الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 159الرجوع إلى "الثقافة"

فرويد والموت

Share

الموت مشكلة قديمة ممتنعة الحل ، ولغز دائم يضل فى متاهاته الفكر ، وقد جل شأنه ، وعز علاجه ، وصدق فيه قول المتنبى معزيا سيف الدولة :

وقد فارق الناس الأحبة قبلنا

                    وأعيا دواء الموت كل طبيب

ولكن هذا الموت القوي الغلاب لم يستطع أن يستأثر بالتفكير الانسانى ، ويستحوذ على المشاعر البشرية بصفة مباشرة ، ولم يكن على الدوام من المسائل المحببة إلي الفن القريبة من الشعر ، العزيزة على الفلسفة ؛ وتتفاوت العناية به يتفاوت طبائع العصور واختلاف الحوادث ، ففي أيام الحروب وتفشى الأوبئة والأمراض ، تتعلق به الظنون ، ويتجه إليه التفكير ؛ وقد تصور الانسان الموت تارة كالحاصد الذي لا يلين ولا يرحم ، يحصد بمنجله الأرواح ، ويزهق النفوس ، وطورا تمثله باب الخلود ، وجسر الانتقال إلي عالم أسمى وأصفى من عالمنا الأرضى الزائل ، ووصفوه مرة بالعدل ، و أخري بالظلم ، و أبو تمام يقول :

متى ترع هذا الموت عينا بصيرة

                    تجد عادلا منه شبيها بظالم

وكان جيني يري الموت حيلة تلجأ إليها الطبيعة لتستكثر من الحياة وتزداد نضارة ، وكان يعتقد اعتقاداً عميقا أن لا شئ في الحياة يصير إلي بلى ونفاد ، وأن عقولنا باقية خالدة ، وأنها كالشمس تغرب حيال ناظرنا ، ولكنها في الواقع تظل تشع ضوءاً بلا انقطاع .

وكان القرن التاسع عشر يؤمن بفكرة التقدم ، ويقبل فكرة جيني بشيء من التعديل ؛ ولكن جاءت الحرب الكبرى ، فهزت هذه العقيدة ونالت منها ، وأخذت حقائق الحياة المرة القاسية ترفع رأسها الحزين ،

وتبسم ابتسامتها الساخرة ، وبدا الموت من جديد في صورة مشكلة عميقة تسترعي النظر ، وتطالعنا من كل النواحى ، وأخذ الأدب يعالجها والفلسفة تدور حولها . والموت في الأدب العربي الحديث مشكلة حقة لها مكانتها ؛ وقد جري بعض الروائيين البارزين في علاجه على نمط التفكير الاقتصادى الغالب علي هذا العصر ، ففرق بين موت الفقير وموت الغنى ، فالفقير الصعلوك يستسلم للموت ولا يتقدم بطلبات ؛ ولكن الغنى - الرأسمالى - يجاهد ويقاوم لأنه يخشى أن يفقد ما يملكه ، ويتشبث باسمه المحترم ومكانته السامية ، ويحرص على رصيده في المصارف وما تغله عليه ضياعه الواسعة وأملاكه الكثيرة . وقد وصف الكاتب الألماني البار ع فرانز ورفل  Franz Werfel  في أقصوصته " موت فقير " وفاة رجل من سكان فينا كان يعمل وكيلا لأحد المحلات التجارية ، وأصيب بذات الرئة ، وعلقته حبال الموت ؛ ولكنه ظل يجاهد ويناضل لتأخير موته بضعة أيام حتي يتم الخامسة والستين ، ويحصل لأسرته على مزايا التأمين المستحق في هذا التاريخ ؛ وكانت بوادر أفكاره ، وعوابر أحلامه ، وهواجسه الأخيرة تنم جميعها عن الصراع العنيف القائم في عقله الباطن بين التحلل الطبيعي الذي أخذ يدب في جسمه ويستنزف حيويته ، وغريزة المحافظة على أسرته ، وضمان مستقبل أولاده ، وكانت تمر قبالة عينيه الداخليتين حوادث حياته البارزة شوهاء مهوشة ؛ ولكنها على ما بها من اضطراب جلية الرمز ، ويتراءي له رؤساؤه السابقون مثل كاهن كنيسته ، ومدير الشركة التي كان يعمل بها ، و قائد فرقته ، ويأمرونه بالخضوع لمشيئتهم ، والاستسلام لطلب " الذات الأسمى " ؛ ولكنه يظل يجاهد حتي يصل إلى بر السلام ، وبر السلام هنا هو انتقاء غائلة الفقر ، وذلك بحلول ميعاد دفع التأمين . وقد جري الانسان أشواطاً بعيدة ، وبذل جهوداً ضخمة ليؤكد خلوده ، ويضمن

بقاءه ؛ ولكن هذا الجهد المبذول لم تعززه حجة واضحة ، وإنما أيدته رغبة حافزة ترعي إلي دره الشكوك ، وانتزاع الإيمان . وقد دلت هذه الرغبة المتمكنة على شدة حرص الإنسان على تبرير هذا المعتقد العزيز ، وتسوبغ هذا الأمل الغالي ؛ وليس عندنا دليل متماسك الأجزاء حاسم الاثبات على خلود النفس ، ولا تجربة معهودة ؛ وإنما اعتمادنا في الاستمساك بهذه العقيدة على قيمتها العملية من ناحية ، وعلى جذورها العاطفية الواغلة في أعماق الطبيعة الإنسانية من ناحية اخرى . والاعتقاد بخلود النفس قد تخذله البراهين المنطقية ، وتعوزه الحجج الرياضية ولكن له من شدة تشبثنا به ، وعمق حاجتنا إليه ما يجعل لوجوده قيمة

ولكن ما هو خلود النفس هذا ؟ يري بعض المفكرين أن معنى خلود النفس هو امتداد تاريخ الفرد الإنساني إلي ما بعد هذا الحادث الخطير المسمى " الموت " ولكن هل الخير للانسان أن تنتهى حياته بتلك الخاتمة ، وتقف عند هذا الحد ، أو الخير له أن تكون هذه الحادثة مجرد انتقال إلي مرحلة جديدة من مراحل الوجود يظل فيها الفرد محتفظا بذاتيته ، وتستطيل مجهوداته ، ويتسع نطاق أعماله ؟

وقد رأي فريق من الناس أن الاعتقاد بخلود النفس يحرم الفرد فرصة لقاء الموت بشجاعة ونبل ؛ وإذا كان الموت محض انتقال من حياة إلى حياة أخرى ، فما مصير البطولة والتضحية والشرف ؟ و أرجح أن المتنبى كان يرمى إلي ذلك في قوله عن الدنيا :

ولا فضل فيها للشجاعة والندى

                        وصبر الفتى لولا لقاء شعوب

ولكن الحقيقة أن مسألة خلود النفس في حاجة إلي البرهان العقلى ؛ وسيظل الموت خسارة ظاهرة ، ونكبة مرهوبة ، وسيظل الناس يخشون لقاءه ؛ والاعتقاد بالحياة

المقبلة قد يلطف الموت ، ويهون وقمه ، ولكنه لا يقضي على فزعنا منه ، ولا يروضنا على قبوله والترحيب به وقد يمنحنا الأمل ، ولكنه مع ذلك يترك مقسما لاظهار التجلد والعزم والشجاعة والنبل .

وقد أخذت الحرب الكبرى السالفة فرويد وغيره من الكتاب على غرة ، وأرغمته على التفكير في مشكلة الحرب ؛ ومشكلة الحرب في دورها اضطرته إلي تناول معضلة الموت ، ولغز البقاء والخلود ؛ وفرويد مفكر صارم التفكير ، صلب المعاجم ، لا يترفق ولا يتجمل ، وإنما يتصلت في طريقه ، و يمضي قدما إلي غايته ، وهو من المفكرين الذين تعود الناس أن يسموهم هادمى الأصنام ومبددى الأوهام ؛ وقد لقيت آراؤه معارضة شديدة ومقاومة عنيفة من الخصوم والأصدقاء لاعتقادهم أن نظرياته واتجاهاته وتحليلاته تهز أسس الدولة ، وتنقض بناء الأخلاق ، وتراخى روابط الأسرة ، وتفسد الدين والوطنية ، ولكنه جعل ذلك كلمه دبر أذنه وتحت قدمه ، لأن رسالة المفكر في عرفه ليست تغذية الأوهام ، وتعهد الأحلام ؛ وظل يعمل بعزيمة لا تكل ، وصبر لا ينفد . ويرى زفاينغ - وهو أحد المعجبين به القادرين لعبقريته - أن فرويد لم يجعل الدنيا أوفر جمالا وأكثر سعادة ، وإنما أعان الإنسان على أن يفهم نفسه .

قال فرويد في رسالته عن الموت التي وضعها في سنة ١٩١٥ : " لقد كنا بطبيعة الحال علي أتم استعداد للتسليم بأن الموت هو نتيجة الحياة المحتومة ، وأن كل إنسان مدين للطبيعة ، وعليه ان ينتظر ذلك اليوم الذي توفي فيه ديونه ، ويقلق فيه رهنه ؛ وباختصار إن الموت طبيعى ، ولا مفر منه ، ولا سبيل إلي تجنبه ودفعه ؛ ولكن الواقع أننا كنا نتصرف كما لو كان الأمر على نقيض ذلك ؛ ولقد كنا نظهر رغبة واضحة في نبذ الموت ، وإقصاء خياله عن الحياة ، واحتواء التفكير فيه ، ولم يمر ببالنا موتنا ،

بل لم تستطع تصوره . وتستطيع مدرسة التحليل النفسي أن تجتريء على القول بأن كل فرد لا يعتقد في أعماق نفسه ومستكنات ضميره بأنه سيموت يوما ما ؛ والرجل المتحضر يتحاشي الاشارة إلي موت الآخرين في حضرتهم ، بل هو لا يستطيع أن يخطر بباله فكرة موت غيره دون أن يبدو لنفسه في مظهر المتحجر القلب ، الدغل السريرة ، إلا إذا كان طبيباً ، أو ميدرها تحتم عليه مهنته أن يتناول موت الغير من الناحية العملية . ويعمل الانسان على تجنب الاشارة إلي موت الغير على وجه الخصوص إذا كان في ذلك الموت ما يكسبه حرية أو ينيله مركزاً ويحقق له غاية . وعند ما يمضي الموت بأحد نتأثر تأثرا عميقا كأننا قد أصبنا بما يعكس آمالنا ، ويخل بحسابنا . ومن عادتنا أن ننظر إلي السبب العرضي العابر للموت ، فنعزوه إلي حادثة ، أو نفسيه إلي المرض أو العدوي أو تقدم السن ؛ وتصرفنا هذا ينم عن محاولتنا تعديل معنى الموت ، ونقله من ضرورة قاهرة إلي حادثة عرضية ؛ ونقف من شخص الميت موقفا خاصا منطويا علي الشعور بالاعجاب والاحساس بأنه قد قام بعمل شاق ، وننسي أخطاءه ، ونغض الطرف عن عيوبه ، ونمسك عن نقدنا له ، ونعتقد أنه من الخير أن تستبقى ما يحسن إلي ذكراه ؛ وهذه الرعاية لحرمة البيت أغلي في نظرنا وأعز علينا من الحق نفسه

وهذا الموقف التقليدي حيال الموت بين المتحضرين يبدو في أسمى نواحيه في ذلك الحزن الغامر الشديد ، و الهم المقعد المقيم ، الذي يلم بنا عند ما يتخطف الموت شخصاً أثيرا في نفوسنا ، جد قريب منا ، مثل الابن أو الزوجة أو الشقيق أو الصديق ؛ وهنا يخيل إلينا أننا نواري معه في القبر سعادتنا ، وندفن آمالنا ، ولا تجد ما يملأ الفراغ الذي تركه في نفوسنا ، وتتسلب الدنيا في نظرنا ، وتقبض بشاشتها ، وتصوح زهرتها ؛ ولهذا الموقف من الموت تأثير شديد على حياتنا ، فان مثل هذا الحزن الذي لا نقوى على حمله يجعلنا نحب السلامة والأمن لمن تربطنا بهم

الروابط القوية ، ونتأي بهم عن ركوب الأخطار ونجتم الصعاب ؛ والنتيجة المحتومة لذلك هي إقفار الحياة واضطرارنا إلي التماس المتعة في عالم الخيال والأدب والمسرح ؛ ففي هذا العالم الفسيح الرحاب المتسع الميادين محبا مع قوم يعرفون كيف يموتون ، ونستطيع أن توثق علاقتنا مع الموت ، لأننا نوعي أننا أنفسنا من وراء التقلبات ، ونوازل النكبات ، و حوائر الحظوظ ، محتفظين بوجودنا .

ولكن تجيء الحرب وتكتسح كل ذلك ، وتقلب تفكيرنا رأسا على عقب ؛ ففي الحرب لا نستطيع إنكار الموت ، ولا مفر لنا من مواجهته والاعتراف بحقيقته فالناس في الحرب لا يردون حياض الموت فرادى ، وإنما يردونها زراقات ، وربما يموت في اليوم عشرات الألوف .

في هذا الموقف لا نستطيع أن ننظر إلي الموت نظرتنا السابقة ؛ ومن أسباب حيرتنا وما أصابنا من تبلبل واضطراب أننا أصبحنا لا نستطيع الاحتفاظ بنظرتنا السالفة للموت ، ولم تعرف بعد السبيل إلي أن نقف منه موقفاً آخر يلائم الأحوال الراهنة ؛ وربما ينفعنا ، ويجدى علينا ، ويهدينا سواء السبيل ، أن نوجه هنا بحثنا النفسى إلي ناحيتين لهما علاقة أكيدة بالموت : الأولى يمكن أن نعزوها إلي القوم البدائيين ، والثانية كامنة في طوية كل منا ، ولا يكاد يسطع عليها ضوء الوعي ؛ وقد وقف الانسان البدائى من الموت موقفاً يسترعى النظر ؛ ولم يكن هذا الموقف مطرداً متساوقاً ، وإنما كان متناقضاً للغاية ؛ فهو من ناحية قد أخذ الموت مأخذ الجد ، واعتده نهاية للحياة ؛ ولكنه من ناحية اخرى أنكر الموت وأحاله لا شئ ؛ ومصدر هذا التناقض هو أن موقفه من موت الأغيار والغرباء عنه وأعدائه كان يختلف عن موقفه من موت أقاربه وأحبابه فلا بأس عنده في موت الغير لأن معناه هلاك مخلوق يمقته ، وهو لا يتردد في تهيئة أسباب هذا الهلاك ، ولكنه - مثلنا اليوم - لم يستطع أن يتصور هلاك نفسه وانطفاء شعلة حياته ؛ ولكن

كانت هناك حالة كان له فيها موقفان متعارضان ، وقد أثرت هذه الحالة في تفكيره تأثيراً بعيد المدى ، عظيم الأثر وكانت تحدث هذه الحالة عندما يرى الرجل البدائى أحد أقاربه الأدنين جثة هامدة ، فقد كان ذلك بهيج لواعجه . ويرغمه وهو يتعزي من الألم على أن يعتقد أن الموت قد يسلب حياته كما انتهت حياة أقاربه وأصدقائه ، وهو اعتقاد تأباه نفسه وتعافه وتثور به ، وتأبى الاستسلام له ؛ وحقيقة أنه قد فقد في موت أعزائه وأصفيائه جزءاً من نفسه ، وانهار ركن من حياته ، ولكن من ناحية اخري كان في كل فرد من هؤلاء الاعزاء جانب آخر غربت عنه ومنافر له ؛ وكل واحد منهم كان إلي حد ما عدوا في ثياب صديق ، فالحزن على فقدهم يتضمن عنصراً من عناصر السرور ، وعاملا من عوامل الشماتة - ويستنجد هنا فرويد بقانون تناقض العواطف الذي قطن له ، واستوفي بحثه ، في كتابه القيم عن الطوطمية والمحرمات (Totem & Taboo) و يقضى هذا القانون باجتماع الحب والكراهة لشخص بعينه في وقت واحد - وقد كان لقانون تناقض العواطف مدى واسع في العصور البدائية ؛ فالموتى المحبوبون كانوا في نظر ذلك الانسان البدائي أعداء وغرباء إلي حد ما

ولقد أعلن الفلاسفة أن الموت هو الذي كشف للرجل البدائي عن تلك الأحجية العقلية التي أرغمته على التفكير وفي اعتقادى أن الفلاسفة يفكرون هنا تفكيراً فلسفيا محضاً ، ولا يلقون بالهم إلى الدوافع البدائية التي كيفت تفكير الانسان ؛ والرجل البدائى يطرب لمصرع خصمه دون أن يفكر في غريبة الموت ولغز الحياة ، وإنما الذي آثار تفكيره واستجاش عواطفه هو موت الشخص المحبوب ، والذي هو في نفس الوقت غريب ومكروه ؛ والإنسان في هذا الموقف لا يستطيع أن ينفى شبح الموت ، فقد لمس قربه و تجرع مرارته في حزنه على من مات من أحبابه ، ولكنه مع ذلك لم يعترف بالموت كل الاعتراف ، لأنه لا يستطيع أن يتصور نفسه ميتاً ، ولذا أوجد حلا وسطاً ؛

فهو من ناحية سلم بفكرة الموت ، واعتقد أن هذا الموت قد يمضي به كما مضي بغيره ، ولكنه جرد الموت من معنى الفناء والهلاك والابادة ، وفي أثناء تأمله لجثة من أحبه ولم يهن عليه فقده اخترع الأرواح ؛ وشدة شعوره بالجريمة من جراء هذا الطرب الممتزج بالحزن عند مصرع الاعزاء ، جعل هذه الأرواح الحديثة الميلاد شريرة قادرة ، وخلق منها الشياطين المرعوبة ، والأشباح الخبيثة المؤذية ؛ و ما أحدثه الموت من تغيرات أوحى إليه فكرة تقسيم الفرد إلي جسم وروح ، وفي بادئ الأمر إلي جسم وأرواح كثيرة ؛ وصارت ذكري الميت الباقية في الذاكرة أساساً لفرض حالات أخرى من الوجود ، ومهدت للانسان سبيل تصور بقاء الحياة بعد الموت الظاهري ؛ ثم جاءت الأديان وتوسعت في هذا الرأي ، بل ذهبت إلي أن الحياة الأخرى خير وأبقي من الحياة الحالية ، وأن الحياة الحالية هي مجرد إعداد وتأهب للحياة التالية ؛ وكان مما يلائم ذلك أن نمد جذور الحياة إلي الماضي السحيق ، وأن يتصور الانسان ضروباً شتي من الوجود سابقة لوجوده الحاضر وهذا هو أصل الاعتقاد بتناسخ الأرواح وتقمصها ؛ وكل هذا محاولات لتجريد الموت من معناه الأصلى من حيث هو خاتمة الحياة ، فانكار الموت جاء مبكراً في تاريخ الإنسان .

وبازاء جثة المحبوب لم تولد فكرة الروح " و " الاعتقاد بالخلود " " و شعور الانسان العميق بالخطيئة " فحسب ؛ وإنما أيضا وجد أول اتجاه إلي خلق القانون الأخلاقى والشرائع الأدبية . و أول أمر أصدره الضمير المستيقظ من سباته هو " لا تقتل " وقد نشأ ذلك نتيجة لرد فعل شعورنا الخفي بالسرور بالذي كان يختبئ خلف حزننا على موت الأعزاء المحبوبين ؛ وقد قوي هذا الشعور وبسط ظلاله على الغرباء المكروهين ، ثم ازداد قوة وامتد رواقه حتى شمل الأعداء

ولنترك الآن الرجل البدائى ، و نتحول إلي تأمل أثر العقل الباطن في حياتنا الفكرية ؛ فما هو موقف عقلنا

الباطن حيال مشكلة الموت ؟ في هذه المسألة كما في غيرها من أمهات المسائل لا يزال الانسان البدائى مقيما في نفوسنا ، وعقلنا الباطن لم يتغير موقفه ، فهو ما يزال على إصراره في رفض الاعتقاد بامكان موتنا المطلق ، فنحن في نظره خالدون ؛ ويتبع ذلك أن غرائزنا جميعها لا تؤمن بالموت - ولم يكن فرويد قد فرض بعد وجود غريزة الموت التي سبق أن تحدثت عنها في المقال السابق عن فرويد والحرب - وربما كان ذلك هو السر فيما يقوم به الانسان من أعمال المخاطرة والأقدام على المكروه ؛ ومن الناس من يفسر البطولة بأنها قائمة على اعتقادنا الصميم بأن حياتنا الشخصية الفانية أقل قيمة من مثلنا العليا المجردة ؛ ولكني أعتقد في الأغلب أن هذه البطولة الغريزية لا تعرف مثل هذا الدافع الذي لا يقوى على مغالبة التردد والاتيان بأعمال البطولة المتمشية مع عقلنا الباطن

ونحن من ناحية اخرى - مثل الرجل البدائى - نعترف بموت الغرباء عنا وموت أعدائنا ؛ وعقلنا الباطن يحاول أن يزيل من طريقه كل من يعترض سبيلنا ، فإذا حكم علينا بما في عقلنا الباطن من رغبات خفية ونيات مبيتة ، فاننا جميعاً مثل الانسان البدائى عصبة من المجرمين السفاكين ؛ ولحسن الحظ فان هذه الرغبات التي تعتمل في نفوسنا ليس لها قوة رغبات الانسان البدائى ، وعرام أهوائه ؛ وإلا لهلك الناس وفيهم احكم الحكماء وأجمل النساء

ويشعر هنا فرويد بأنه يذهب مذاهب غريبة ، وربما يدعي ادعاآت عريضة غير مألوفة ، فيسترسل قائلا : " وسواد الناس لا يثقون بالتحليل النفسى لأمثال هذه التأكيدات ، وهم يرفضونها و يعدونها افتراآت لا دليل عليها ولا سند لها ؛ والذي حدث للرجل البدائي يحدث نظيره في عقلنا الباطن حيال الموت ، وذلك عند فقد أحد

أحبابنا والمقربين منا ؛ ففى هذه الحالة يتراءي لنا الموت من ناحية مبيداً للحياة عاصفا بها قاضياً عليها ؛ ومن ناحية أخري يبدو لنا عاجزاً عن الانتصار عليها ، مغلوباً على أمره ، منهزماً مدحوراً ؛ وهؤلاء الأعزاء الذين يطويهم الموت هم من ناحية اخري أعداء لنا وغرباء عنا

وعامة الناس يستنكرون هذه المشاعر ، ويستقظمون هذه الآراء ، ويخالون مثل هذا الانكار أو الاستفظاع كافياً لنقض حقيقتها ، ويتخذونه وسيلة للنيل من التحليل النفسي والزراية به ؛ وهذا في اعتقادي مذهب خاطئ ، فليس المقصود هنا هو الانتقاص لقدر الحب . حقيقة أن عقولنا لا تألف هذا الجمع بين الحب والبغض ، ولكن الطبيعة تحاول باستعمالها هذين التوأمين المتناقضين أن تجعل الحب يقظا مستوفزا ، منتبهاً للعدو الرابض له ، المختبئ خلفه . ويمكن أن أقول بأننا مدينون بخير ما في حياتنا الوجدانية من أزاهير جميلة لرد الفعل الذي يقوم بنفوسنا لمناهضة دافع العداء الذي نلمحه في طويات قلوبنا ، ودخائل نفوسنا . وخلاصة القول أن فكرة موتنا وهلاكنا لا يمكن أن نرتقى إلي شباب عقلنا الباطن ، و أن هذا العقل الباطن لا يزال ينزع إلي قتل كل غريب عنا ، بعيد عن نفوسنا ، و أنه لا يزال موزع الميول متناقض العواطف تلقاء من نحبهم ونعزهم .

ومن السهل الهين أن نري تأثير صدمة الحرب في مثل هذه العواطف المتناقضة ؛ فالحرب تجردنا من زوائد الحضارة وإضافاتها وحواشيها المصطنعة ، وتكشف عن الإنسان البدائي الكامن في نفوسنا ، وتضطرنا إلى أن نصير أبطالاً لا نصدق بأننا سنموت ، وتجعلنا ننظر إلي الغير نظرنا إلي العدو الذي نرجو موته و نريد قتله ؛ وما دامت العلاقة بين الأمم كما هي فالحرب باقية " .

ويرى فرويد أنه من الخير أن نفسح في نفوسنا مكاناً لفكرة الموت كما كانت تتراءى للانسان البدائى ؛ وليس

هذا بالعمل المجيد الباهر ، وإنما هو ارتداد إلي الوراء ونكسة تصيب الانسان ولكن فرويد يري أن هذه المحاولة تعيننا على احتمال الحياة ، واحتمال الحياة هو أول واجبات الأحياء ، ولا قيمة للأوهام إذا حالت بيننا وبين ذلك ؛ ومن أراد أن يستديم الحياة فليستعد للموت ؛ وهذه هي النصيحة الغالية والوصية القيمة التي يقدمها لنا كبير علماء النفس المحدثين ، وأحد شيوخ مفكرى العصر وأعلام الثقافة ؛ وفي الحق أنها نصيحة محزنة ، ووصية غير سارة ، ترينا عمق التشاؤم الغالب علي تفكير هذا العصر ، وتقربنا بأن نردد قول المتنبى :

أتى الزمان بنوه في شبيبته

               فسرهم وأتيناه على الهرم

اشترك في نشرتنا البريدية