الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 170الرجوع إلى "الثقافة"

في الأدب العربي :، ١ - المتنبي وسيف الدولة

Share

كان لسيف الدولة ناحية فنية قوية ، لا تقل شأنا عن ناحية السياسية والحربية ، فهو يحب الفن ويولع به ، ويتذوقه ويساهم فيه .

وقد وردت في ذلك اخبار متفرقة تدل عليه .

فهو موقع بالتصوير ، رغم النزعة الشائعة إذ ذاك في كراهيته ، فيروي صاحب اليتيمة ان سيف الدولة أمر بضرب دنانير للصلات في كل دينار منها عشرة مثاقيل وعليه اسمه وصورته فأمر يوما لابي الفرج الببغاء بعشرة منها ، فقال :

نحن بجود الأمير في حرم  نرتع بين السعود والنعم

أبدع من هذه الدنانير لم      يجر قديما في خاطر الكرم

فقد غدت باسمه وصورته    في دهرنا عودة من العدم

ولعله استوحي ذلك من سورة دنانير الروم

وأدل على ذلك ما ذكره المتنبي في صفة حسيمة لسيف الدولة ، تدلنا على ذوق سيف الدولة ، وحبه للفن حقا ، فقد ذكر المتنبي أن هذه الخيمة أو القبة التي كانت تضرب علي سيف الدولة ، كانت قطعة فنية رائعة .

ففيها صورة روضة بديعة لم يحكمها السحاب ، وإنما حاكها النساج ، وأغصان الاشجار ترفرف عليها طيور لا تنقص عن الطيور الطبيعية إلا بالغناء .

وفيها صور وحوش بحارب كل جنس عدوه ، ولكنها سلبت الروح فتسالت

وإذا ضربنها الريح ماج بعضها في بعض فكان صور الخيل تجول ، وكان صور الأسود تختل صور الظباء لتصيدها وتدركها

وفي ناحية من الخيمة صورة ملك الروم ، وصورة سيف الدولة ، وملك الروم يسجد لسيف الدولة ، ويخضع له وبتذلل ويقبل بساطه ، إذ لا يقدر على تقبيل كمه وبده لارتفاع مكانه

وبين يدي سيف الدولة الملوك متكثين على مقابض سبوفهم من هيبته

وفي حواشي الخيمة لآلئ من النسيح تكاد لا تختلف عن اللألي الحقة إلا أنها لم تنظم ولم تتقب . ففي ذلك يقول المتني :

عليها رياض لم تحكها تسحابة    وأغصان روح لم تغن حمائمة

وفوق حواشي كل ثوبير موجه    من الدر سمط لم يثتقبه ناظمه

تري حيوان البر مصطلحا بها    يحارب ضد ضده ويسالمة

إذا ضربته الريح ماج كأنه    تجول مذاكيه وتدأي ضرارهمه

وفي صورة الرومي ذي التاج ذلة   لأبلج لا تيجان إلا همائمه

تقبل أفواه الملوك يساطه     ويكبر عنها كمه ويراحمه

قياما لمن يشقي من الداء كيه    ومن تبن أذني كل قوم مواسمه

قبائبها تحت المرافق هيبة     وأنفذ مما في الجفون عزائمه

وهي صورة بديعة ، تشهد بحب سيف الدولة للتصوير والفن

ثم أولع بالموسيقي ، فكانت في قصوره الجواري المغنيات ، ويروون ان الفارابي لما زاره عرض عليه سيف الدولة قيانه فأسمعته ، فأسمعه الفارابي من قانونه خيرا مما سمع

وأنمي من هذا وأظهر ناحية سيف الدلة الأدبية ، ولم يذكر المؤرخون لنا كيف ثقف وكيف علم ، إلا انهم ذكروا أنه كان من شيوخه أبو ذر الشاعر وابن خالويه اللغوي النحوي ، وانه درس دواوين الشعر القديم ، وكانت تتغذي عواطفه العربية ، من تمدح بالشجاعة والكرم كما كان يعرف أيام قبيلته ( تغلب ) ومفاخرها .

وتدل الدلائل كلها على دقة حسه الأدنى وذوقه الفني . يقول فيه المتنبي :

عليم باسرار الديانات واللغي   له خطرات تفضح الناس والكتبا

فهل تستدل بهذا على أنه كان يعرف غير اللغة العربية أيضا ؟ أظن ذلك ؛ فإن خلكان يروي في ترجمة الفارابي انه كان لسيف الدولة مماليك ، وله معهم لسان خاص يحدثهم  به .

ومن مظاهر حبه للأدب وسعة اطلاعه وحسن ذوقه أنه كان كثيرا ما يتمثل بأبيات قديمة ، وتعجبه أبيات يرددها ، أو قافية يستملحها ، أو معنى يستجيده ؛

فيطلب من الشعراء أن يجيزوها أو يقولوا على قافيتها فمرة - مثلا - ورد على خاطره بيتان للعباس بن الاحنف

أمني تخاف انتشار الحديث    وحظي في ستره أوفر

ولو لم أصنه لبقيا عليـ      ك نظرت لنفسي كما تنظر

واستحسن المعنى ، فأرسل رسولا مستعجلا لابي الطيب ومعه رقعة فيها البيتان يسأله إجازتهما ، فقال المتنبي أبياته المشهورة :

رضاك رضاي الذي أوثر  وسرك سري فما أظهر  الخ

وديوان المتنبي وغيره من الشعراء مملوء بهذه الامثال . ثم مجلسه الأدني الحافل في حلب ، والذي قل أن يكون له نظير ، فالشعراء والأدباء في مجلسه يثيرون الموضوعات المتنوعة ، ويساهم فيها سيف الدولة ، ويحكم بينهم فيما اختلفوا فيه ، ويجزل العطاء لمن أجاد فأحيانا يستذكرون الشعر القديم ، واحيانا يسألهم إجازة شعر ، وأحيانا مسألة نحوية ، وأخري مسألة لغوية ، حسبما اتفق ، فمثلا مرة بنشئ سيف الدولة هذا البيت :

لك جسمي تعلمه      فدمي لم تحله

ويطلب من أبي فراس أن يجيزه فيقول :

أنا إن كنت مالكا     فلي الأمر كله

ومرة يسأل المتنبي أن يعيد إنثار قصيدته :

على قدر أهل العزم تأتي العزائم    وتأتي علي قدر الكرام المكارم

وكان سيف الدولة يحب هذه القصيدة ويستعيدها فلما وصل إلي قوله :

وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردي وهو نائم

تمر بك الأبطال كلمي هزيمة  ووجهك وضاح وثغرك باسم

قال سيف الدولة : قد انتقدنا عليك هذين البيتين ، لأن الشطرين لا يلتئمان ، وكان خيرا أن تخالف بينهما فتقول :

وقفت وما في الموت شك لواقف ووجهك وضاح وثغرك باسم

تمر بك الأبطال كلمي هزيمة   كأنك في جفن الردي وهو نائم

وهو نقد دقيق ، وإن كان المتنبي قد رد عليه فقال : " إن الثوب لا يعرفه البزاز معرفة الحائك "

وسأل سيف الدولة مرة في مجلسه هل يعلمون اسما ممدودا ، وجمعه مقصور ؟ فلم يحيروا جوابا إلا ابن خالويه فقال عذراء وعذاري ، وصحراء وصحاري . وهكذا كان مجلسه حافلا بالأدب والنقد .

وهو مع ذلك شاعر غير أنه مقل ، فقد رويت له في كتب الأدب اشعار ، وإن كان كثير منها قد نسب لغيره في بعض دواوين الشعراء . فلعله كان يتغني بها فبظن بعض الناس أنها له ، ولكن بعضها يكاد يجمع الرواة على أنه لسيف الدولة ، كقوله في جارية رومية له كان يهواها ويخشى عليها من حظاياه ، فأودعها قلعة وقال :

راقبتني العيون فيك فأشفق    ت ولم أخلي قط من إشفاق

ورأيت العذول بحسدني في    ك مجدا يا أنفس الأعلاق

فتمنيت أن تكوني بعيدا      والذي بيننا من الود باق

رب هجر يكون من خوف هجر    وفراق يكون خوف فراق

وقال :

تجني على الذنب والذنب ذنبه    وما تبني ظلما وفي شقه العتب

وأعرض لما صار قلبي بكفه  فهلا جفاني حين كان لي القلب

اذا برم المولى بخدمة عبيده     تجني له ذنيا وإن لم يكن ذنب

سيف الدولة هذا الفنان الناقد الشاعر الملك ، هو الذي اتصل به المتنبي .

كان المتنبي بعد خروجه من سجنه لدعواه النبوة ، أو لما قيل من دعواه النبوة ، بائسا فقيرا ناقما على الزمان وأهله ، يشعر بعظمته وعلو نفسه ؛ ثم لا يجد لهذه العظمة منفذا ؛ فهو يتردد على من يسميهم الناس عظماء ، فيمدحهم فلا يجد عندهم تقديرا لنفسه ولا لشاعريته ، حتى رووا أنه مدح على بن منصور الحاجب بقصيدته التي مطلعها :

بأبي الشموس الجائحات غواربا  اللأبسات من الحرير جلابيبا

فأعطاء عليها دينارا واحدا فسميت القصيدة الدينارية

وقالوا إن أكثر ما نال على شعره قبل اتصاله بسيف الدولة كان مائة دينار ، منحها له الأمير أبو محمد الحسن ابن عبيد الله بن طفج بالرملة

فكان اتصاله بسيف الدولة صفحة جديدة في أدبه ، وصفحة جديدة في رخاء عيشه

كان أبو الطيب يتنقل في ربوع الشام مادحا من يخاله كريما محسنا ، حتى نزل على أبي العشائر ، عم سيف الدولة ، وعامل انطاكية ، ومدحه بقصائد كثيرة ، يقول فيها :

شاعر المجد خدنه شاعر اللف    ظ كلانا رب المعاني الدقاق

لم تزل تسمع المديح ولكن    من صهيل الجياد غير النهاق

وسار مع أبي العشائر مسيرة مصغرة للسير التي سارها بعد مع سيف الدولة .

في شهر جمادي الآخرة من ستة ٣٣٧ ه زار سيف

الدولة أنطاكية ، وكان بها أبو الطيب . وكان قد سمع سيف الدولة به ويشعره ورأي ان يزين به بلاطه . فقدمه إليه أبو العشائر ، وعرض عليه ان يكون شاعره .

كان غير أبي الطيب من الشعراء لو عرض عليه مثل هذا العرض يطير فرحا ، ويري ان ذلك امنية الاماني وسعادة الدهر . ولكن أبا الطيب تردد طويلا ، وأداء تردده ان يشترط ، لم يشترط مالا بعطاء ، ولا جائزة ينالها ، وهو لهذا ضامن . ولكنه اشترط الا يعامل معاملة سائر الشعراء ، لأنه ليس شاعرا فحسب ، بل شاعرا وعظيما وقد سمع أن الشعراء يذلون لسيف الدولة ذلة لا يرضاها لنفسه ، سمع أنهم يقبلون الأرض بين يديه ، وانهم ينشدون شعرهم وهم وقوف أمامه :

فاشترط ألا يكون شئ من ذلك ، إنما يكون (( ملك الشعراء يمدح ملك  الناس )) فاذا كان سيف  الدولة را كيا مدحه المتنبي وهو راكب ، وإذا كان جالسا مدحه وهو جالس ، ثم لا يظهر بمظهر الخضوع من تقبيل الأرض ونحوه

وعرف سيف الدولة منزلته وشهرته وانه سيكون صوتا مدويا في العالم العربي يشيد بذكره فقبل شروطه لبث المتنبي مع سيف الدولة نحو عشر سنين من سنة ٣٣٧ إلي سنة ٣٤٦ أغلبها في حلب ، وقال فيها نحو ثلث شعره كما وأجود شعره كيفا .

لم يجد شعر المتنبي في زمن جودته أيام سيف الدولة لأسباب : أهمها أن المتنبي لم يجد ما يغذي نفسه وعواطفه في نواحيها المختلفة ، كما وجدها في هذه الأيام فالمتنبي عربي يعتز كل الاعتراز بعربيته ، فكان يحتقر كافورا لأعجميته ، ويسب ابن خالويه لأعجميته ، ويقول في أبياته :

تهاب سيوف الهند وهي حصائد   فكيف إذا كانت نزارية عربا

وجري ذكر ما بين العرب والأ كراد من الفضل فسأل سيف الدولة المتنبي ما تقول ؟ فقال :

إن كنت عن خير الأنام سائلا     فخيرهم اكثرهم قصائلا

من كنت منهم يا  همام وائلا     الطاعتين في الوعي أوائلا

والعاذلين في الندي العواذلا     قد فضلوا بفضلك القبائلا

فكان - لهذا - إذا مدح كافورا وغيره لم يخلص ولم يوانه طبعه ، وإذا مدح سيف الدولة مدح عربيا لا يري غضاضة في مدحه ، وانثالت عليه المعاني العربية انثيالا . وكان المتنبي وسيف الدولة لدين شاء الله أن يولدا في سنة واحدة سنة ٣٠٣ ، واصطحبا وسنهما اعز ايام الشباب ، فقضيا معا من سن ٣٤ إلى ٤٤ ، والعواطف تمازج وتتحاب إذا تقاربت في السن وانفقت في الشباب .

وسيف الدولة فارس والمتنبي فارس كلاهما يعشق الخيل والضرب والطعمان ، فان خرج سيف الدولة فارسا خرج المتنبي فارسا ، وقد صحبه في مدة غزوات إلي بلاد الروم ، ومنها غزوة قالوا إنه لم ينجح منها إلا سيف الدولة وستة نفر من صحبه أحدهم المتنبي - فإذا شعر المتنبي في الغزوات والقتال والشجاعة والحرب فإنما يستمد ذلك من نفسه ومن شعوره ، لا من ألفاظ حشاها في رأسه بنظمها ولا تتصل بقلبه

ثم ما أغدق عليه سيف الدولة من مال لم يحلم به ولم تره عينه من قبل ؛ وكان المتنبي محبا للمال حبا لا يتناسب وطلبه للمجد وعلو همته ، وقد علله هو بأن ذلك يرجع إلي أيام صباه يوم كان لا يجد قوت يومه ، فعله ذلك قيمة المال والشهوة إليه والحرص عليه ، ويعبر عما في نفسه من ذلك فيقول :

فلا يتحلل في المجد مالك كله   فينحل مجد كان بالذل عقده

ودبره تدبير الذي المجد كفه       اذا حارب الأعداء زنده

فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله    ولا مال في الدنيا لمن قل  مجده

فغذاه سيف الدولة من هذه الناحية حتى أتخمه ، وكان في سيف الدولة الأريحية العربية والكرم العربي فتقابلت هذه الصفة مع شره المتنبي وطمعه ، فكان يعطيه في كل سنة نحو ثلاثة آلاف دينار ، غير الهدايا من أفراس وحوار وسيوف ، وأقطعه مرة إقطاعا بناحية معرة النعمان كان يخرج إليها المتنبي أحيانا ، فزاد العطاء في فصاحة المتنبي وحمله على العمق في استخراج المعاني ، واللهي تفتح اللها  . وفوق هذا وذاك فقد كان كل الوسط الذي حول المتنبي أيام سيف الدولة يتطلب منه الاجادة . فلقد كان حوله شعراء عديدون نابهون كأبي فراس والنامي والببغاء وابن نباتة وغيرهم ، ونقاد ونحاة ولغويون ، والملك على رأسهم يشعر وينقد ويقدر ، ويأتي من أعمال الفروسية والبطلولة ما ينطق الصبي

فكيف بعد ذلك كله لا يكون عصر المتنبي مع سيف الدولة خير عصوره وأحسنها إنتاجا . وقد سئل هو نفسه في ذلك : لم تراجع شعره بعد مفارقة آل حمدان فقال : قد تجوزت في قولي واعفيت طبعي ، واغتنمت الراحة ، منذ فارقت آل حمدان ، وفيهم من يقول : ( تسائلني من أنت وهي عليمة ) يعني أبا فراس ، وفيهم من يقول :

وقد علمت ما لاقته منا       قبائل بعرب وبني نزار

لقيناهم بأرماح طوال          تبشرهم باعمار قصار

يعني أبا زهير بن مهلهل الحمداني .

وفيهم من يقول :

أ أخا الفوارس لو رأيت مواقفي        والخيل من تحت الفوارس تنحط

اقرأت  منها ما تخط يد الوعي    والبيض تثكل والأسنة تسقط

يعني أبا العشائر . ا ه

وهكذا اجتمعت كل هذه الأسباب على ان يحسن المتنبي في هذه الفترة كل الاحسان . وإن كان ذلك الخوف من الناقدين ، والمعنى في إعمال الفكر ، أخرجه احيانا إلي ما يسميه النقاد بالخيال الواهم ، ويعنون به  الابعاد في الخيال إلي حد الوهم .

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية