الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد الرابعالرجوع إلى "الرسالة"

فلسفة نيتشه

Share

لسنا نحسب أن داروين، حينما أذاع رأيه فى تنازع البقاء  وبقاء الأصلح، كان يدور فى خلده أن ذلك الرأى سيكون له من  العمق والسيطرة الفكرية ما له اليوم، وأنه لن يقتصر على الأحياء  من نبات وحيوان، بل سيتعداها إلى كل لون من ألوان النشاط  الانسانى؛ فأساليب الحكم، "والدين، والأدب، والفن، والفلسفة،  كل هذا وما هو أدق من هذا وأجل. يحاول الكتاب الآن أن  يخضعوه إخضاعاً لقانون تنازع البقاء. فعسانا لا نسرف فى القول  إذا زعمنا أن داروين هو رب الفكر الحديث، يتأثر خطاه آلاف  المفكرين والكتاب، وأصبح بقاء الأصلح غرض الرمى فى الكثير  الغالب من أبحاث العلم والفلسفة والفن جميعا .

وفلسفة نيتشه هى واحدة من تلك الفلسفات العديدة التى يرجع  نسبها إلى قانون داروين، فقد استولد نيتشه ذلك القانون واتخذ  منه مقدمة، ثم استخرج فلسفته كنتيجة لازمة لتلك المقدمة، ولم  يجد التردد إلى نفسه سبيلا فى إذاعتها فى الناس على خطورتها،  واقعة ما وقعت من نفوسهم.

ما دام قانون تنازع البقاء وبقاء الأصلح يسيطر على كل مظاهر  الحياة، فلابد للواهن أن يخور ويتلاشى، ولابد للقوة فى  كل شيء أن تظفر آخر الأمر، وإذا فالمثل الأعلى للفضيلة هى القوة  دون سواها، والضعف هو علة العلل وآفة التقدم. فأيا كانت  الأخلاق التى تثبت قدمها فى معترك البقاء، فهى الفضيلة وهى الخير،  وأيا كانت الأخلاق التى تخور قواها فتسقط صريعة فى الميدان  لتخلى الطريق لسواها فهى الرذيلة وهى الشر.

هكذا يبدأ نيتشه منطقه ثم يتابع هذا المنطق الى نهايته. حتى يصل آخر الأمر إلى نتيجة خطيرة كل الخطر: إلى نبذ المسيحية بل إلى نبذ الاديان جميعا مادامت تذكر مبادئ العطف والايثار والاستسلام ثم ينادى بدوره بوجوب القسوة والقوة والعنف لأنها قرية، ولأنها أقدر على البقاء.

الانسانية فى حياتها وفى تقدمها تحتاج إلى القسوة دون الرحمة  وإلى الكبرياء دون التواضع، وإلى الذكاء والسيطرة دون الايثار. أما هذه المساواة والديمقراطية التى اتجهت إليها الشعوب فى التاريخ الحديث. فانما تقف عقبة كؤودا فى سبيل الانتخاب الطبيعى للبقاء.

فليس فى الكثرة العددية والجموع البشرية كمال الإنسانية المنشود.  ولكن فى الصفوة القوية العبقرية وحدها. إذا فليس من المنطق  فى شيء أن تكون المساواة أساس الأجتماع، تلك المساواة التى  تحد من قوة القوى، وتضيف إلى الضعيف قوة مصطنعة أبتها عليه  الطبيعة. فلننبذ الديمقراطية نبذ النواة، ولنخل الطريق أمام القوة  لكى تستطيع أن تتبوأ مكانها وتتحكم فى أعناق الجماهير، وليكن  المثل الأعلى فى الحكم هو بسمارك وأشباهه الذين يسوسون الشعوب  بالنار والحديد.

الاخلاق

أراد نيتشه أن يقوض بناء الأخلاق السائدة من أساسه، ليقيم  على أنقاضه بناء خلقياً جديداً. أراد أن يبيد هذا النوع الإنسانى  ليخلق ضربا آخر من الإنسان قوياً عنيفاً ذكيا  كما يريد: هو  السوبرمان (الإنسان الأعلى).

فقد شهد التاريخ نوعين مختلفين من الأخلاق: أخلاق نبيلة  سامية، كانت شعار الشعوب القديمة، وبخاصة الرومان. إذ  كانت الفضيلة تعنى الرجولة والجرأة والشجاعة، وأخرى وضيعة  دنيئة ظهرت فى الشرق، اصطنعها اليهود اصطناعاً أيام ضعفهم.  حيث الفضيلة عبارة عن مجموعة من صفات ترجع فى أصولها إلى  الخور والاستكانة والذل. فالخضوع قد خلق التواضع خلقا. والعجز كون الإيثار تكوينا، وهكذا نسج القوم حولهم نسيجا  من الأخلاق الهزيلة الخائرة يدرعون بها حيث لا مقدرة لهم  ولا سلطان، ونزعت النفوس إلى السلم والتماس النجاة، بعد أن  كانت تلتمس مواضع القوة والخطر؛ فحل الخداع والمكر محل  القوة، والإشفاق والعطف مكان الصلابة والعنف، وجاء التقليد  دون الابتكار والإنشاء، وقام الضمير حكماً يلتجأ إليه مقام التفاخر  بالشرف .. فالشرف وثنى، رومانى، أرستقراطى؛ أما الضمير  فأثر من آثار اليهودية فالمسيحية فالديمقراطية:

ويقول نيتشه إن الأنبياء استطاعوا بما أوتوا من قوة الشخصية  وسحر البيان أن يزينوا للناس ذلك النوع الهزيل من الأخلاق،  حتى رسخت فى نفوسهم وأصبحت عقيدة ليس إلى نبذها من سبيل، فإنقلبت الأوضاع، وأصبح الفقر والضعف هما جوهر الفضيلة، والقوة والثراء عنوان الرذيلة.

وقد بلغ هذا التقدير الخلقى أقصى حدود التقديس أيام المسيح  الذى جعل الناس جميعا سواسية، ومن هنا أشتق العصر الحديث  مبادئ الديمقراطية والاشتراكية، التى يعتقد نيتشه أنها الطريق

المؤدية إلى الدمار والخراب

ولكن الطبيعة تأبى الا أن تهدى الإنسانية سواء السبيل  فزودتها بإرادة غريزية لا تخطئ ولا تطيش لها سهام، فأنت إذا  أمعنت النظر فى الطبائع البشرية، أيقنت أن هذه الأخلاق السائدة  من عطف ورحمة وإيثار وتضحية وما إلى ذلك، ليست الا ستارا  رقيقا يخفى وراءه دافعاً غريزياً يمتلك من الإنسان قياده، نعم ذا  أنت أمعنت فى تحليل النفس الإنسانية، وجدت "إرادة لقوة"  مستقرة فى صميم الأعماق، تسير بالإنسان حيث تشاء. أعنى أن  الإنسان يلتمس القوة والسيطرة فى كل ما ينزع إليه من أعمال  وما يجيش فى نفسه من مشاعر، وهذا الحب الذي يتخذه كثيرون  دليلا على الإيثار بحجة أن التضحية فيه واضحة لا تحتاج إلى دليل  هو فى أعماقه رغبة فى التملك، فما يبذله المحب فى سبيل حبيبه يدفعه  ثمنا للسيطرة على مخلوق آخر!! بل يزعم نيتشه أكثر من هذا  فيقول إن من يتفانى فى البحث عن الحقائق، لا يصرف مجهوده فى  سبيل الله من دونه. بل هو فى الواقع يحاول أن يمتلك الحقائق  قبل الآخرين.

وإرادة القوة هذه تملى على الإنسان ألوان الفلسفة وشتى  ضروب الفكر، فمخطئ واهم من يحسب أنها تمثل الحقائق الواقعة،  وإنما هى صورة منعكسة لرغباتنا، فالفيلسوف لا يضع المقدمات  الصحيحة ثم يستنبط منها حكمته، ولكن الفكرة تنشأ وتتكون فى ذهنه أولاً ثم يجيء بعد ذلك المنطق الذى يبررها.

فهذه الرغبات الغريزية المستترة وراء تلك الحجب الكثيفة  من الأخلاق الظاهرة، هذه "إرادة القوة" هى التى توجه ميولنا  وتكون آراءنا.

فالمنطق إذا ثوب رياء نخدع به أنفسنا، أو بعبارة خرى،  تتخذ "إرادة القوة" من المنطق مبررا لأعمالها أمام العقل  الإدراكى، ولكن الرجل القوى لا يحاول أن يستر إرادته وراء  هذا الستار المنطقى الشفاف، الرجل القوى لا يعرف الا منطقا  بسيطاً ينحصر فى كلمتين، هما: "أنا أريد" ومتى أراد فلا حاجة  إلى التماس المبررات. ولكن جاءت المسيحية فعكست الأوضاع  الطبيعية وأصبح الرجل القوى يستحى من قوته، ولابد له من  البحث عن منطق لرغباته. وبذلك أخذت الأخلاق الأرستقراطية  القوية الصالحة تذوى وتندثر، ونهضت قطعان الشعوب تقيم على  أنقاضها صرحاً جديداً للأخلاق التى تلائم ضعفهم، وليس من  سبيل إلى الشك فى أنه إذا أرغمت أنوف الأقوياء، وأخذت  السوقة تتبوأ مكان الزعامة من الإنسانية، فهى سائرة بخطى حثيثة

إلى الدمار والفساد. ولسنا بحاجة إلى أن نقول إذا كانت  الشفقة والرحمة والسلام خيراً، فليست الصراحة والعنف  والحروب بأقل منها نفعا للمجتمع الإنسانى: وبديهى أن هذه  الأخلاق قد دافعت عن بقائها طوال العصور، ولم تبق الا  لأنها نافعة وصالحة ولولا أن "الشر" خير لاختفى من الوجود.  فمن الحمق أن ننشد خيراً مطلقاً بل لابد للأخلاق أن تتطور  فى الخير والشر على السواء، أى لابد للخير والشر أن يقفا جنبا  إلى جنب، وأن يأخذ كل سبيله إلى الارتقاء.

السوبرمان

ما دامت الأخلاق تنزع إلى القوة فى تطورها، فغرض  الإنسانية لا يجوز أن يلتمس فى السمو بالطبقات جميعا، وإنما  يلتمس فى تكوين نخبة صالحة؛ فى تكوين السوبرمان  ومن العبث أن ينصرف المجهود البشرى نحو إسعاد السوقة. بل  يجب أن يتجه بكل قوته نحو إبادة هذا النوع من البشر، وإيجاد  نوع أعلى مرتبة فى الأخلاق؛ وانه لخير للإنسانية ألف مرة أن  تتلاشى وتندثر من الوجود إذا لم تكن سائرة نحو تحسين النوع  والارتفاع به. فليس المجتمع غرضا فى ذاته، إنما هو أداة لزيادة  قوة الفرد ونمو شخصيته، وهذا الفرد القوى السامى هو السوبرمان.  الذى يؤمل نيتشه أن يخرج من أحضان الإنسان الحالى، وهو  لا يعتمد في ذلك على الانتخاب الطبيعي، بل يريد أن يتعمد تكوينه  بوسائل التربية، لأنه لاحظ أن تطور الحياة الطبيعى لا يعمل على  إيجاد الفرد القوى الممتاز، وأن الطبيعة أقسى ما تكون على خيرة  أبنائها، فلا سبيل إلى السوبرمان إلا بالانتخاب الصناعى والأخذ  بوسائل "اليوجنية" والتربية الكاملة، وهو يقترح لتحقيق ذلك أن  نعنى بزواج الرجال الأقوياء من نساء ذوات قوة ممتازة، حتى  لا يكون الزواج لمجرد التكرار، بل أداة للتسامى، فإذا ما أنتج  ذلك الزواج نسلا، أعددنا له مدرسة خاصة تروضه على القسوة  والعنف والجرأة والشجاعة، لا يتردد فى تنفيذ أغراضه مهما  اعترض سبيله من عقبات، غير عابئ بشر أو بخير، فليس الخير  إلا ما يزيدنا شعورا بالقوة، وليس الشر الا ما تخور معه العزائم

الارستقراطية

الاستقراطية وحدها هى الطريق إلى السوبرمان، فيجب أن  نبحث الديمقراطية من أصولها، وأن نحطم فى سبيل ذلك المبادئ

المسيحية بأسرها لأنها والديمقراطية صنوان

الديمقراطية معناها الدمار، معناها أن يتصرف كل جزء من  الكل العضوى كيفما شاء، معناها التحلل والفوضى، معناها استخفاف  بالعبقرية والنبوغ. معناها استحالة ظهور العظماء، إذ كيف يخضع  العظيم لمهزلة الانتخابات، وهذه الشعوب تنبذ النفوس الكبيرة  الحرة الجريئة نبذ الكلاب للذئب الجسور؟ نعم تنبذ النفوس  الثائرة على القيود والعبادات، والتى لولاها لظلت الإنسانية حيث  بدأت فى ركود مميت. فكيف السبيل إلى استنبات السوبرمان فى  مثل هذه التربة الجدباء؟  كلا! لا سبيل إلى ذلك فى مثل هذا المجتمع  الذى يرفع على أكتافه رجل الأغلبية دون الرجل العبقرى العظيم.  فى مثل هذا المجتمع الذى يحاول عبثا أن يسوى بين أفراد جعلتهم  الطبيعة درجات بعضها فوق بعض.

وإذا كان نيتشه ينادي باقتلاع الديمقراطية وتحطيمها. فهو  بالتالى يسخر من الاشتراكية لأنها وليدة الديمقراطية وربيبتها،  فإذا كانت المساواة السياسية عدلاً، أفلا تكون المساواة الاقتصادية  عدلا كذلك؟

لا! العدل أن لا مساواة بين الرجال، والطبيعة نفسها تأبى هذه  المساواة وتسعى جهدها فى تباين الأفراد والطبقات والأنواع.

الحوت الكبير يلتهم السمك الصغير، هذه سنة القوة وخلاصة  الحياة؛ فلتكن كذلك سنة الإنسانية ومثلها الأعلى فى الأخلاق  بغير مواربة ولا رياء.

نقد

يدعو فردريك نيتشه الإنسان الحالى إلى الفناء والتضحية بنفسه  فى سبيل السوبرمان، ومن التناقض الظاهر أن يصدر عنه نداء  بالتضحية فى الوقت الذى يؤكد فيه أن الأخلاق القوية الصحيحة  هى التى تدور حول الأنانية والاعتزاز بالنفس! كيف تريدنى على  إنكار نفسى وتمهيد الطريق لسواى، أستغفر الله بل تدعونى إلى  إخلائها وتركها لمن هو خير منى، وفى هذا من الاستكانة والضعف  ما يعود نيتشه فينكره أشد إنكار؛ ولم لا أثبت أنا فى الميدان؟ ولم  لا أكون أنا السوبرمان المنشود بعد إصلاح ما اعوج من طبيعتى؟  كذلك يريد نيتشه أن يقوض الأخلاق السائدة التى تعتمد  على الرحمة والإيثار والعطف، ويقول أن ذلك سلاح خلقه  الضعيف خلقا ليتقى به القوى وقسوته؛ وكم كنا نود أن نسأله  كيف تغلب الضعيف حتى سادت آراؤه وأصبحت أخلاقا معترفا

بها؟ وأين كانت الأرستقراطية القوية عندما شهرت صفوف الشعب  فى وجهها هذا السلاح الرهيب؟

الحق الذى لا شك فيه أن النزعات والأخلاق جميعا قد فرضها  القوى على الضعيف فرضا، فان كان بها من الوهن شيء، فلا يقع  تبعته إلا على عاتق القوى الذى يروج لحكمه نيتشه.

اشترك في نشرتنا البريدية