هذه الفترة " الطور الأخير من أطوار النظام الرأسمالى " . وكان العلماء فى هذه الفترة الدقيقة مأخوذين بحضارة العصر اللامعة ، مؤمنين بتقدم العلم ، يرودون آفاق المعرفة فى ثقة واطمئنان ، غير ملتفتين إلى ما كان ينساق إليه العالم من مسالك وعرة ، وما كان ينزلق نحوه من ظلمات مدلهمة ، ولا إلى ما كان يختبى وراء استتباب الأمن واستقرار السلام من نزعات جامحة ، وأهواء متراكبة ، وعوامل اضطرابات ، وبواعث فتن وهزاهز ؛ فلما استوفى النزاع أطواره ، وانتهى إلى غايته ، وزج بالعالم فى أتون الحرب الكبرى السالفة ، استفاق العلماء من أحلامهم ، وأخذوا يفركون عيونهم ، ويتحدثون عن تقشع أوهامهم ، واستشعروا انهم أسرفوا فى نسيان غريزة الكفاح ، وهى غريزة موصولة بالفطرة الانسانية ملازمة لها فى شتى استحالاتها ومختلف
مظاهرها ، وأخذوا يعجبون كيف غاب عنهم أمرها حتى أخذتهم على غرة ، وكادت تهدم ما بنوا وتفسد ما استصلحوا .
ومن بين هؤلاء العلماء العلامة فرويد ، فقد كتب فى سنة ١٩١٥ يقول (١) : " إننا مضطرون إلى أن نعتقد أنه لم تكن ثمة حادثة أشد هدما وتحطيما للكثير مما هو قيم ونفيس فى ثروة الانسانية العامة ، ولا أكثر تضليلا وإفسادا للكثيرين من أرجح الناس عقلا وأثقبهم رأيا ، ولا أقوى استنزالا لأسمى ما نعرف من مستواه الرفيع ، وقد أخذ العلم يفقد نزاهته البريئة من الأهواء النقية من الشوائب ، وشرع سدنته والحقد حشو نفوسهم يستمدون منه أسلحة يستعينون بها على هزيمة العدو وتخضيد شوكته . وعلماء الانثروبولوجى قد سبقوا إلى إعلان أن الخصم وضيع الجنس منحدر إلى التدهور . وبدأ علماء النفس ينشرون رسائل يحللون فيها اعتلال عقلية العدو وسقم نفسه ... إنى أنتوى فى هذه الرسالة أن أفرق بين نوعين من العوامل القوية فى الاضطراب الفكرى الذى يستشعره غير المحاربين ، وهما زوال الوهم الذى سببته هذه الحرب ، وموقفنا المتغير إزاء فكرة الموت .
" وعند ما أتحدث عن زوال الوهم ، وتهتك ستره ، وانجلاء أكراثه ، يعرف كل إنسان ما أعنى ، ولا حاجة بى إلى أن أصطنع رقة العاطفة ، وفى مستطاعنا أن ندرك ضرورة الشقاء الحيوية والنفسية فى اقتصاديات الحياة ، ولا يمنعنا ذلك من كراهة الحرب وذمها ، والتبرم بأساليبها وأغراضها ، وأن نستشرف فى شوق ولهفة العصر الذى تبطل فيه الحروب ، وينحسم شرها . وحقيقة أننا كنا نسر فى أنفسنا أن الحروب لا ينتهى عهدها ما دامت الأمم تعيش فى أحوال متباينة ، وما دامت حياة الفرد
مختلفة القيمة فى الأمم المتنوعة ، وما دامت الأحقاد التى تقصم ما بينها من عرى وتفسد العلاقات الحسنة صادرة عن قوى غريزية فى العقل ؛ ولكننا برغم ذلك أرخينا لأنفسنا عنان الأمل ، وطاف بأوهامنا أن الأمم البيضاء العظيمة التى تولت قيادة النوع الانسانى ، والتى أصبح لها مصالح فى نواحى المعمور ، والتى كان لقواها الخالقة أجل أثر فى تقدمنا الصناعي وسيطرتنا على الطبيعة وفى محصولنا العلمى والفنى - أقول طاف بأوهامنا أن مثل هذه الأمم لا بد أن توفق فى ابتكار أسلوب آخر لفض الخلافات ، وعلاج تصادم المصالح ، وتعارض المآرب والغايات ؛ وفى نطاق كل أمة من هذه الأمم ، وداخل حدودها ، تسود معايير راقية من العادات يعنو لها الأفراد ، ويحرصون عليها ،
وعليهم أن يستمسكوا بها ، ويعتصموا بحبلها ، إذا تطلعوا إلى المشاركة فى امتيازات المجتمع ، وهذه الفرائض والسنن - وهى فى الغالب عنيفة صارمة - تضطر الفرد إلى أن يبذل مجهودا كبيرا فى ضبط النفس وكبح الغرائز والامساك عن تلبية مطالبها وإشباع نهعتها ، وهى على وجه التخصيص تحظر عليه الانتفاع بالفوائد العظيمة التى تعود عليه من ممارسة الكذب واللجوء إلى الغش والخداع فى المنافسة القائمة بينه وبين مواطنيه ؛ وتعتبر الدول المتحضرة هذه المعايير المقبولة أساس وجودها ، وهى تنذر بصارم العقاب كل من تمتد يده إليها بسوء ، بل هى تضيق ذرعا بمن يجترئ على تناولها بالبحث أو النقد ؛ وكان المفروض يقتضى أن تحترم الدولة نفسها هذه المعايير ،
ولا تفكر فى الخروج عليها والاستهانة بها ، وقد سلمت بأنها قوام المجتمع ؛ ولكن ثارت الحرب وانداع لهيبها ، تلك الحرب التى رفضنا أن نعتقد بها ، فزالت الغشاوة عن أبصارنا ؛ وهى إن لم تكن أكثر سفكا للدماء وإمعانا فى التدمير والخراب من الحروب السالفة بسبب زيادة أسلحة الهجوم والدفاع فى الكمال والنمو ، فإنها لا تقل عنها
فظاعة ونكرا ، وقد عبثت بأوضاع القانون الدولى الذى فرضت الدول على نفسها احترامه فى إبان السلام ، و تجاهلت حقوق الجرحى وامتيازات الخدمة الطبية ، والتفريق بين المدينيين والمحاربين ، وحقوق الملكية الفردية ، وقد وطئت فى ثورة غضبها وعرواء جنونها كل ما صادفته فى سبيلها ، حتى كأن لم يبق أمل فى المستقبل للإرادة الخيرة بين الناس ، وقد قطعت كل الأواصر بين الأمم المتطاحنة إلى حد ينذر بأنها ستخلف فى النفوس من الحقد والمرارة ما يجعل تحديد الصلات واستئناف العلاقات أمرا غير ميسور ردحا من الزمن . والأمم المتحاربة تستبيح لنفسها كل محظور ، وترتضى كل عمل من أعمال القسوة خليق بأن يلوث سمعة الفرد ، ويلحق به العار الدائم ؛ وهى لا تكتفى باستعمال الخداع المباح ، بل تلجأ إلى الكذب الصراح المتعمد والغش والتدليس ، وتطالب أفراد الشعب بالخضوع التام والتضحية الكاملة ؛ وفى الوقت نفسه تعاملهم معاملة الأطفال القاصرين وتكتم عنهم الحقائق ،
وتضن عليهم بالأخبار ، وتعرضهم للرقابة ، وتنكث العهود المبرمة بينها وبين غيرها من الدول ، وتنقض الاتفاقات والمعاهدات ، وتكشف عن رغبتها فى السلب والنهب ، وشهوتها إلى القوة والنفوذ ، وعلى الفرد أن يقر ذلك ويجتزه باسم الوطنية " .
ويسترسل فرويد قائلا - وكأنه كان ينحى على نفسه باللائمة - " إننا نرحب بالأوهام لأنها تجنبنا الأزمات العصبية ، وتذلل لنا سبل المسرات ، فلا ينبغى أن نشكو إذا عارضتها الحقيقة ، فانهار بناؤها وذهبت بددا " .
ويكفى هذا القدر الذى نقلته عن العلامة فرويد لتوضيح ما أثارته الحرب السالفة فى نفسه من خواطر وشجون وآراء وتأملات ، وقد هزت بناء أفكاره ، و جعلته يعيد النظر فى أعطاف نظرياته ، ونقلته إلى مرحلة جديدة من مراحل التفكير ، ووثقت العلاقات بينه
وبين المذهب الحيوى ، وقربته من آراء شبيهة بآراء ما وراء الطبيعة .
ويبدو الفرق بين هاتين المرحلتين من مراحل تفكيره فى نقد فرويد لتلميذيه " بونج " و " ادلر " ، فهو يرفض نزعة بونج الصوفية ، ويعترض على تفسيره المظاهر النفسية تفسيرا دينيا بدلا من أن يفسر الدين من الناحية النفسية ، ويستمسك بماديته ، ويؤكد أن " غرض العلم هو أن يصل إلى التجاوب مع الحقيقة ، أى مع ما هو موجود فى خارج نفوسنا وما هو مستقل عنا ، وقد علمتنا التجربة أنه حاسم فى تحقيق رغباتنا او مقاومتها وإحباط مسعانا ، وهذا التجاوب مع العالم الواقعى الخارجى هو ما نسميه الحق " .
وينكر فرويد كذلك على ادلر رأيه فى العجز عن معرفة العالم الموضوعى وإصراره على نسبية الحق ؛ وعطفه على الرأى القائل بأن علينا أن نحتفظ بالاعتقاد الذى يمكننا من أن نلائم بين أنفسنا وبين الواقع كما نجده ؛ وهو يتهم هذا الرأى بالرجعية ومسايرته للآراء التى تعمل على مقاومة العلم
وقد نشأ فرويد فى عصر ازدهار المادية الآلية التى غلبت على أواخر القرن التاسع عشر ، وظل وفيا لها إلى ما قبل الحرب الكبرى ، وعادى فى سبيلها تلميذيه النابهين المذكورين ، ولكنه اضطر بعد ذلك إلى الإنحراف عنها إلى حد ما ، واقترب من المذهب الحيوى ، والمذهب الحيوى يوافق المادية الآلية فى مقدماتها ؛ ولكنه يحاول بعد ذلك أن يحل مشكلاته بإضافة قوى حيوية جديدة ، وقد اقترب فرويد من هذا المذهب تحت تأثير صدمة الحرب الكبرى السالفة .
وقد تأثر فرويد بالحرب تأثر رجل كان فى الواقع مخدوعا بانتشار المبادئ الحرة دون أن يلقى باله إلى النزعات
الاستعمارية واستفحال نقائض النظام الرأسمالى ، وقد استطاع أن يحتفظ خلالها بتوازنه ونزاهة تفكيره ، وأخذ مذهبه ينحو نحوا جديدا يتسع لتفسير هذه الحرب المفاجئة .
لقد بدأ فرويد تفكيره بفرض كانت تسلم به أكثر المذاهب الاجتماعية ونظريات علم الحياة . وهو أن كل أفراد النوع الانسانى - وهم يشتركون فى ذلك مع صور الحياة الأخرى جميعها - يميزها دافعان داخليان ، هذان الدافعان هما دافع المحافظة على الذات ، ودافع المحافظة على النوع ؛ ومن ثم قسم الغرائز الانسانية إلى شعبتين رئيسيتين ، غرائز الأنانية التى تقصد إلى المحافظة على الذات ، والغرائز الجنسية التى تقصد إلى المحافظة على النوع . ونشبت الحرب فواجهت علماء النفس حالات غريبة لم تخطر لهم ببال ، فقد شاهدوا الفرد وهو يعمل على تحطيم نفسه وإزهاق روحه ، ولا يترفق لها ،
وتأملوا الشعوب وهى تعمل برمتها على إبادة نفسها وإهلاك حضارتها ، وأثبتت لهم المشاهدات العديدة ، والحوادث المتلاحقة ، أن الانسان لا يتربث فى الاقدام على الموت والالقاء بنفسه إلى التهلكة ، وأن الشعوب لا تتردد فى خوض الحرب ، والاستهداف للابادة والاستئصال ، فكيف تغلب على أمرها غريزة المحافظة على الذات وهى قوام كل شئ فى الحياة ؟
تلقاء هذه المشكلة لم يحاول فرويد أن يفسر لنفسه كيف استغلت الحرب ، والمقدمات التى أدت إلى قيامها ، واكتفى بأن يحاول أن يفهم كيف يستمال الناس إلى الحرب وقد انطلقت من عقالها وثارت ثائرنها .
وقد اعترضته فى بادئ الأمر عقبات ، فان الغرائز تشمل دوافع الأنانية وفى الغريزة الجنسية بواعث السادية ، ولكن ذلك كان لا يكفى لتفسير الحرب وتعليل وقوعها ؛ ١ -
فأخذ فرويد يتجه إلى تأكيد الجانب السيئ مما يعتقد أنه هو الطبيعة الانسانية فقال : " إننا قد انسقنا إلى اعتبار الطبيعة الانسانية أحسن حالا مما هى عليه فى الواقع ؛ وفى حركة التقدم الانسانى يستحيل الكثير من الدوافع السيئة دوافع صالحة ، وتنقلب الأنانية الذاتية إلى ضرب من ضروب حب التضحية ، ولكن بعض التجارب تعكس عمل الحضارة فتحدث ارتدادا إلى الغرائز الأولى "
ويقول فرويد بعد ذلك : " إن تأثيرات الحرب هى إحدى تلك القوى التى تقضى إلى مثل هذا الارتداد " .
ولكن كيف تحدث الحرب ؟ يري فرويد أن الحرب تأتى من الخارج وأنها لا تفسر فى حدود علم النفس ، وأن تبعتها تقع على كاهل الدولة ، ويخرج هنا فرويد من نطاق التفسير الفردى إلى تأمل القوى الاجتماعية المتمثلة فى الدولة .
وكان فرويد يفصل ويفرق بين الغرائز الجنسية وغرائز الأنانية والذاتية ، ولكن البحث أثبت أن الإنسان فى طفولته الباكرة تتجه فيه غريزة الحب الجنسى إلى نفسه ، وتنحصر فى ذاته . ولا يكون هناك فارق بين الطاقة التى تستعمل فى المسائل الجنسية ، والطاقة التى تستعمل فى المحافظة على الذات بعد اجتياز هذه الرحلة . ومرحلة الطفولة من هذه الناحية - على حد تعبير علماء التحليل النفسى - مرحلة نرجسية Narcissistic ، أى يحب فيها الانسان ذاته ، وحب النفس هو التئام الذات والغرائر الجنسية وتوحدهما ، والحب الذى كان متجها إلى النفس يمكن أن يتجه إلى الأشياء الخارجة عنها ، ويمكن أن يرتد إلى النفس . ويرى فرويد أنه ما دام الحب الذى يتجه إلى الأشياء مصدره حب " الانا " فان حب " الانا " ، وحب الأشياء إذا من طبيعة واحدة ، وعنصر واحد ، ولا داعى للتفريق بينهما ، ويستطيع الانسان
أن يلغي اصطلاح " اللبيدو " أو يعبر عنه بالطاقة النفسية على وجه العموم .
وهكذا امتزجت الغرائز الجنسية وغرائز الأنانية ، وتسربت كل منهما فى الأخرى ، وأصبحنا ما يسميه فرويد " غريزة الحياة " التى تنشد اللذة وتتجنب الألم ؛ ولكن الكثير من المظاهر لا يتسق مع هذه النظرية ، ولا يجعلنا نؤمن بشمولها وقدرتها على تفسير كل شئ ؛ وكان أشد ما استرعى نظر فرويد إلى ذلك تلك الاحلام الرهيبة التى كانت تعاود الجنود وتتمثل لهم فيها تجاربهم القاسية فى ميدان القتال ؛ فقد رأى فرويد أن تفسير أمثال هذه الاحلام بأنها " تحقيق رغبات " تفسير غير مقنع .
أمثال هذه المظاهر وما يقاربها مثل مظهر السادية ، أو الميل إلى إيلام النفس ، ومظهر المازوكية ، أو الميل إلى إيلام الغير - جعلت فرويد يلتمس تفسيرا آخر ويبحث عن نظرية جديدة شاملة ؛ وقد انتهى إلى وجود ميل داخلى فى جميع الأشياء الحية إلى استعادة حالة سابقة للوجود مناقضة للذة ، وقد تناول هذه الموضوع فى رسالته الشهيرة المسماة " ما وراء نظرية اللذة (١) " . وكان للآراء التى بسطها فى هذه الرسالة تأثير كبير على اتجاهاته الفكرية التالية .
وعند فرويد أنه ما دامت الحياة فى الماضى السحيق قد انبعثت فى المادة غير الحية بطريقة ليس من الممكن تصورها ، فتمشيا مع نظريته يرى أن غريزة مستحدثة قد وثبت معها إلى الوجود ، غرضها إلغاء الحياة والعودة إلى الحالة غير العضوية للأشياء ؛ وإذا استوضحنا فى هذه الغريزة الدافع إلى إبادة النفس أمكننا أن نعرف أن هذه الغريزة هى " غريزة الموت " البادية فى كل عملية حيوية .
وهناك إذا دافعان غريزيان هامان : أحدهما يعمل على المحافظة على الذات والنوع ، ويسمى " غريزة الحياة " ، والآخر يعمل على إتلاف النفس وهدم الحياة ، ويسمى "غريزة الموت " . وتعاون هاتين القوتين ينتج مظهر الحياة التى يغتالها الموت بعد ذلك .
ولكن ما علاقة ذلك بالحرب ؟ غريزة الموت هى فى بادئ الأمر وقبل كل شئ مصوبة إلى النفس ، ولكن هذه الغريزة الحاطمة المبيدة تقاوم وتعارض غريزة المحافظة على الذات ، وتحت تأثير هذه المقاومة تنحرف عن هدفها الأصلى إلى الخارج ، وعند ما يحدث ذلك تقع حوادث الاعتداء الجنسى أو السادية ؛ ولا يقتصر الأمر على ذلك ، فقد تحدث اعتداآت أخرى غير جنسية ، وهذه الاعتداآت مشتقة من نبعة غريزة الموت .
وهذا هو أساس التفسير النفسى لمسألة الحرب وما إليها من المظاهر الاجتماعية الشاذة الذى يقدمه لنا فرويد ؛ فالفرد لا يتخذ الفرد الآخر وسيلة لاشباع شهوته فحسب ، بل يتخذه كذلك وسيلة لاشباع ميله إلى العدوان ، ويستغل جهده بغير مئوبة ، وينتهب ما يملكه ، ويستذله وينكل به ، ويسفك دمه ، وكذلك الأمم .
ويعزو فرويد الحرب السالفة إلى تقدم الأسلحة (( لأن الناس على الدوام تضع القوى الجديدة المكتسبة تحت تصرف ميلهم إلى الاعتداء )) وقد اعتقد فرويد أنه بذلك قد حل مشكلة الحرب ورفع النقاب عن وجهها .
ويحاول فرويد أن يوضح أنه قد انساق إلى تصور غريزة الموت بدوافع فكرية يسندها علم الحياة فيقول : " واستمساكى بفرض وجود غريزة الاعتداء والابادة فى الانسان ليس سببه ما تعلمته من التاريخ أو تجربتى للحياة ؛ وإنما سببه اعتبارات عامة انسقت إليها عند ما حاولت أن أقدر أهمية مظهر السادية والمازوكية " .
ولكن مع ذلك فان هذا المظهر ظل مائلا حيال عينيه سنوات طويلة دون أن يوحى إليه هذا الحل ويتأدى به إلى هذه النتيجة .
والحقيقة أن تكوين فكرة (( غريزة الموت )) واعتبارها علامة من علامات الطبيعة الانسانية ، وخليقة من خلائق الانسان ، من الانتاجات العقلية التى أثارتها ظروف العالم الاقتصادية وأزمانه المستحكمة فى رأس فرويد ؛ ومعناها أن فرويد انتقل من فكرة امتناع الحرب - أو على الأقل إغفالها وإسقاطها من حسابه - إلى فكرة أن الحرب ضربة لازم ولا سبيل إلى علاجها وتجنبها .
وقد ألقت هذه الفكرة ظلا من الكآبة على فرويد . والمجتمع الذى يقوم على أساس غريزة مثل غريزة الموت هو بلاريب مجتمع غير مستقر الدعائم ، وقد يوفق المجتمع فى كبت ميلنا الداخلى الصميم إلى التعدى على الغير ، وهو الواجب إذا كان لا بد من بقاء المجتمع ؛ ولكن غريزة الاعتداء سترتد فى هذه الحالة إلى صميم النفس وحمى السريرة ، وتزيد شعورنا بالجريمة إلى حد لا يطاق ولا يمكن الصبر عليه ؟ فالمجتمع إذا بين نارين عظيمتين وخطرين هائلين ، خطر كبت الميل إلى الاعتداء وتقوية الشعور بالخطيئة ، وخطر انطلاق غريزة الاعتداء والتخريب ؛ وهو موقف محير حقا ، لأن الناس لكي لا يشتد شعورهم بالخطيئة يلزم أن يكره بعضهم بعضا ، وينكلوا بغيرهم من الناس ، ويذيقوه ألوان العذاب ، ويفتنوا فى ذلك تبعا لارتقاء أسلحة الحرب وتقدم وسائل التدمير والتخريب .
ولكن هذه الغريزة النزاعة إلى الاعتداء ، والهادمة للحضارة والتى تهدد النوع الانسانى بالابادة والهلاك ألا يمكن ان يتقى شرها وتوجه إلى شئ آخر لتناهى به وتدفع عن العالم شر غوائلها ؟
هنا يلوذ فرويد بحيدته العلمية ، ولا يقدم لنا حلا ،
ولا ينصح لنا بعلاج ، ولكن إذا سلمنا مع فرويد بوجود هذه الغريزة - ولم نقبلها على أنها أسطورة من الأساطير - فهل من المعتذر أن نظن بأن هناك طرائق للتسامى بهذه الغريزة ، وتحويلها إلى اتجاهات نافعة ومجهودات غير محطمة ، أو إيجاد أهداف يصرف إليها الإنسان ميله إلى العدوان والايذاء ؟
ومن المحتمل أن تكون غريزة الموت التى أحزنت فرويد وقراءه مجرد استنتاج انتهى إليه فرويد تحت تأثير مراقبة سلوك الانسان فى ظروف اجتماعية شاذة متحرجة ، تقتضى التعديل والتبديل ، مثل الظروف التى يعانيها العالم فى المرحلة الراهنة من مراحل الحضارة ؛ وهذا السلوك مرتبط بالإطار الاجتماعى الذى وجد الانسان نفسه فى داخله ؛ وقد لا يكون من الصواب أن نستخلص من ذلك أن هذه هى طبيعة الانسان فى كل العصور وخليقته الخالدة التى لا تتغير .
ودوافع الانسان ورغباته وبواعثه تتلون بلون البيئة ، وتتأثر بالعوامل الاجتماعية السائدة ، والأمر يقتضى أن ننظر إلى الغرائز والمحركات والدوافع والمحرضات فى ضوء النظام الاجتماعى الغالب ، وفى ظلال العلاقات الاجتماعية المسيطرة ، وطالما أكدت الحياة نفسها وقاومت القوى المحطمة للحضارة المبيدة للنوع البشرى . وتغيير الوسط الاجتماعى أو تحسين العلاقات الانسانية جدير بأن يطامن النزعات الشريرة ، ويصلح الكثير من العيوب ، وإذا لم نكن من الآملين فى مستقبل الانسانية ، فما أخلقنا أن لا تكون من المتعصبين فى الاستمساك بالأفكار السيئة عن طبيعة الانسان والتوائه وفساد غرائزه ! وهذا العصر بجميع ما ينطوى عليه من حوادث وأفكار لم يخرج عن كونه طورا من أطوار المجتمع المتقلب ودورا من أدوار الحضارة وصفحة من صفحات التاريخ .

