الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 38الرجوع إلى "الرسالة"

فلم "الاتهام"

Share

فى الأسبوع الماضى عرض فلم مصرى جديد، هو ثالث الافلام  المصرية التى عرضت هذا الموسم، ونعني به فلم "الاتهام" لشركة  فنار فلم، التى دعت رجال الصحافة لمشاهدته فى حفلة خاصة قبيل  عرضه على الجمهور.

ولعل هذا الفلم هو أول شريط مصرى نجد فيه موضوعا، أو  حادثة إذا شئت، محبوكة الاطراف، منسجمة الوضع، تسير من  البداية الى النهاية فى تسلسل طبيعى معقول، فخلا بذلك مما كان  يؤخذ على الأفلام المصرية عامة من تفاهة الموضوعات التى تعرضها  وعدم استقامة الحادثة وارتباكها، مما كان يجعل هذه الافلام  تافهة من الناحية الفنية القصصية، ويجعل الارتباط بين مشاهدها  المختلفة مضطربا يتلمسه المشاهد تلمسا ويكاد لا يفهمه، وفي ذلك ما يقلل  من قيمة الفلم نفسه، بل يجعله فاترا مملولا ليست فيه هذه الحرارة  التى تدفع المتفرج الى تتبع مشاهدة والاندماج فيها والتأثر بها.

ففلم الاتهام، سد من هذه الناحية نقصا كبيرا، وتضمن حادثة  وموضوعا يستطيع أن يلمسهما المتفرج فى غير عناء ولا مشقة،  ويمهد سياق الحادثة من ناحية أخرى، بوقائعها المتتالية، مشاهد  تمثيلية رائعة لابطال الفلم يظهرون فيها مقدرتهم الفنية.

على أن الموضوع ليست له هذه القيمة الفنية التى نعلقها  عليه، ولكنه فاز برضاء الجمهور بفضل هذه المفاجآت  السينمائية التى تجعل المتفرج لا يمل العرض، ومن المعروف أن  القصة، مسرحية كانت أم سينمائية، اذا لم تثر اهتمام المتفرج  سقطت. وفى فلم "الاتهام" هذه المفاجآت التى تجعل

المشاهد طول مدة العرض متيقظ الحواس والمدارك لا يفوته  منه مشهد الا ويثير اهتمامه بما يليه، ومن هنا نجح الفلم هذا  النجاح الملحوظ الذى يستحق عليه أصحابه كل شكر وثناء. ونريد  أن نخص بالذكر هنا السياق الفنى البديع الذى ظهرت به حادثة القتل  والسر فيها، فقد بقى محتفظا به الى اللحظة الأخيرة، الى ساحة المحكمة  حيث المتهمة فى القفص وكل الأدلة تقوم على إدانتها، وفجأة تظهر  الحقيقة، ويعترف المجرم بجرمه، ويرى المشاهد كيف ارتكبت  الجناية، فيكون لذلك تأثيره فى نفسه. وهذا المشهد هو أبدع  مشاهد الفلم ولا شك من الناحية الفنية السينمائية، وقد أحسن حبكه  وعرضه بمهارة تدل على كثير من الحذق والدراية بأصول الفن السينمائى  اشتركت نخبة طيبة من الممثلين والممثلات فى القيام بادوار  هذا الفلم وعلى رأسهم السيدة بهيجة هانم حافظ وقد نزلت الى ميدان  العمل الحر بنفس ملؤها الثقة وروح مفعمة بالأمل والرجاء، وقد  حققت الايام ما كانت ترجوه لنفسها من نجاح، وللفن الذى قصرت  عليه جهودها من توفيق وفوز.

ظهرت السيدة بهيجة هانم لأول مرة على الشاشة الفضية فى دور  "زينب" فى الرواية المعروفة بهذا الاسم للدكتور محمد حسين هيكل بك  ونجحت فى دورها نجاحا شجعها على تكوين شركة سينمائية، هى  شركة "فنار فلم" التى تقدم ذكرها والتى يتولى إدارتها الأستاذ محمود  حمدى بكفاءة نادرة جعلتها فى مقدمة شركاتنا السينمائية المصرية.  وقد أخرجت هذه الشركة قبل اليوم فلم "الضحايا" ، وهذا الفلم  "الاتهام" هو فلمها الثانى. وقد قامت السيدة بهيجة بدورى البطولة  فى الفلمين. وكان توفيقها فيهما كبيرا الى درجة تغبط عليها حقا،  فهى تلجأ فى مواقفها على الشاشة الى البساطة التى هي ميزة الممثل  الماهر الذى لا تحس فى تمثيله تكلفا أو تصنعا، بل يعيش فى دوره  ويندمج فيه حتى ليتلاشى الممثل ولا يبقى الا هذا الشخص الذى تراه  على الشاشة بطلا من أبطال الحادثة.

والسيدة بهيجة "فوتوجينك" فلها هذا القوام المتسق البديع،  وهذه القسمات والملامح الواضحة التى تظهر على الشاشة فاتنة أخاذة  وعين "الكاميرا" دقيقة قوية تسجل الهنات والصغائر وتجسمها،  ولا تعوض الكفاية هذا النقص الذى يبدو فى صورة الممثل أو  الممثلة، والسيدة بهيجة من هذه الناحية كثيرة التوفيق، توفرت  فيها كل الشروط التى تؤهلها للتمثيل السينمائي، وللنجاح فيه، سواء  من ناحية المقدرة الفنية والاستعداد لإخراج الشخصية التى تمثلها  اخراجا دقيقا ماهرا، أو من ناحية التصوير والظهور على الشاشة  فى صورة بديعة فاتنة. وللسيدة بهيجة فوق هذا صوت متزن النبرات  حلو النغم، سلس الأداء، سمعه الجمهور فى هذا الفلم لاول مرة،  لأنه أول فلم ناطق تشترك فيه

ولعل من الخير ان نذكر هنا ان السيدة بهيجة اشتهرت وعرفت  قبل عملها فى السينما بموهبتها الموسيقية، وقد نالت سنة ١٩٣٠ دبلوما  فى الموسيقى من باريس، ومن المعروف أنها وضعت موسيقى  جميع الافلام التى اشتركت فيها، وقد سجلت هذه الألحان على  الاسطوانات الغنائية. وهذه الأنغام الساحرة التى سمعها الجمهور  أثناء عرض أفلام (زينب) و (الضحايا) و (الاتهام) هي من  وضع السيدة بهيجة. ولها فى هذا الفلم الاخير مقطوعات عديدة  تعد من أحسن ما وضعت والفت الى اليوم.

ونحن نسجل هنا مغتبطين هذا النجاح العظيم الذى نالته  فى فلمها الجديد بتمثيلها وموسيقاها، ونرجو ان يكون لهذا الاقبال من  الجمهور على مشاهدة الفلم صداه فى القريب العاجل فنرى قريبا فلما  جديدا لها

قامت السيدة زينب صدقى بأحد الأدوار الأولى فى الفلم، والسيدة  زينب ممثلة معروفة لها على المسرح شهرة بعيدة، وقد أخرجت كثيرا  من الادوار الفنية الدقيقة التى يعد نجاحها فيها دليلا ساطعا على  مقدرتها الفنية وكفايتها الفذة، فليس عجيبا أن توفق هذا التوفيق  فى دورها فى هذا الفلم، تمثيلا وأداء وحركة

وقام الأستاذ زكى رستم بدور شوكت المحامي قريب بهيجة الذى  يحبها، ويقتل فى سبيلها، ثم يترافع عنها محاولا انقاذها، وقد كان  فى كل مواقفه مبدعا موفقا، خصوصا فى موقفه الأخير عند اعترافه  بجرمه الذى يعد من أبدع المشاهد التمثيلية فى القصة بما أبداه  هذا الممثل الكفء من الحرارة ومهارة الأداء، وتدفق العاطفة،

واتزان الصوت والحركة، وزكى هو الآخر من ممثلينا البارزين  على المسرح وله أدواره المعروفة وكفايته التى لا تنكر.

هؤلاء الثلاثة هم أبطال الفلم، وقد عاونهم مجموعة كبيرة من  الممثلين الاكفاء الذين أجادوا مواقفهم إجادة كبيرة، وفى المقدمة  الأستاذ محمود حمدى الذى مثل دور وكيل النيابة وألقى كلمة الاتهام  وهو يتمتع بصوت جهورى ممتلئ قوى النبرات، يترك فى نفس  المتفرج أثرا بليغا، ومن ممثلى الفلم أيضا حضرات عزيز فهمى،  وحسن كمال، ومنير أبو سيف، ومنير فهمى، وعبد القادر المسيرى،  ولطفية الصغيرة، وقد كانوا جميعا كثيرى التوفيق فى أدوارهم المختلفة  ولا يسعنا فى النهاية إلا أن نهنئ شركة فنار فلم على شريطها  الجديد وعلى ما نال من نجاح واقبال، ونرجو أن يكون هذا حظها  على الدوام فى افلامها المقبلة.

اشترك في نشرتنا البريدية