الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 333الرجوع إلى "الرسالة"

في كلية الآداب

Share

١ -  جاءني صديق يدرس علماً من العلوم العقلية في كلية  الآداب، جاءني يشكو. وهذا الصديق كان زميلي أيام التحصيل  في جامعة باريس.

قال صديقي: أتدري ما يجري عندنا؟ قلت: خيراً! قال:  إن أحد المدرسين من الأجانب لا يقنع بما تم له في جانب التدريس  بفضل سعي مستشرق كبير، فها هو ذا يتلطف ليظفر بإدارة  شؤون مكتبة الجامعة. وأعجب من هذا أنه يتلمس من الكلية  استقدام زميل له شاب من أوربة، فيقول إنه من ذوي البسطة  في اللغة العربية ومن أهل النظر في الاستشراق، وإنه لا غنى  للكلية عنه في تلقين الطلبة   (مناهج البحث في المشرقيات) .  ومما يورث الأسف أن آذان   (قسم اللغة العربية)  في الجامعة  قد نشطت إلى هذه الأقوال. ولو تدري يا صديقي أن هذا العالم  الشاب - واسمه سلومون بينيس S. Pines - قد عرفناه في باريس  قلت: لا أذكره. قال: إنه ذلك اليهودي اللتواني، وفي  منطقه عِي. قلت حقاً لا أذكره؛ ألا تخبرني عن كفايته؟  قال: إنه لا يحمل سوى شهادة الدكتوراه من ألمانيا، وأنت  تدري أن الدكتوراه الألمانية ليست بشيء يذكر إذ المعول عليه  هنالك شهادة   (الهابليتاتسيون) ، وما الدكتوراه إلا في مرتبة    (الليسانس)  الفرنسية. قلت: هل ألّف الرجل شيئاً فنُعظم فهمه  ونكبر عرفانه؟ قال: إنه صنَّف رسالةً في الفلسفة الإسلامية  لم يشقَّ بها أفقاً ولم يكشف عن سر، فهو ممن يجري ويُجرى مَعَه.  بالله خبِّرني: أكلُّ من خطر له أن يسقط إلينا يصيب الأذرع  إلى العناق مشتاقة؟ ثم ماذا أقول عن هذا، وماذا يقول إخواني  وجلُّهم من زملائي الباريسيين أو البرلينيين؟ إنَّ في مصر غير  واحد ممن حصل في أوربة فن الاستشراق ومارسه وألَّف فيه

وظفر برضا أهله وإعجابهم، وذلك فضلاً عن أن العربية لغتنا  فقدُمنا فيها أثبت وبصرنا بها أعلى).

إني أنقل شكوى الزميل، وأملي أن يكون حديثه وهما  من الأوهام.

٢ -  في كلية الآداب   (معهد الدراسات الإسلامية)  وهو اسم واقع على شيء غير موجود، بل على خزانة كتب (وهي غير  وافية فلقد شكا إلى بعضهم أن ليس فيها   (كتاب الشعر)  لأرسطو،  ترجمة أبي بشر متي بن يونس).

وقال لي قائل: إن الوزارة السابقة وقفت دون إخراج هذا  المعهد من جانب القوة إلى جانب الفعل، وذلك دفعاً لفتنةٍ قد  تقوم بين كليتين في هذا البلد. فانظر كيف تُفسد السياسة  مسالك العلم.

إن معهداً للدراسات الإسلامية مما لا معدِل عنه لمصر.  وقد فصلت ذلك في العدد الخاص لمجلة (المكشوف)   البيروتية    (١٠ يولية ١٩٣٩)  فلا أحب أن أعود إلى ما جاء هنالك. غير  أني أذكِّر بعضهم أنْ ليس في مصر - وهي مصر - مجلة محض  علمية موقوفة على مسائل الإسلام وشؤون العرب، على حين أن  في بيروت مجلة   (المشرق)  وفي دمشق   (مجلة المجمع العلمي  العربي) . وأما أوربة وأمريكة فمجلات الاستشراق تزيد فيها  على الثلاثين. وأغرب من هذا أن للفرنجة في مختلف البلدان  الإسلامية مجلات رفيعة الشأن، وقد ذكرت بعضها في (المكشوف)

٣ -  منذ تسعة أشهر أو نحو ذلك أُلِّفت في كلية الآداب  لجنة لوضع المصطلحات الفلسفية باللغة العربية. وأعضاء هذه  اللجنة طائفة من الأساتذة والمدرسين من مصريين وأجانب.  واللجنة على قسمين: قسم للتحرير وآخر للعمل. وهذا القسم

الثاني على شعب، وإحدى هذه الشعب إنما همها منصرف إلى تأليف  معجم المنطق من طريق استخراج المصطلحات فالتنقيب عن أصلها  اليوناني ثم الاهتداء إلى نظائرها في اللغات الإفرنجية الحديثة.  ومما نوته هذه الشعبة طبع منطق كتاب الشفا لابن سينا طلباً  للوصول إلى مصطلحاته وبذلها للمراجعين. هذا وأعمال سائر  الشعب على ذلك النحو.

ولا شك أن مثل ذلك السعي محمود، فمن ورائه تُسد حاجات  التعبير الفلسفي بقواعد صحيحة. ولاشك في أن جُل رجال  تلك الشعب أهل اطلاع ومعرفة، وإن نُحِّيَ عنهم غيرهم من  المشتغلين بمصطلح الفلسفة الإسلامية.

غير أن أعمال تلك اللجنة لا تزال حديثاً يُتناقل في أندية  الثقافة العليا، وإن كان حديث صدق. مصداق ذلك أن شعبة  معجم المنطق لم تقم في أثناء تلك المدة إلا بتصوير منطق كتاب  الشفا وهو مخطوط. وهذا البطء في الإنجاز قد دعا بعض  المستشرقين المتصلين باللجنة إلى أن يكتب إليها يستخبرها الخبر  على ما انتهى إليَّ.

فعسى أن تمنع اللجنة الناس أن يقولوا إن مجمع فؤاد الأول  للغة العربية أوفر نشاطاً من لجنة وضع المصطلحات الفلسفية  في كلية الآداب.

اشترك في نشرتنا البريدية