يذكر الكثيرون ولا شك تلك القصة التي بدأها الأستاذ الدكتور طه حسين بك في مجلة " الفجر ؛ منذ أعوام خلت ، ثم حالت الظروف دون موالاة نشرها ؛ ومرت الأعوام ، وما من واحد ممن قرأوا ذلك الاستهلال الرائع لسرد القصة على لسان فتاة تناجي الكروان . هذه الفتاة آمنة التي كانت تجد في دعاء الكروان عزاء ،
وفي الاستماع إلي شدوه لذة تثير كوامن نفسها ، وتبعث صور الماضي حية قوية - ما من واحد ممن قرأوا بداية تلك القصة إلا وهو مشوق ان يمضي مع هذه الفتاة في ذكرياتها وحديثها ، فيستمع إلي ما تقص عن انباء حياتها ، وما تردد من خواطر ومشاهدات عبرت بها في رحلتها من الصحراء إلى الريف ، ومن الريف إلي المدينة ، ومن المدينة إلي العاصمة . هذه الخواطر التي تسردها في جمال الخاطر الحزين وروعته ، ورقته .
ها هي آمنة إذا تخرج عن صمتها الذي طال ، فتقص من أقاصيها بين دفتي كتاب قصة رائعة ، رائعة بألوانها التي اتخذتها من الأجواء المختلفة التي انتقلت فيها وعاشت خلالها ، رائعة باسترسالها السهل قدر ما تسمح الخواطر لفتاة قدر لها أن تنال حظا من العلم
بالحياة غير يسير . وهل في الحياة دروس غير تلك الأحداث التى تنتاب الناس والتي تلم بهم ، فتبعث فيهم تلك الفلسفة الساذجة العميقة كفلسفة صاحبتنا آمنة ؟ هذه الفتاة البدوية التي ترغم إرغاما مع امها وأختها على أن يهجرن مأواهن على حدود الريف ، فيضربن في الأرض حتى يصل بهن المطاف إلي إحدي المدن يطلبن العيش بالخدمة في
بيوت الأثرياء وذوي النفوذ ؟ وما يكاد يطيب لهن المقام حتى يفجعن في أعز ما تمتلك أسر البادية وهو الشرف ؛ فقد اعتدي على أخت آمنة مهندس شاب ، فلم يعد للأسرة مقام إلا أن ترحل بعارها .
وتحمل آمنة معها ذكري أيامها السعيدة تخايلها في كل مكان ، في الطريق من الحضر إلي البادية ، وفي الصحرا في تلك البقعة الموحشة من الأرض حيث يغسل خالها عار الأسرة على نحو ما يغسل أهل البادية العار ، ولا تكاد ذكري هذه الحياة الهنيئة التي تفتها في المدينة تلح عليها حتى تجذبها إليها ، بل وحتي تجذبها إلي حيث كانت اختها ، إلى بيت ذلك الهندس الشاب الذي عبث باختها . والذي
بوشك أن يعبث بها هي أيضا ، لولا ما تأخذ به نفسها من حرص وعناء تحسبه أول الأمر إعراضا وحقدا ، وتتصوره انتقاما تعذب به من كان السبب في قتل اختها ، ولكنها ما تلبث ان تتبين انه غير هذا وذاك ، وانه ليس إلا الضوء الذي يجذب الفراشة ، وان صدها ليس انتقاما فهي لا تحقد وإنما تحب ، وإنما تطيل التفكير في أمر نفسها فلا تصل إلا إلي ما تصل إليه الفراشة ، ان تغني علي جدار المصباح متحرقة بضوئه اللامع ، ولا تملك آخر الأمر إلا أن تستقر في هذا الوضع .
وما احسب الى عرضت القصة او لخصتها ، فهي صور للحياة وخواطر لنفس شاعرة حساسة قوية الاحساس والوعي معا . نفس متفلسفة شديدة القابلية للصقل ؛ فما تشهدها أول الأمر فتاة البادية حتى يدركها آخر القصة فيلسوفة تفهم الحياة وتدرك اصدق الادراك ، وقد حلت محل أختها في حب ذلك الشاب على كره منها ، ان شبح هذه الاخت وإن كان خليقا أن يبعث في نفسها الحزن واللوعة فليس في مكنته أن يحول دون هذا الحب ، بل إن في طاقته أن يجعل ما بينها وبين هذا الشاب من الحب أشد قوة وأقوي رباطا . وإنه لكذلك ، فما تكاد تقص على الشاب قصتها حتى يدرك ما قضى عليهما به من اتصال ليحملا معا
ذلك الشقاء الذي قدر عليهما .
ما احسب ان العرض والتلخيص جدير بمثل هذه القصص . وإنما الاجدر بها اشارة عابرة لما فيها من خطوط لأحداثها ، وخير المرء أن ينصت مع الكروان إلي آمنة وهي تتحدث وتنتال عليها الخواطر ، وان يبتسم مع الكروان ايضا حين يلمس حيرتها وهي تعالج ما في نفسها من الحب فلا تكاد تتبينه ، أو تخشى ان تتبينه ، أو تخجل ؛ تلك الابتسامة الساخرة كابتسامة الشيخ ينصت إلي قصة الصبي الناشئ ، يري من الأحداث والتجارب ما سر به هو من قبل ، وما يعرف منه اكثر مما يعرف الصبي ، ومع ذلك فهو يبتسم ولا يزيد عن الابتسام
وما يمنع ذلك أن أشير إلي ما في القصة من عرض لبعض الوان الحياة في الريف وفي البادية توشك ان تندثر ، فهي في حاجة إلى ريشة فنان يسجلها ، وقد سجلها الدكتور طه فأحسن تسجيلها ، وما فيها إلى جانب ذلك من استرسال في الوصف يذكرنا بالقصص الوجدانى ، حيث تبدو صفحات الوصف كانها مقالات قاعة بذاتها ، وحيث يصبح التسلسل في السرد امرا ثانويا يحل محله اتساق الأسلوب وسهولته في التشويق .
ولقد سمي الدكتور طه حسين بك هذه القصة عشا متواضعا للكروان ، وإن هذا العش المتواضع لجميل حقا ؛ وإنه ليطل على آفاق كثيرة متسعة مترامية ، يكاد الكروان وهو بطل منها أن يلم بها جميعا ، لولا ما يأخذ بصره من عديد الألوان ، والصور ، والخيالات . .

